خافيير ميلي «مجنون الأرجنتين»: نظرة داخل عالمه السياسي

مقوّمات نشأة اقتصادي

ولد خافيير غيراردو ميليي في الثاني من أكتوبر عام 1970 في بوينس آيرس. والده، نوربيرتو، عمل سائق تاكسي ثم مالك شركة نقل، لكنه كان أيضًا رجلاً مسيئًا؛ تعرّض الصغير لصفعات متكررة، وكان يسبّه بكلمات مهينة ويُخوفه بأن يموت جوعًا.

«تعرض له والده للضرب والإذلال؛ عاش حياة بالغة الصعوبة، وما نراه اليوم من ميلِّي هو بلا شك نتاج تلك التجربة»، هذا ما قاله خوان لويس غونزاليس، مؤلف السيرة «اللوكو»، لقناة الجزيرة.

وحاولت أخته كارينا وحدها حمايته؛ أمّه، أليسيا، ربة منزل لم تكن عنيفة بالضرورة لكنها وقفت مع زوجها وسمحت باستمرار الاعتداءات. حدث أن شاهدت كارينا ضرب نوربيرتو لأخيه بشدّة حتى أصابتها نوبة هلع. في إحدى المرات قالت له أليسيا: «أختك هكذا بسبك. إذا ماتت فذلك خطأك».

رغم أن ميليي سيبتعد لاحقًا عن والديه ويمتنع حتى عن التحدّث معهما، بقيت كارينا من أقرب المقربين إليه ورفيقات سره.

خلال طفولته وشبابه كانت ارجنتين تمر بفترة حكم عسكري بين 1976 و1983، عقب انقلاب دموي استهدف ما سمّوه «الإرهابيين». قُتِلَ خلال الحرب القذرة ما يصل إلى ثلاثين ألف شخص يُشتبه في تعاطفهم مع الشيوعية، وكُثرت حالات التعذيب والاغتيال. انتهى الحكم العسكري بعد هزيمة الأرغنتين في حرب جزر فوكلاند عام 1982، وعادت الديمقراطية مع انتخابات أُجريت في العام التالي.

في سنوات مراهقته غنى ميليي في فرقة تكريمية لفرقة رولينغ ستونز، وخاض تجربة قصيرة كلاعب كرة شبه محترف كحارس مرمى مع نادي تشاكاريتا جونيورز، حيث لقّبوه «إل لوكو» بسبب مزاجه الناري. «لم يكن يخشى شيئًا»، قال زميل له لصحيفة لا ناسيون. كنا نتدرب في ملاعب وعره؛ مطرًا أو شمسًا كنا نستمر. كان يفعل أشياء تجعلنا نتساءل… لماذا يفعلها؟

يقرأ  ٦ طرق لتعزيز الاستقلالية في التعلم داخل الصف الدراسي

تحوّلت اهتمامات ميليي مبكرًا إلى الاقتصاد؛ التحق بالجامعة ونال درجتي ماجستير. في تسعينيات القرن الماضي تعرف على فكر الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز، الذي رأى أن الرأسمالية غير المنظمة أدت إلى الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي وأن على الحكومات التدخل لخلق وظائف ومكافحة التضخم بالضرائب وتحفيز النمو بتخفيض أسعار الفائدة أثناء الركود. مبادئ كينز كانت أساس بناء دول رفاهية قوية ظهرت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

لكن ميليي لم يعر كينز إعجابًا يذكر؛ انجذب أكثر إلى الاقتصاديين الليبرتاريين مثل فريدريش هايك وميلتون فريدمان. اعتبر هايك تدخل الدولة تناقضًا مع الحرية الشخصية والملكية الخاصة، في حين أن تلاميذ فريدمان من «فتيان شيكاغو» نصحوا نظام بينوشيه في تشيلي. هذه الإيديولوجيا النيوليبرالية ألهمت ريجان وثاتشر، وسبق أن وصف ميليي رئيسة الوزراء البريطانية الأولى بأنها «من عظماء قادة البشرية».

ذلك التبجيل ليس مجرد خطاب بل يعكس قناعته الأيديولوجية العميقة بدور السوق. «هذا ما يميّز ميليي عن الليبرالية التقليدية»، قال عالم السياسة خوان باوتيستا لوكا من المجلس الوطني للبحوث العلمية والتقنية لقناة الجزيرة. «بالنسبة إليه، السوق ليس فقط كفء؛ إنه عادل. هذه مسألة أخلاقية».

مصدر إلهام آخر كان موراي روثبارد، الأب الروحي للرأسمالية الأنارشية. روثبارد رفض أي شكل من أشكال سلطة الدولة، واعتبر أن الضرائب والرفاهية يجب أن تُلغى وأن تُنظم الحياة الاجتماعية عبر عقود خاصة فقط. «لن يكون هناك احتكار للعنف، ولا دولة تأخذ القانون بيدها لتُحكم كل النزاعات»، يوضح الاقتصادي الألماني فيليب باغوس، مؤلف كتاب «عصر ميليي» ومؤيد للرئيس. «كل شيء سيكون خاصًا: شوارع خاصة، مستشفيات خاصة، مدارس وجامعات ونظم صحية وشرطة خاصة. كل شيء يقوم على التعاون الطوعي».

