عندما نتناول موضوع الحرب مع ايران والتسوية التي تلتها، تبرز في الولايات المتحدة أربع ردود فعل متمايزة.
هناك من دعموا الحرب والآن يؤيدون السلام. وهناك من دعموا الحرب ولا يرضون بالسلام. وهناك من عارضوا الحرب والآن يعارضون السلام أيضاً. وهناك من عارضوا الحرب والآن يؤيدون السلام.
الفئة الأخيرة هي الأكبر والأهم، لأنها تمثل الغالبية العظمى من الشعب الأميركي الذين عبّروا باستمرار عن رفضهم لخوض حرب جديدة في الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه يصفقون لأي اتفاق سلام قد يخفف عنهم أعباء أسعار البنزين والمواد الغذائية.
والأصغر بين هذه الفئات هي الأولى، والتي تقتصر إلى حد كبير على فريق الاتصالات في البيت الأبيض والرئيس دونالد ترامب.
الفئة الثالثة تتكوّن من الديمقراطيين في الكونغرس الذين يجمعهم أمر واحد فقط: معارضتهم لأي إجراء يتخذه الرئيس.
أما الفئة الثانية فهي الجمهوريون في الكونغرس الذين هللوا لسقوط القنابل ثم انقلبت أصواتهم إلى السخرية عند مطالعة تفاصيل مذكرة التفاهم، إذ لم يجدوا فيها ما يمنحهم أملاً بأن تكون أفضل مما حقق اوباما في الخطة الشاملة المشتركة (JCPOA) عام 2015.
تصبح الأمور إشكالية لترامب وإدارته فقط إذا قرر أن للكونغرس دوراً في التصديق على أي اتفاق أكثر ديمومة قد ينبثق بعد شهور إضافية من المفاوضات.
ومن الصعب القول بوجهٍ جاد إن ما حققه الرئيس هنا كان أفضل بكثير مما حققه سلفه في الاتفاق النووي.
لكننا تعلمنا عدة دروس خلال هذه التجربة قد تكون مفيدة للمستقبل.
أولاً: أدركنا أن إسقاط النظام الإيراني واستبداله بشيء أكثر وداً مع إسرائيل والولايات المتحدة أمرٌ مستحيل من دون قوات برية. بدا مبكراً أن الشارع الأميركي لا يمانع أي هجوم جوّي فحسب، بل يرفض بشكل قاطع إشراك قوات على الأرض، حتى لو كان الهدف جزيرة خارك.
ثانياً: تعلّمنا أنه عندما يحين الوقت الحاسم، يمتلك الأميركيون والإسرائيليون الإرادة والقدرة على ضرب القيادة الإيرانية، وأنهم لا يلتزمون عادة بقواعدٍ تحجم عن اغتيال زعماءٍ أجانب.
ثالثاً: تعلّمنا أن لدى الإيرانيين مخزوناً كبيراً من الأصول والإمكانات التي يمكن أن تجعل الحياة صعبة للاقتصاد العالمي وجيرانهم في الشرق الأوسط؛ وأن مهاجمتهم تكلف دولاً ثمناً باهظاً.
رابعاً: تعلّمنا أنه لا يمكن الوثوق بإسرائيل عندما تعد بحرب قصيرة “وحلوة”. لا وجود لحروب قصيرة وحلوة في الشرق الأوسط؛ الأمور أعقد دائماً مما تبدو.
خامساً: تعلّمنا أن حلفاءنا لن يقفوا إلى جانبنا عند شن هجوم على دولة أخرى. في حروب الاختيار، حلف الناتو ليس ملزماً بأن “يلعب الدور”.
سادساً: تعلّمنا أن الإيرانيين صار من الصعب التفاوض معهم، ومن ثم فإنه من المهم إدراك أن أي اتفاق معهم لا يُعد نهائياً بالكامل. احتفظ الرئيس بحق قصف ايران إذا لم تلتزم بما تتعهده، ويجب عليه أن يوضح أنه لا يمازح في هذا الجانب.
سابعاً: تعلّمنا أن ترامب يعرف متى يتخلى عن ورقة خاسرة، وأنه مستعد للتخلي عن حلفائه في إسرائيل لتحقيق أهدافه.
ثامناً: تعلّمنا أنه لا يمكن أن تنشب ثورة في شوارع طهران إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تقصفان تلك الشوارع سويةً. لقد قوّينا النظام عندما بدأنا حرباً معه. أفضل وسيلة لإجبار التغيير هي تشديد العزلة الاقتصادية، لا قتل قياداته.
تاسعاً: تعلّمنا أنه عليك أن تترك لنفسك طرفاً للتفاوض معه إذا كنت تنوي شلّ رأس النظام. إحدى التحديات غير المتوقعة في هذه المفاوضات كانت العثور على شريك قادر وراغب في التحدّث باسم الشعب الإيراني.
أخيراً، تعلّمنا أن المجموعة الوحيدة التي تُراعي مصلحة الشعب الأميركي فعلاً هم الشعب الأميركي نفسه. لقد ظلوا ثابتين خلال العملية برمتها، وكانوا حريصين على إعلان موقفهم: لم يريدوا هذه الحرب من البداية، والآن يريدون إنهاءها نهائياً. يريدون انخفاض أسعار الوقود. يريدون حياة يومية أكثر قدرة على التحمل. يريدون وقف هدر الدم وثروة الأمة.
لقد بدا خطياً أداء الديمقراطيين فكرياً طوال هذه الحلقة؛ اعترفوا بأن النظام الإيراني كان في حالة عداء مع الولايات المتحدة وإسرائيل ومع شعبه، وأدركوا استمرار إنتاج مواد نووية يمكن تحويلها لسلاح تستعمله ضد وطننا. اعترفوا أن JCPOA كان فيه عيوب قاتلة، لكنهم رفضوا أن يدعوا ترامب يتصرف لأنهم لا يحبونه ولا يثقون به.
أما الجمهوريون فكانوا متسقين فكرياً لكن خارج تناغم مع ناخبيهم. هللوا لهذه الحرب لكنهم رفضوا الاعتراف بأن الشعب الأميركي لم يكن معهم في الهدف النهائي لتغيير النظام. الناخبون لم يكونوا مؤيدين لغزو شامل، وهذا يشمل أكثر مؤيدي الرئيس حماسة. وعندما يتعلق الأمر بمذكرة التفاهم، يفضّل بعض صقور الجمهوريين الاستمرار في الحرب بدلاً من دعم سلامٍ ناقص.
سيقع على كاهل الرئيس وفريقه مهمة تقديم مبررات هذا السلام الناقص. قد لا يكون أنيقاً، لكنه قد يؤدي إلى اقتصاد أكثر قدرة على التحمل ونمواً مع اقتراب الناخبين من صناديق الاقتراع في نوفمبر.
الآراء المعبر عنها في هذا المقال عائدة للمؤلف ولا تعبّر بالضرورة عن السياسة التحريرية لقناة الجزيرة.