بعد مئة يوم من التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يواجه الامريكيون ضغوطاً مالية متزايدة، سواء عند محطات الوقود أو في محلات البقالة، في اقتصاد مُعرض منذ زمن للرياح المعاكسة نتيجة سياسات الرئيس دونالد ترامب الداخلية والخارجية، بما في ذلك الرسوم الجمركية.
استياء شعبي واسع من الحرب: أظهرت استطلاعات حديثة أن نسبة كبيرة من الامريكيين ترفض إدارة ترامب للصراع مع إيران — نحو 66% حسب استطلاع شبكة سي بي إس — بينما وجد استطلاع مشترك لـ ABC News وواشنطن بوست وإبسوس أن 61% يرون أن التحرك العسكري في إيران كان “خطأ”.
الأثر على ميزانيات الأسر الأميركية بات ملموساً. حسب تحليل لمؤسسة موديز أناليتكس، أنفقت الأسر في المتوسط نحو 750 دولاراً إضافية نتيجة الحرب، ومعظم هذا الإنفاق ذهب لتكاليف الطاقة، حيث زادت مصروفات الطاقة بالمعدل الوسطي بنحو 447.19 دولاراً عن المعتاد. قال مارك زاندي، كبير اقتصاديي موديز، إنّ هذا يشكّل “ضربة اقتصادية كبيرة” ويثقل كاهل الأسر المتوسطة والفقيرة التي تعاني أصلاً.
الأسر متوسطة الدخل والفقيرة تُنفق نسبة أكبر من دخلها على السلع والخدمات شهرياً مقارنةً بالأسر الأعلى دخلاً، كما أوضح مايكل كلاين من كلية فليتشر في جامعة تافتس، مشيراً إلى أن الإنفاق الأكبر يذهب للسكن والطعام، وأسعار هذين البندين شهدت ارتفاعات كبيرة.
قفزت أسعار البنزين إلى حوالي 4.22 دولار للغالون الواحد (3.78 لترات) للوقود العادي يوم الجمعة، بعد أن كان المتوسط 2.98 دولار في 28 فبراير، اليوم الذي بدأت فيه الضربات الأولى ضد إيران، بحسب جمعية السيارات الأميركية التي تتابع الأسعار اليومية. وردّت إيران بمهاجمة بنية تحتية للطاقة والحدّ من حركة السفن عبر مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره خُمس صادرات النفط والغاز العالمية، مما دفع أسعار هذين الموردين للصعود.
الارتفاع في أسعار الطاقة كان المحرّك الرئيس للتضخّم؛ فقد سجّل بند الطاقة ارتفاعاً بنسبة 5.5% في أحدث تقرير لمصاريف الاستهلاك الشخصي (PCE) الصادر عن وزارة التجارة الأميركية، وهو مقياس يتابعه مجلس الاحتياطي الفدرالي عن كثب عند اتخاذ قرارات السياسة النقدية. أما التضخّم الكلي فارتفع إلى 3.8% مقابل 3.5% في الشهر السابق، وهو أكبر صعود خلال ثلاث سنوات بحسب مؤشر النفقات الشخصية.
كردّة فعل على هذه الضغوط الاقتصادية، اختار كثير من الامريكيين العمل عن بُعد أو تقليص استخدام السيارات. أظهر مسح لمنصة American Muscle أن نحو 12% من الناس يعملون عن بُعد أكثر نتيجة ارتفاع الوقود، بينما كشف استطلاع لواشنطن بوست/ABC News وإبسوس أن 44% يقلّون من قيادتهم للسيارات لذات السبب. ومع تزايد أسعار البنزين، انهارت ثقة المستهلكين: سجّل مؤشر ثقة المستهلك بجامعة ميشيغان 44.8 في مايو مقارنةً بـ49.8 في أبريل و52.2 في مايو العام الماضي، ويرجع المعهد ذلك أساساً إلى ارتفاعات أسعار الطاقة.
نتائج دراسات أخرى أكدت تراجع المزاج الاستهلاكي إلى أدنى مستوياته خلال عامين وفق مسح ماكينزي، كما انخفض الإنفاق الاستهلاكي حيث تراجع ثلثا الأميركيين عن الإنفاق بسبب ارتفاع التكاليف، بحسب تقرير ثقة المستهلك الصادر عن The Conference Board.
قطاع الطيران تضرر أيضاً؛ أعلنت شركة سبيريت عن إيقاف عملياتها بعد أكثر من ثلاثة عقود، وعزت ذلك إلى ارتفاع أسعار الوقود في مستندات قضائية. كما عدّلت شركات طيران كبرى أسعارها لتعكس كلفة الوقود الأعلى، إذ أعلنت يونايتد عن زيادة في الأجرة قد تصل إلى 20% في أواخر أبريل. وبشكل عام، ارتفعت أسعار تذاكر الطيران 2.7% في مارس ثم 2.8% في أبريل حسب مكتب إحصاءات العمل.
