الافتراض القائل إن نقد دولة اسرائيل في استراليا يساوي معاداة السامية يهدد بأن يرسخ التباسًا خطيرًا. إن مساءلة سلوك دولة أجنبية ليست مساوية لوصم أو مهاجمة جماعة بشرية لها روابط ثقافية أو دينية مع تلك الدولة. تمثل دولة إسرائيل مؤسساتها الرسمية، كمثل سفارتها في كانبيرا، وليس الجاليات اليهودية المنتشرة في مدننا وضواحينا.
لكن رد الفعل الأوتوماتيكي على الهجوم الذي استهدف احتفالاً يهوديًا في سيدني عمّق ذلك الالتباس. في 14 ديسمبر 2025، بينما كانت عائلات يهودية تتجمع قرب شاطئ بوندي للاحتفال بعيد الحانوكا، فتح مسلحان النار، وأسفرا عن سقوط 15 قتيلاً وإصابة العديد في واحد من أسوأ الهجمات في تاريخ أستراليا. استجابة لذلك، شكّلت الحكومة الفدرالية لجنة ملكية تبحث في معاداة السامية والتماسك الاجتماعي برئاسة القاضية السابقة في المحكمة العليا فرجينيا بيل. وفي 30 أبريل 2026 وضعت اللجنة تقريرها المرحلي، الذي أثار مخاوف جدّية بشأن تعريفنا لمعنى معاداة السامية.
اتخذت اللجنة تعريف العمل لمؤسسة التذكّر بالمحرقة (IHRA) لمعاداة السامية، الذي يتضمن أمثلة تُعدّ فيها انتقادات لإسرائيل مؤشرًا على معاداة السامية. لكن هذا التعريف الواسع يطوي تحت سقفه التعليق النقدي على سياسات إسرائيل في غزة، ومعاملتها للفلسطينيين في الضفة، والتصريحات النابذة للإنسانية الصادرة عن بعض مسؤوليها، في إطار هجوم عنصري موجّه ضد يهود أستراليا. كيف يُعقل هذا التوافق المنطقي؟
الأمر ليس مسألة نظرية بعيدة؛ إذ إن طمس الحدود بين هذين النطاقين يعمل كحاجز أمام النقاش العام. يضيّق مجال اللغة المسموح بها لوصف سلوك إسرائيل في غزة، حيث شاهد أستراليون أحياءً بأكملها تُمحى ومئات الآلاف من المدنيين يتعرّضون للقتل والجوع والتهجير.
السرد الرسمي الذي تكرره الحكومات يفيد بأن لإسرائيل “الحق في الوجود” وواجبًا في حماية مواطنيها؛ وهو سرد يبدو وكأنه يمنح إسرائيل تفويضًا مطلقًا لتدمير قطاع غزة وقتل عشرات الآلاف. لكن لا تُمنح أي دولة أخرى هذه المعاملة الاستثنائية. ليس ثمة مَن يستطيع أن يفعل ما يشاء لمجرد أن لدیه “حقًا في الوجود”. أستراليا نفسها تملك هذا الحق، ومع ذلك لم يحجبها ذلك عن انتقادات لاذعة سواء بشأن مصادرة أراضي الشعوب الأصلية، أو سياسات الاحتجاز البحري، أو تقاعسها عن مواجهة أزمة المناخ. عندما اعتذر رئيس الوزراء كيفن رود عام 2008 لأجيال المسروقة عن الأخطاء التي ارتكبتها حكومات سابقة تجاه السكان الأصليين، لم تُعرض شرعية أستراليا كدولة للخطر؛ بل كان اعتذارًا يعبّر عن روح الرأي العام ويفصل حكومته عن سياسات الماضي.
غير أن في سجالات تتصل بإسرائيل، تتحوّل عبارة “الحق في الوجود” واتهام المعارضين بمعاداة السامية إلى قاطع للنقاش. تُغلق الباب أمام نقاش صريح حول دولة إسرائيل وسلوكها، ويُحجم الحديث عن الاحتلال، والفصل العنصري، وجرائم الحرب بدعوى أنها أشكال من معاداة السامية. هذا سابقة مقلقة تبرئ إسرائيل من المساءلة الأخلاقية والسياسية.
ولئن أُنشئت اللجنة استجابةً لموجة حقيقية ومروّعة من العنف المعادي للسامية، فإن أُطر عملها قد تثير الشكوك حول أي تحقيق جاد في سلوك إسرائيل. فهي ترسّخ نوعًا من الاستثنائية التي تضعف في الواقع الأعراف الديمقراطية في أستراليا.
