بلغ الخلاف المتصاعد بين الولايات المتحدة واسرائيل ذروته هذا الأسبوع، بعد مقالات نُشرت في مطبوعات إسرائيلية كبرى اتهمت الرئيس دونالد ترامب بأنه تخلّى عن اسرائيل لصالح أكبر أعدائها عقب توقيعه اتفاقاً مؤقتاً مع ايران.
وصف محلّلون شعوراً بالخيانة، وسط سخط شعبي وسياسي على بنود الاتفاق الذي وضع الخطوط العريضة لإنهاء الحرب المشتركة التي شنتها الولايات المتحدة واسرائيل على ايران، وهو ما سيطر على العناوين الرئيسية.
في هجوم لاذع، حمل عمود رأي عنواناً موجعاً: «كان بإمكانك أن تكون أعظم رئيس على الإطلاق، لكنك أخفقت»، حيث اتهم ترامب بتوقيع «اتفاق استسلام مع نظام إرهابي قاسٍ ودموي». نُشر المقال في واحدة من أبرز الصحف الوطنية، Israel Hayom، المملوكة لجهة مانحة بارزة لترامب، ميريام أدلسون، ولم يدخر فيه كاتبوه الكلمات.
صور المقال، الذي طُرح بصيغة رسالة موجهة إلى ترامب، خيبة أمل تتجاوز حتى أقسى الأصوات داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، متّهماً الرئيس الأمريكي بأنه قلب الساعة إلى حرب جديدة وأنه تسبب في «إذلال» بلاده. واستعاد المقال ابتسامة الرئيس السابق باراك أوباما، واعتبرها استهزاءً بالرجل الذي وصف الاتفاق النووي الذي وُقّع عام 2015 بأنّه الأسوأ على الإطلاق، والذي انسحب منه ترامب بعد ثلاث سنوات.
قال هاجاي رام، أستاذ بجامعة بن غوريون ومؤلف كتاب Iranophobia: The Logic of an Israeli Obsession، إن ترامب كان حتى وقت قريب «أشهر شخصية في اسرائيل» لكنه أصبح الآن «الخصم». وأضاف أن ردود الفعل جاءت بدافع «فوبيا» وحسّ شامل بالخيانة الأمريكية لإسرائيل بعد اتفاق اعتبرته وسائل الإعلام الرئيسية «فخاً إيرانياً».
زواج مكسور؟
تُعدّ علاقة التحالف بين الولايات المتحدة واسرائيل واحدة من أمتن التحالفات في التاريخ الحديث. لعبت واشنطن دوراً محورياً منذ قيام الدولة الإسرائيلية عام 1948، ودعمتها خلال صراعات متعددة وتغاضت في مناسبات عديدة عن خروقاتها للقانون الدولي تجاه الشعب الفلسطيني، خاصة في الحصار والهجمات الطويلة على قطاع غزة.
مع ذلك، ورغم خلافات سابقة، لا يبدو أي منها مماثلاً للخلاف الحالي حول بنود مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية (MoU) هذا الأسبوع — مع الإشارة إلى أن المراقبين سارعوْا أيضاً للتأكيد على أن التحالف الاستراتيجي الطويل الأمد لا يزال قائماً إلى حد كبير.
لدى كثير من الإسرائيليين، ايران هي العدو الإقليمي الأبرز، وغالباً ما تُصوَّر الحرب معها على أنها مسألة وجودية. لطالما زعم سياسيون إسرائيليون، من بينهم رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، أن ايران على أعتاب امتلاك سلاح نووي وأنها، مع حلفائها مثل حزب الله اللبناني، تسعى إلى تدمير اسرائيل.
بموجب بنود الاتفاق، التي جرت مفاوضاتها من دون مشاركة واضحة لإسرائيل، كان من المقرر إنهاء كافة الأعمال القتالية فوراً، بما في ذلك الهجوم الذي شُنّ على لبنان أوائل مارس. كما التزم الطرفان باحترام ما أسمته مذكرة التفاهم «سلامة الأراضي وسيادة لبنان»، علماً بأن اسرائيل تحتل حالياً نحو خُمس الأراضي اللبنانية المشارَ إليها.
