كانت نيويورك في ثمانينيات القرن العشرين مكانًا مختلفًا تمامًا؛ عربات المترو مغطّاة بالجرافيتي من الداخل والخارج وساحة تايمز خالية من شاشات LED الضخمة التي نعرفها اليوم. شهدت المدينة انتشار طاقة جديدة خشنة وحيوية، رصدها مصوّرون مثل ستيفن سيغل وويلي سبيلر وجاميل شاباز، وتجسدت ثقافيًا في فيلم تشارلي أهيرن «وايلد ستايل» (1982). تلك الحقبة شهدت ولادة الهيب هوب والنيو ويف، وظهور مشاهد ليلية أيقونية، وأزياء متميّزة، وتجدد في تيار البوب آرت.
في 1978 انتقل الشاب كيث هارينغ (1958–1990) إلى مانهاتن ليدرس في مدرسة الفنون البصرية. كتب لاحقًا أنه وصل في زمن كانت أجمل اللوحات تُعرض على عجلات—في القطارات—لوحات تسافر إليك بدل أن تذهب إليها. جذبته ردود فعل الناس على الفن الموجود في الفضاء العام والمفاجئ، وكيف أنه يصبح جسرًا للحوار والفضول اليومي.
بطبشور أو طلاء أسود، كان هارينغ يرسم بخط واضح وحاسم ملائكةً، ومخلّفات طائرة، وشخوصًا راقصة، وثعابين، وغيرها من الرموز على مساحات مختلفة، وغالبًا ما كانت أعماله مؤقتة. امتد عمله إلى معيّنات ترفيهية مثل منتزه لونا لونا الذي جُدِّد، وظهرت جداريات له أُعيد اكتشافها بعدما اختفت خلف غلافات مادية لعقود. جيلي من الناس تعرّفت على أسلوبه الكرتوني المميّز قبل أن تعرف اسمه، وارتدت تصاميمه على التيشيرتات كمظهر شعبي للفن الذي كان يؤمن بضرورة وجوده في كل مكان.
لم يكن هارينغ يعتبر نفسه فنان غرافيتي تقليديًا، لكنه أعجب بدقّة توقيعات الفنانين على الشارع وبالتدخّلات الفريدة التي قام بها فنانون حضرون مثل فاب 5 فريدي، وليدي بينك، وجان ميشيل باسكيات (باسم سامو مع شريكه آل دياز). ومع انسحاب المعلنين خلال فترة الركود الاقتصادي واستبدال لوحات الإعلانات الفارغة بأوراق سوداء كبيرة داخل محطات المترو، استشعر هارينغ قماشًا جاهزًا للحظة فنية. كانت تجربته في الفضاء العام درسًا عمليًا: عددٌ كبير من المارة يتوقّف ليراقب، والمحادثات التي تبدأ أمام لوحة بسيطة قد تكشف عن مدى إمكانية مشاركة الفن مع جمهور أوسع.
سلسلة هارينغ في المترو، «فن في الانتقال»، قفزت به إلى ذروة مشهد الثمانينيات الفني، حيث كان آندي وارهول قد رسّخ حضور البوب آرت، ودائرة من فناني الجرافيتي والمؤدين والمبدعين صاغت لغة بصرية وصوتية للعقد. كان هارينغ يرسم بسرعة لتجنّب الاعتقال—وقد اعتُقل مرة على الأقل—، لكن الصدفة أمنت توثيقًا مهمًا لأعماله قبل أن تُزال على يد صُوّار مثل إيفان دالا تانا. نجت بعض القطع، وتأتي إحداها الآن ضمن معرض «كيث هارينغ في البُعد الثالث» الذي يفتتح في متحف كريستال بريدجز للفن الأمريكي.
المعرض، الذي جمع مجموعة لاري وورش بالتعاون مع القيّم غلين آدامسون، يوسّع منظور هارينغ إلى العمل المجسّم والمواد المتعدّدة الوسائط. من أشكال نفخية لطفل المشع الشهير إلى مذبح أصدره بعد تشخيصه بالإيدز، مرورًا بسلاسل من «التماثيل» المنحوتة بالمجسّات الحجمية، يحتفي المعرض بالتجريب والعمل التعاوني. كما يطرح قضايا حيوية في الفن المعاصر اليوم: من مسألة الاقتباس الثقافي إلى تجارب المجتمع الكويري، ويكشف عن صراحة الفنان في تناول مرض الإيدز الذي قضى عليه عن عمرٍ ناهز الحادية والثلاثين.