يجب على المجتمع الليبرالي أن يرسم خطًا واضحًا: الكراهية أو التمييز أو العنف ضد اليهود هي معاداة للسامية وغير مقبولة على الإطلاق؛ أما نقد حكومة أجنبية فهو أمر مشروع ولا ينبغي أن يُساوى بذلك.
ثمّة تكلفة اجتماعية على اليهود الأستراليين عندما يُطمس هذا الخط. يتعامل النقاش العام كثيرًا مع “الجالية اليهودية” ككتلة موحّدة مؤيدة لإسرائيل ومُمثلة بعدّة هيئات محددة؛ وهذا وصف غير دقيق. كثير من اليهود الأستراليين قلقون إذ تُستغل أسماؤهم لتبرير تدمير غزة، وبعضهم تحرّك احتجاجًا ضد سياسات حكومتها.
افتراض الدعم اليهودي الإجمالي لأفعال إسرائيل إنما يسلب اليهود الأستراليين حقّهم في التصرّف السياسي والرفض. والأخطر من ذلك أنه قد يُصوّر المعارضين اليهود كمزيفون أو غير أصليين. وإذا ما أدت قواعد السياسات التي تبلورها هذه اللجنة إلى تصنيف تلك الأصوات كمعادٍ للسامية، فستُمحى مرتين: تُقصى أولًا من تعريف “الجالية” ثم تُعاقب لمجرّد التعبير عن رأيها. هذا صمت للمعارضة يتخفّى بثوب الحماية.
إذا كرّست المؤسسات العامة فكرة أن نقد إسرائيل يعني نقد اليهود، فإنها في الواقع تُغذي معاداة السامية.
صور الدمار في غزة التي تبثّها الشاشات حفزت رأيًا عامًا عالميًا؛ وخرج شباب كثيرون في أستراليا مطالبين بوقف السياسات الإسرائيلية ومنادين بحرية الفلسطينيين. وصف مثل هذه الاحتجاجات بأنها معادية للسامية لا يمكن أن يكون أكثر إضرارًا بالديمقراطية الأسترالية؛ فهو سيولّد استياءً تجاه النظام السياسي لأنه يتجاهل ما يراه الناس على شاشاتهم، وسيغذّي، على نحوٍ خطير، الروايات المعادية للسامية التي يُفترض أن اللجنة تتصدّى لها. أولئك الذين يحملون بالفعل مواقف معادية للسامية سيشعرون بالتثبيت أن اليهود يتصرفون جماعيًا عبر إسرائيل. لا تستطيع اللجنة أن تقترف هذا الخطأ.
لجهة الإعلام الوطني، يجدر الثناء لهيئة الإذاعة الأسترالية (ABC) وخدمة البث الخاصة (SBS) على تجنبهما الخلط بين إسرائيل والشعب اليهودي، وعلى عدم تبنيهما لتعريف IHRA. كما أن تقرير اللجنة المرحلي لم يتبنَّ أكثر الاقتراحات قسوة؛ لا هُناك اندفاع لحظر شعارات احتجاجية أو لتجريم التعبير السياسي. لا يزال ثمة متسع للتفاؤل بأن اللجنة يمكن أن تعالج المسألة في تقريرها النهائي بنضجٍ ومسؤولية.
المعايير التي يجب أن تفرضها لحماية التماسك الاجتماعي في أستراليا واضحة:
أولًا: تمييز لا لبس فيه بين معاداة السامية ونقد إسرائيل.
ثانيًا: الاعتراف بتنوّع الرؤى داخل الجماعات اليهودية، بما في ذلك أولئك المعارضون لأفعال إسرائيل، وإشراك هذه الأصوات في الجهود لمكافحة معاداة السامية.
ثالثًا: صون المساحة السياسية للفلسطينيين وحلفائهم لوصف تجاربهم من احتلال وتهجير وحصار بمصطلحاتهم الخاصة، مع رفض أي خطاب مُجحِف أو عنصري تجاه اليهود.
معاداة السامية في أستراليا تشكل تهديدًا للجالية اليهودية — بغض النظر عن آرائها السياسية — ولبنية تماسكنا الاجتماعي نفسها. غير أن محاولة مواجهة هذه الآفة عبر دمج الآراء النقدية تجاه دولة إسرائيل مع كراهية اليهود لن تفعل سوى تفاقم المشكلة. إن هذا المنهج سيقيد النقاش، ويحدّ من حرية التعبير والبحث العلمي، وقد أدّى بالفعل إلى رقابة ذاتية في جامعاتنا ويُرسّخ الالتباس ذاته الذي يغذّي معاداة السامية.
الآراء الواردة في هذه المقالة تعبّر عن رأي المؤلف وحده ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.