في مقابلة مع ذي إيكونوميست عام 2024 كشف ميليي أن قراءة كتب روثبارد في 2013 كانت نقطة تحوّله نحو الأناركو-كابيتالية، لكنّه واعٍ لصعوبات تطبيق هذا المشروع عمليًا ويعرّف نفسه الآن بالمينارشست: من يختزل مهام الدولة إلى توفير الأمن فقط (تنفيذ القانون والدفاع).

يقرأ  إسرائيل باتت الآن في قلب الصراع داخل الحزب الجمهوري— دونالد ترامب

«هو ناقل جيد للأفكار، لكن معرفته النظرية ضعيفة إلى حد ما، متناقضة وعنيدة»، هكذا وصفه فرنانديز، الذي التقى ميليي أول مرة عام 2005 عند مراجعته إحدى أبحاثه الأكاديمية.

في 2016 ظهر ميليي لأول مرة تلفزيونيًا بعمر الخامسة والأربعين في برنامج ليلي حيث طُلِب منه الحديث عن كينز. انفجر غضبًا، وهاجم ليس الاشتراكيين فحسب بل الحكومة المحافظة آنذاك بقيادة ماوريسيو ماكري. منذ ذلك الحين صار وجهًا مألوفًا على شاشات الأرجنتين، يشنّ حملات ضد ما يسميه عدم كفاءة الدولة ويدين «الطبقة الحاكمة» الفاسدة من سياسيين وصحافيين ونقابيين وأكاديميين.

في أحد برامج 2018 شبه الدولة بمغتصب في روضة الأطفال: «الدولة هي المغتصب في الحضانة، الأطفال مقيدون ومغطون بالزيت»، كان تشبيهًا صارخًا يعكس عداءه للدولة.

ظهر ميليي كثيرًا على قناتي A24 وأميريكا تي في، المملوكتين للملياردير ومالك مطارات إدواردو يورنيكيان. عمل لدى يورنيكيان من 2008 حتى 2021 وتدرج ليصبح كبير الاقتصاديين في شركة Corporación América.

يعتقد لوكا أن بروز ميليي الإعلامي كان نتيجة استراتيجية ميتا-سياسية مدروسة من قبل مصالح قوية: «الفكرة كانت خوض معركة الهيمنة الثقافية ليس عبر هيكل الحزب التقليدي بل عبر فضاء الإعلام والشبكات الاجتماعية». «لهذا أقول منذ البداية إنه لا يسلك المسار التقليدي لداخل الأحزاب أو لسياسي تقليدي. إنه خارجي غير تقليدي».

كانت لهجته تجاه من يعتبرهم أعداء الحرية عدائية وصريحة. في مقابلة بُثت في أكتوبر 2023 قال: «لا يمكنك أن تمنح القمامات اليسارية شبرًا. إذا فكرت خلافهم سيقتلونك. هذه هي النقطة».

هذا السرد لا يكتفي بتتبّع سيرة رجلٍ واحد، بل يبرز كيف تلاقت التجارب الشخصية والبيئة السياسية والأفكار الفلسفية لتنتج مشروعًا سياسيًا واقتصاديًا مثيرًا للجدل ونافذًا في الفضاء العام. مقوّمات الإقتصادي: «إذا منحتهم شبرًا فسيستغلونه لتدميرك.»

يقرأ  اكتشف «فوق‑الطبيعي» داخل نحت الزجاج الملون للنحاتة جوديث شاختر

«هذا ما يميّزه عن بقية السياسيين في الأرجنتين — الميلي الذي تراه هو الميلي كما هو»، قال غونزاليس.

«لا يمثّل شخصيةً مُختَرَعة. كان غاضبًا جداً، وفي تلك اللحظة بدا غضبه وطريقته في شتم كلِّ خصومه… نَسجم مع الغضب الذي عاشه كثيرون في الأرجنتين بسبب الجائحة، والأزمة الاقتصادية، والتضخّم، أو سوء الحكم الذي سبق. كان ميلي الرجل المناسب في اللحظة المناسبة.»

في عام 2021 انتُخب ميلي نائبًا في الكونغرس، بدايةً كعضو في ائتلاف ليبرتاري، ثم أسّس حزبه الخاص “La Libertad Avanza” (الحرية تتقدّم). كنائبٍ برلماني أعلن بطريقة تمثيلية أن راتبه «مال مسروق من الشعب على يد الدولة»، وأنه سيمنحه عبر سحب شهري يُبث على التلفزيون الوطني. وخلال ساعات على إعلانه، سجّل 250,000 أرجنتيني للمشاركة.

وفى نهاية المطاف التزم ميلي بوعده ووزّع راتبه النيابي شهريًا.

وفي السنة التالية أعلن ترشّحه للرئاسة.

أضف تعليق