وبينما كان أثر التضخّم واضحاً في سوق الطاقة، بدأ يطال أيضاً السلع النهائية مثل الغذاء: قفزت أسعار المواد الغذائية 0.5% في أبريل، وهو أكبر ارتفاع منذ نوفمبر 2022. وتتوقع تقديرات البنك الدولي تفاقم الضغوط على أسعار الغذاء لأن دول الخليج تُعدّ مورداً رئيسياً للنيتروجين والكبريت المستخدمين في الأسمدة، ويتوقع البنك ارتفاع أسعار الأسمدة بنحو 31% بنهاية العام، مع ارتفاع خاص لأسعار اليوريا بنحو 60%، علماً أن المنطقة تُنتج 36% من صادرات اليوريا العالمية. نتيجة لذلك، شرع المنتجون برفع الأسعار تمهيداً لتكاليف تشغيل أعلى في المواسم المقبلة.
قال جوناثان إرنست، أستاذ مساعد في اقتصاديات جامعة كيس وسترن ريزيرف، إن المزارعين الأميركيين يعانون “مزدوجاً”: دفع أكثر للديزل لتشغيل الجرارات ونقل المحاصيل، ودفع أكثر للحصول على مدخلات الزراعة، وقد ينعكس ذلك على الأسعار لاحقاً خلال الخريف، بعد ستة إلى تسعة أشهر عند حصاد المحاصيل ووصولها للأسواق. بالفعل، لوحظ ارتفاع طفيف حديث في أسعار اللحوم والفواكه والخضراوات بنسبة 1.3% و1.8% على التوالي، بينما ارتفعت أسعار الطماطم بصورة ملحوظة بنحو 15% في مارس مقارنة بالشهر السابق، متأثرةً بالرسوم الجمركية وتكاليف الطاقة.
تأثر سوق السكن أيضاً بارتفاع معدلات الرهن العقاري؛ إذ ارتفعت الفائدة المتوسطة لرهن عقاري ثابت لمدة 30 عاماً من 5.98% في فبراير إلى نحو 6.5% في أواخر الشهر الماضي. هذا الارتفاع جاء بعد أن ضغطت الحرب على عوائد سندات الخزانة الأميركية بسبب تكاليف الطاقة والوقود المتصاعدة التي أدّت إلى توقع تضخّم أعلى، ما عزز الاهتمام بالأصول ذات الدخل الثابت مثل السندات وطالب المستثمرون بعوائد أكبر. بما أن عوائد السندات تترقّب مستقبل التضخم، فإنها تؤثر بدورها في توجهات مجلس الاحتياطي نحو أسعار الفائدة، ويعمد البنوك التجارية عادةً إلى ربط أسعار اقتراض المستهلكين بتلك المؤشرات.
في هذا السياق، يرى عدد من المحللين أن احتمال خفض الفائدة على المدى القريب ضعيف. أقترح محلل في جي بي مورغان تشيس أن الاحتياطي الفدرالي قد لا يغيّر سياسته حتى منتصف 2027، ومع احتمال توجهه نحو رفع وليس خفض الفائدة حينذاك. الضغوط على الاحتياطي لا تقتصر على الأرقام الاقتصادية فحسب؛ إذ مارس الرئيس ترامب ضغوطاً لخفض الفائدة، وأعلن في ديسمبر 2025 أنه لن يعيّن رئيساً للاحتياطي لا يتفق معه في هذه القضية. وقد تم تأكيد تعيين كيفن وورش كمحافظ لمجلس الاحتياطي ورئيس له الشهر الماضي، وسيُختبر في أول اجتماع سياسي للبنك المركزي تحت قيادته المقرر في 16–17 يونيو.
من جهة أخرى، وبينما يواصل المستهلكون الشعور بالضيق، طلب البنتاغون مزيداً من الاعتمادات لتمويل العمليات العسكرية. في مارس، طالب البنتاغون الأبيض بتقديم طلب إنفاق تكميلي بقيمة 200 مليار دولار خارج الميزانية الحالية لتمويل العمليات في إيران، بينما طلبت إدارة البيت الأبيض في نهاية المطاف 98 مليار دولار للنفقات الدفاعية. وتحليلات مدارس عليا مثل هارفارد تشير إلى أن البنتاغون ينفق نحو 2 مليار دولار يومياً على العمليات في إيران، والحكومة تطلب المزيد: ميزانية البيت الأبيض المقترحة للعام المالي 2027 تبلغ 1.5 تريليون دولار، بارتفاع نسبته 42% عن 2026، مرفقةً بتخفيضات في الإنفاق غير الدفاعي بحوالي 10% أو 73 مليار دولار تشمل برامج بيئية وميزانية وزارة التعليم ودعم الزراعة وميزانية مصلحة الضرائب. هذه الاختيارات التضييقية في جانب النفقات العامة ستزيد الضغوط على الفئات المتضررة أصلاً، وقد تبرز آثارها على قطاعات وخدمات عامة عدة في الأشهر المقبلة.