قمة الهند والدول الإسكندنافية لماذا يسعى ناريندرا مودي لاستمالة دول الشمال الأوروبي؟

قمة رفيعة المستوى في أوسلو تجمع الهند وخمس دول إسكندنافية — النرويج والسويد وفنلندا وآيسلندا والدانمارك — بهدف تعزيز الشراكات الاستراتيجية والتجارية.

تُعَدّ قمة الهند والدول الإسكندنافية، التي تُعقد يوم الثلاثاء، النسخة الثالثة من اللقاءات رفيعة المستوى بين الجانبين. تأتي هذه القمة بعد أشهر قليلة من توقيع الهند اتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي، وسنة بعد دخول اتفاق الشراكة التجارية والاقتصادية (TEPA) مع أيسلندا وليختنشتاين والنرويج وسويسرا حيّز التنفيذ.

أثر النزاع الروسي في أوكرانيا، ورسوم الولايات المتحدة على الواردات، بالإضافة إلى التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه إيران، بشكل ملحوظ على اقتصاد الهند وأمنها الطاقي، ما دفع نيودلهي إلى توسيع آفاق علاقاتها مع دول غربية متعددة.

خلفية وتنظيم القمة
– الدورة الأولى من القمة عُقدت في ستوكهولم عام 2018، والثانية في كوبنهاغن عام 2022.
– تشارك في هذه الدورة رئاسة وزراء الدول المعنية: ناريندرا مودي (الهند)، يوناس غار ستورِه (النرويج)، ميتّيه فريدريكسن (الدانمارك)، بيترّي أوربو (فنلندا)، كريسترون فروستادتير (آيسلندا)، وأولف كريسترسون (السويد).
– حضور مودي يمثل أول زيارة لرئيس وزراء هندي إلى النرويج منذ زيارة إنديرا غاندي عام 1983، أي بعد 43 عاماً.

محاور القمة وأهميتها
تتضمن أجندة القمة قضايا التجارة، ومواجهة تغير المناخ، وتأمين الطاقة، والقضايا الجيوسياسية الراهنة — لا سيما الحرب الروسية في أوكرانيا وتداعيات المواجهات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران على الاقتصاد والطاقة. وذكرت وزارة الشؤون الخارجية الهندية في بيانها الصادر في 11 مايو أن القمة تهدف إلى “إضفاء بُعد أكثر استرتيجية على علاقة الهند مع الدول الإسكندنافية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا والابتكار، والانتقال الأخضر والطاقة المتجددة، والاستدامة، والاقتصاد الأزرق، والدفاع، والفضاء، والمنطقة القطبية الشمالية.”

التعاون التجاري والاستثماري
من المتوقع أن تكون صادرات الدول الإسكندنافية من التكنولوجيا الخضراء والطاقة المتجددة والآلات الصناعية إلى الهند، إلى جانب صادرات الهند من الأدوية والآلات والسلع الاستهلاكية مثل النسيج، محط بحث خلال المحادثات. بلغ حجم التبادل التجاري بين الهند والدول الإسكندنافية مجتمعين نحو 19 مليار دولار في 2024. كما تتمتع شركات إقليمية بارزة مثل نوكيا الفنلندية، وفولفو وآيكيا السويديتين، بحضور كبير في السوق الهندية. وإلى جانب ذلك، تبني أحواض بناء السفن الهندية سفناً تشكل نحو 11 بالمئة من طلبات جمعية ملاك السفن النرويجية.

وقالت وزارة الخارجية الهندية إن زيارة مودي ستُعطي دفعة للعلاقات الثنائية في مجالات التجارة والاستثمار مع الدول الإسكندنافية، وستسهم في بناء سلاسل إمداد مرنة عقب اتفاقية التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي واتفاق الهند مع دول الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة (EFTA).

يقرأ  الجيش الإسرائيلي: مقتل أحد خاطفي ياردن بيباس

مواقف الخبراء
شيرِي مالهوترا، نائبة مدير في مؤسسة أوراق المراقبة للأبحاث (ORF) في نيودلهي، أوضحت لشبكة الجزيرة أن الهند ستستغل خلال القمة القدرات المميزة لكل دولة إسكندنافية: خبرة آيسلندا في الطاقة الحرارية الأرضية، ومزايا النرويج في الاقتصاد الأزرق والنقل البحري، وتفوّق السويد في الابتكار الصناعي والدفاعي. وأضافت أن الدول الإسكندنافية تشكّل كتلة إقليمية متقدمة من دول صغيرة برصيد ناتج محلي إجمالي يقارب تريليونَي دولار، وتقود العالم في مجالات الابتكار الرقمي، والتحول الأخضر، والطاقة النظيفة، والحلول المناخية والبحرية التي تتوافق مع أولويات الهند التنموية وطموحاتها الاستراتيجية.