تُعرَض الكثير من الأعمال مقتناة من مجموعة وورش الخاصة، التي ضمت أجزاءً من استوديو هارينغ، وقطعًا من ملابسه اليدوية الظاهرة، وغطاء محرك من سيارة أجرة صفراء تالفة مطليًا برسومه، ولوح فولاذيًّا نجا من هدم المبنى الذي عاش فيه، وثيابًا وقفازات رُسمت عليها، وحتى ثلاجة وُسمت بتوقيعات فنانين مختلفين. هذه المجموعة تكشف عن عين جامعٍ ارتبط بذائقة الفنان الخطّية الجريئة، وتؤكد أن لأي سطحٍ إمكانية أن يتحوّل إلى عمل فني إذا راق له ذلك.
يُظهر تصميم المعرض مساحة عرض طويلة ومفتوحة تسمح للرائي بأن يرى من طرفٍ إلى طرف ويتجوّل بدون مسار زمني مفروض. فراغات الجدران المحيطة تُركت خالية إلى حد كبير ليفرَض السير بين أشكال ومنحوتات وفازات خزفية وقطع أرشيفية وطلاءات على أشياء مستعملَة—حيث يتجلّى الإحساس الشامل بأعمال هارينغ: اعتقاده بأن أي سطح يمكن أن يحمل فنًا، وأن كيفية ومكان التلاقي مع العمل جزء لا يتجزأ من تجربته.
يثير المعرض أيضًا نقاشات حول مصدر إلهام هارينغ؛ فمجموعة «التوتِمات» استلهمها من أعمدة التوتِم لدى سكان شمال غرب المحيط الهادئ كرموز للجماعة والوحدة، وأعمال الأقنعة الكبيرة تعكس تأثير التقاليد الإفريقية مطعّمة بخطوط هارينغ الجريئة. اليوم يُعاد تقييم استيعاب الفنانين البيض لعناصر ثقافية مُغايرة في ضوء حسّ نقدي متغيّر، ويؤطر آدامسون هذه المسائل بدقة في كتابات نقدية مرافقة للمشروع.
على صعيد الثقافة الشعبية، لم يغِب هارينغ عن مقاطع الفيديو الموسيقية لنجوم مثل مادونا وغريس جونز، وظهر في الإعلانات والأزياء ومحطات المترو، وفلسفته في إتاحة الفن للجماهير تجلّت في متجره «بوب شوب» الذي افتتحه عام 1986 في سوهو—مشروعٌ جمع بين البيع والتثاقف وهدفه جعل الفن متاحًا قدر الإمكان. هذا التمرد الريادي على نموذج معرض الصالة التقليدي جعل من هارينغ لاعبًا محوريًا في جعل الفن جزءًا من الحياة اليومية.
المعرض الذي يحمل اسم Keith Haring in 3D يصاحبه كتاب بنفس العنوان، وقد تحوّل من مشروع كتابي إلى استعراض متحفي شامل. يفتتح في بينتونفيل، أركنساس، ابتداءً من 6 يونيو ويستمر حتى 25 يناير 2027. للمُشاهد فضاءات متعددة للاطّلاع على نصوص وتحف وقطع مجسّمة تُعيد قراءة لغة هارينغ البسيطة والمُفعمة بالطاقة، وتدعوه إلى الانخراط في حوارٍ حيّ مع الفن في أبعاد غير متوقعة.
هل تهمك قصص وفنانون من هذا النوع؟ الفن المعاصر يظلّ مرآةً لتقاطع الثقافة الشعبية والسياسة اليومية، ومعارض كهذه تذكّرنا بأن الفن يمكن أن يكون حاضرًا في كلّ مكان. ومرحبًا بك لزيارة العرض واكتشاف كيف يتحوّل سطحٌ عادي إلى لوحةٍ تحرك المشاعر وتثير الأسئلة.