لم يَرْقَ ذلك كثيراً في اسرائيل. أظهر استطلاع أجراه تلفزيون القناة 12 الخميس مؤشراً على انقسام مع سنوات من الدعم الشعبي الواسع للولايات المتحدة وخصوصاً لترامب. ووفقاً للاستطلاع، شعر 11 بالمئة فقط من الإسرائيليين أن بلادهم «فازت» في الحرب التي بدأت أواخر فبراير، فيما قال 71 بالمئة إنهم لم يعودوا يثقون بإدارة ترامب لضمان حماية المصالح الإسرائيلية في المفاوضات المنبثقة عن بنود المذكرة.
لم يقتصر القلق من الأهداف الأمريكية على الشارع فحسب. وبينما لم يعلق نتنياهو علناً على بنود المذكرة، فإن استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان وادعاءات بأن حزب الله انتهك بنود الاتفاق قد أوحت للمراقبين بأنه لا يعتبر نفسه مقيداً بها. أما داخل حكومته فكان الكلام أوضح: فأفاد كل من وزير المالية من اليمين المتشدد، بتسلئيل سموتريتش، ووزير الأمن القومي، إيتامار بن غفير، عن رفضهما للاتفاق المؤقت.
ونشر بن غفير على منصة X منشوراً دعا فيه إلى أن «يحترق لبنان بأسره»، وهو منشور جرى تقييده لاحقاً لخرقه شروط الخدمة على المنصة.
«قنابل حقائق»
ردّت شخصيات أمريكية بغضب على تصوير مفاوضاتهم في الإعلام والسياسة الإسرائيلية. في قمة مجموعة السبع يوم الأربعاء، قال ترامب للصحفيين إن نتنياهو «اغتاظ قليلاً» في انتقاداته للهجمات على لبنان. أما نائب الرئيس الأمريكي جيه. دي. فانس فكان أكثر صراحة، فاعتبر ترامب «الزعيم الوحيد في العالم المتعاطف مع دولة اسرائيل في هذه اللحظة»، مشيراً إلى الإدانة الدولية للحرب الإسرائيلية في غزة وهجماتها على جيرانها.
وأضاف فانس: «لو كنت في مجلس وزراء الحكومة الإسرائيلية، لما هاجمت الحليف القوي الوحيد المتبقي لدي في العالم».
وصف المحلل السياسي أوري غولدبرغ الوضع بأنه ليس مجرد خلاف بل «شِقاق». وقال: «الانتقادات المنبثقة من قادة أمريكيين لم تظهر لأنهم اكتسبوا بصيرة مفاجِئة، بل لأن الوقائع أصبحت لا تُقاوم. كل ما يقولونه صحيح. إنها قنابل حقائق. إسرائيل جرّتها إلى حرب ونتنياهو استغل ترامب».
وحتى الآن تبدو الأمور متجهة نحو مزيد من التصعيد والجدّية. يوم السبت، أدى استمرار هجمات إسرائيل على لبنان إلى قرار طهران بإغلاق مضيق هرمز مجدداً، ذلك الممر الاقتصادي الحيوي الذي نُسِب إليه سابقاً أنه دفع ترامب إلى طاولة المفاوضات.
قال ألون بينكاس، السفير والقنصل العام الإسرائيلي السابق في نيويورك: «هنا شيئان يحدثان، وكل واحد منهما مرآة للآخر».
«من جهة، هناك أتباع ترامبب المتعصبون الذين يبحثون يأساً عن جهة خارجية يحمّلونها مسؤولية جر قائدهم الأعظم إلى حرب مستعصية كهذه، فيلتقطون نتنياهو كبشارة تُبرّر هذه الرواية.
«ومن الجهة الأخرى، هناك مؤيدو نتنياهو الذين هم أيضاً أمام حرب في لبنان لا يدرون كيف يخرجون منها، وقبِلوا اتفاقاً أميركياً مع ما يُسوَّق لهم مراراً بأنه إيران أقوى بكثير من تلك التي وافقت على صفقة أفضل في عهد أوباما».
وأضاف: «في النهاية، إنه اتفاق سيئ لأنه ناتج عن حرب سيئة. فالأمران دائماً يتبعهما بعضهما».