ومن جانبها، أشارت جارِيما موهان، باحثة أولى في برنامج الهندوــباسيفيك لدى مؤسسة مارشال الألمانية ومقرها بروكسل، إلى أن تركيز القمة سينصب كذلك على التقنيات الخضراء والابتكار، لا سيما في ظل أزمة مضيق هرمز. وأضافت أن “الحرب على إيران خلقت أزمة كبرى في الأمن الاقتصادي والطاقي تؤثر على أوروبا والهند معاً، وإدارة تبعاتها ستكون جزءاً أساسياً من نقاشات الزيارة.”

الاهتمام الهندي بالقطب الشمالي
رغم أن الهند لا تشترك بحدود برية أو بحرية مع أي دولة قطبية، فإن لها تاريخاً في المنطقة يعود إلى معاهدة سفالبارد عام 1920، التي تمنح النرويج السيادة على سفالبارد مع إتاحة حقوق الصيد والتعدين والتملك التجاري لدول الموقعين. استفادت الهند من أحكام المعاهدة في إجراء البحوث العلمية؛ فقد أرسلت بعثة علمية إلى القطب الشمالي عام 2007، وأنشأت محطة أبحاث باسم “هيمادري” عام 2008، وأطلقت عام 2014 منظومتها المعرّفة IndARC، أول مرصد بحري موصول بسلاسل مراسية تحت الماء، مرسوًّا في مضيق كونغسفيوردن على عمق يقارب 180–192 متراً، لدراسة مناخ القطب الشمالي وتأثير ذوبان الجليد على موسم الرياح الموسمية في الهند.

وخلافاً للأبحاث، تتطلع نيودلهي في السنوات الأخيرة إلى توسيع بصمتها الاستراتيجية والاقتصادية في القطب الشمالي الغني بالغاز الطبيعي والهيدروكربونات والمعادن. ووفق تقارير محلية، تأمل الهند خلال قمة الثلاثاء في تأسيس آلية هندية ــ إسكندنافية لقضايا القطب الشمالي، لا سيما وأن جميع الدول الإسكندنافية أعضاء في مجلس القطب الشمالي، وهو منتدى حكومي دولي تأسس عام 1996 لتعزيز التعاون والتنسيق وحماية المجتمعات الأصلية وسكان المنطقة.

المكانة الدولية للهند في الشؤون القطبية
حُظيت الهند بوضع مراقب في مجلس القطب الشمالي عام 2013، ما أتاح لها المشاركة في نقاشات السياسات المتعلقة بالمنطقة ومتابعة قضايا الأمن الطاقي والبيئي ذات الصلة بمصالحها الوطنية. ستسعى القمة، إذاً، إلى ترسيخ شراكات عملية تجمع بين البعد العلمي والبعد التجاري والاستراتيجي، مع التركيز على التكنولوجيا النظيفة، ومرونة سلاسل الإمداد، والاستثمار الأجنبي المباشر، كمدخل لتحقيق فوائد ملموسة لكلا الطرفين. في مارس 2022 أصدرت شبه القارة سياستها الخاصة بالقطب الشمالي، وقالت وزارة علوم الأرض إن الهدف منها تعزيز «البحث العلمي والتعاون الهندي، وحماية المناخ والبيئة، والتنمية الاقتصادية والبشرية، والنقل والربط، والإدارة والتعاون الدولي، وبناء القدرات الوطنية في منطقة القطب الشمالي».

يقرأ  الشرطة تنشر صوراً للمكان الذي اختبأ فيه رجل يعيش في البرية وأخفى فيه أطفالاً في نيوزيلندا

ووصفت السياسة المنطقة القطبية بأنها «ساحة نفوذ وتنافس»، مؤكِّدة أن وضع الهند كمراقب في مجلس القطب الشمالي سيساعد نيو دلهي على توسيع فهمها للهياكل الحوكميّة المعقَّدة والقوانين الدوليّة ذات الصلة والجغرافيا السياسية في تلك المنطقة.

منذ 2022 واجه مجلس القطب الشمالي تحديات أمنية ناجمة عن حرب روسيا في أوكرانيا، حيث عززت موسكو قدراتها العسكرية وبصمتها الاقتصادية قرب حدودها مع دول شمال أوروبا مثل النرويج وفنلندا. وفي الوقت نفسه باتت الصين تعمل على تكثيف وجودها عبر مبادرة «طريق الحرير القطبي»، التي تهدف إلى تطوير مسارات شحن جديدة ومساعدة بكين على تأمين موارد طبيعية في القطب الشمالي.

لمواجهة نفوذ الصين في المنطقة، ركّزت الهند أيضاً على «الممر البحري الشرقي» الذي من شأنه أن يدمج مسارات الشحن القطبية، ويرمي إلى ربط موانئ تشيناي وفيزاخاباتنام وكولكاتا في الهند بموانئ فلاديوستوك وأولغا وفوستوتشني في روسيا.

قالت موهان إن القطب الشمالي سيكون جزءاً من محاور النقاش في قمة الهند والدول الإسكندنافية، خاصة وأن المنطقة تكتسب اهتمام نيودلهي. وأضافت أنها لا تتوقع مخرجات إلزامية من القمة، لأن الدول الإسكندنافية تفضّل إبقاء هذه المحادثات ضمن أُطر «رسمية» مثل مجلس القطب الشمالي.

هل ستُناقَش علاقات الهند مع روسيا؟
من المرتقب أن تُطرح حرب روسيا في أوكرانيا على طاولة القمة، ولا تزال الدول الإسكندنافية قد دانت بشدة تصرُّفات موسكو. غير أنه ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الدول ستتطرّق تحديداً إلى علاقات الهند الحالية مع روسيا.

«هناك دائماً بعض الفوارق حول علاقة الهند بروسيا وبين الدول الإسكندنافية، التي تعتبر روسيا التهديد الأساسي لها. لكن هذه الفوارق تُدار بنشاط من الجانبين، لأن مجالات التقارب بين أوروبا والهند أكبر وتطغى على نقاط الاختلاف»، قالت موهان.

لقد حافظت الهند طويلاً على علاقات استراتيجية متينة مع روسيا، التي كانت المورد الأبرز لسلاحها خلال الحرب الباردة. وعلى مدى نحو 35 عاماً مضت، عمّقت نيودلهي علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول غربية أخرى من دون التخلي عن علاقاتها مع روسيا.

في شأن الإجراءات الروسية في أوكرانيا طالبت الهند بإنهاء الحرب لكنها امتنعَت عن إدانة موسكو بشكل صارم، كما ضاعفت مشترياتها من النفط الروسي أثناء الحرب لأن موسكو عرضته بأسعار مخفَّضة. لكن بعد أن فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسوماً تجارية إضافية بنسبة 25 في المئة على الهند العام الماضي بسبب شراء النفط الروسي، سعت الهند إلى تنويع مصادر طاقتها وزيادة مشترياتها من مناطق أخرى.

يقرأ  أمازون تُسرّح آلاف الموظفينوسط تسارع الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعيأخبار التجارة الإلكترونية

أين زار مودي أوروبا أيضاً؟
قبل القمة الإسكندنافية عقد رئيس الوزراء مودي لقاءً ثنائياً مع رئيس وزراء النرويج ستورِه في 18 مايو، حيث تطرَّق الزعيمان إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية ورفّعا مستوى التبادل إلى «شراكة استراتيجية خضراء». وفي منشور على منصة X دعا مودي النرويج إلى «الاستثمار في مبادرات الهند للطاقة النظيفة». وقال ستورِه للصحفيين إن هناك خلافات بين الهند والنرويج لكن يجب التوحد ضد الدول التي «تسخّر الدبلوماسية والتجارة والتكنولوجيا كسلاح».

زار مودي غوتنبرغ في السويد في الفترة من 17 إلى 18 مايو، وخاطب اجتماعاً لمجموعة من الرؤساء التنفيذيين الأوروبيين، حيث أكد رئيس وزراء السويد أولف كريسترسون أن زيارة مودي شكّلت محطة فارقة في العلاقات الهندية-السويدية وأن البلدين يتشاركان طموح مضاعفة حجم التجارة والاستثمار خلال خمس سنوات.

وفي الفترة من 15 إلى 17 مايو زار مودي هولندا لتعزيز الروابط التجارية وتوسيع التعاون في مجالات الدفاع والأمن. وخلال الزيارة وقعت شركة تاتا إليكتورنكس الهندية اتفاقاً مع العملاق التكنولوجي الهولندي ASML لبناء مصنع كبير لأشباه الموصلات في غرب الهند. وكتب مودي على X أن «محادثاتي مع رئيس الوزراء الهولندي روب ييتن كانت موسّعة وغطّت طيفاً واسعاً من القضايا»، مشيراً إلى موضوعات مثل الدفاع والأمن وإمكانية إعداد خطة عمل لصناعة الدفاع بأسرع ما يمكن، والتعاون في مجالات الفضاء وأنظمة البحرية والأمن البحري.

مع ذلك، أعرب رئيس الوزراء الهولندي ييتن قبل لقاءه بمودي لوسائل الإعلام المحلية عن قلق هولندا إزاء بعض التطورات في الهند. وقال بحسب صحيفة دي فولكسكرانت: «الأمر لا يقتصر على حرية الصحافة فحسب، بل يشمل حقوق الأقليات التي تتعرض لضغوط كبيرة، ويقع في مقدمتها المجتمع المسلم، إلى جانب كثير من المجتمعات الصغيرة الأخرى». وأضاف أن القلق يكمن في مدى استمرار الهند كمجتمع شامل تُطبّق فيه الحقوق على الجميع، وأن هذه المخاوف تُثار بانتظام مع الحكومة الهندية.

وعندما سُئل في لاهاي عن مخاوف ييتن قال سكرتير الخارجية الهندي سيبي جورج: «نواجه هذا النوع من الأسئلة أساساً بسبب قلة فهم السائل».

بعد القمة الإسكندنافية سيتّجه مودي إلى إيطاليا حيث سيلتقي رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني في روما.

أضف تعليق