تبادلت الولايات المتحدة وإيران ضربات في أول مواجهة من نوعها منذ التوصل إلى اتفاق أولي في 15 يونيو لإنهاء الحرب التي امتدت لشهور.
اتهم الطرفان بعضهما البعض بانتهاك بنود مذكرة التفاهم الموقعة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني مسعود بيزشكيان.
في صلب هذا التصعيد الصادم صراع السيطرة على مضيق هرموز، الذي أغلقته إيران ردّاً على الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل، واستغلّت طهران هذا الممر البحري — وهو نقطة اختناق عالمية للطاقة — كورقة ضغط جيوستراتيجية.
فما الذي دفع واشنطن لضرب أهداف على الأراضي الإيرانية وأين ردت طهران بالنيران؟ وهل سيقوّض ذلك الاتفاق القائم بين الطرفين؟
أين ضربت الولايات المتحدة ولماذا؟
أعلن القيادة المركزية الأميركية أن طائرات القوات العسكرية شنت غارات على مواقع تخزين صواريخ وطائرات مسيّرة ومواقع رادار على طول الساحل الجنوبي الإيراني في وقت متأخر من يوم الجمعة، واصفة ذلك بأنه «ردّ قوي» على هجوم استهدف سفينة تجارية كانت تعبر المضيق.
في يوم الخميس أصيبت سفينة تجارية مسجلة تحت علم سنغافورة باسم «إيفر لوفلي» بقذيفة مجهولة المصدر قبالة سواحل عمان. لم تؤكد إيران مسؤوليتها عن الهجوم، ولم تنفه أيضاً.
ووصف الرئيس ترامب الهجوم بأنه «انتهاك أحمق» لاتفاق وقف الأعمال العدائية، وقال إن القوات الأميركية اعترضت أيضاً ثلاث طائرات مسيّرة أخرى أُطلقت في هجوم منسّق.
ونشرت القوات الأميركية لاحقاً فيديو مطموساً بالأبيض والأسود لانفجار وُصِف بأنه «غير سري»، مشيرة إلى أن «العدوان غير المبرر الذي استهدف السفن التجارية من قبل قوات إيرانية انتهك بوضوح وقف إطلاق النار».
وأضافت القوات الأميركية أن «سلوك إيران الخطر تقوّض حرّية الملاحة مع ازدياد حركة التجارة عبر هذا الممر الدولي الحيوي»، مؤكدة أن واشنطن ستواصل تقديم «تنسيق ودعم بخصوص المرور الآمن» للسفن التجارية العابرة للمضيق.
من جانبها قالت إيران إن مقذوفاً أصاب منطقة قرب رصيف في مدينة سيريك بمحافظة هرمزغان الجنوبية. ونقلت وكالة مهر عن رئيس موانئ هرمزغان الشرقية قوله إنه لم يُسجَّل أي ضرر في ميناء سيريك وأنه يعمل بصورة طبيعية من دون أضرار في معداته.
أين ضربت إيران ولماذا؟
أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه ردّ بشن هجمات على منشآت عسكرية أميركية في المنطقة، من دون أن يقدّم تفاصيل عن الأهداف التي استهدفتها الضربات.
وحذّر الحرس الثوري في بيان لوكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء (إرنا) قائلاً: «في حال تكرار العدوان سيكون ردّنا أوسع من ذلك». وقد وردت كلمة الحرس هنا بصياغة الحرس الثوري الاسلامي في بعض التصاريح الرسمية.
من جهتها دانت وزارة خارجية البحرين «الهجوم المزعوم بطائرة مسيّرة على أراضيها»، واعتبرته انتهاكاً خطيراً للسيادة وللقانون الدولي، وقالت إنه يعرض المدنيين للخطر ويقوّض جهود تهدئة التوتر في المنطقة وحمّلت طهران مسؤولية التصعيد.
وأفادت قيادة العمليات البحرية في المملكة المتحدة بأن ناقلة نفط تعرّضت لإصابة بمقذوف غير محدَّد، وأن الطاقم كلّه بخير.
وفي وقت متأخر يوم الخميس حذّر الحرس الثوري من أن أي ممر بديل في الممر المائي غير معتمد من طهران قد يكون غير آمن، وأن المرور الآمن لن يتحقق إلا عبر المسارات التي تصادق عليها إيران. وجاء هذا التحذير بعد إعلان عمان عن مسار ملاحة جديد في الجزء الجنوبي من المضيق أقرب إلى السواحل العمانية.
واستنكر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية الضربات الأميركية الأخيرة، واعتبر أن استهداف «مرافق المراقبة الساحلية» يخرق المادة الأولى من مذكرة التفاهم التي تجيز إنهاء الأعمال العدائية على كل الجبهات، وأن الضربات تمثل أيضاً انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة. (الجزيرة)
من يسيطر على مضيق هرمز؟
تقول إيران إنها تحافظ على السيطرة وحق الإدارة على المضيق، الذي أصبح أهم ورقة تفاوضية لطهران في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
أدى الإغلاق الفعلي للمضيق من جانب إيران إلى أزمة طاقة عالمية، وارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة زاد الضغوط السياسية على إدارة ترامب لإنهاء الصراع.
سعت طهران إلى فرض رسوم أو رسوم عبور على السفن المارة عبر الممر، وأكد قادتها أن حالة المضيق لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب. وقد رفضت الولايات المتحدة ودول الخليج فكرة دفع مقابل لعبور المضيق.
نشرت إيران في أبريل خريطة بمسارات ملاحة معتمدة توجه فيها السفن للإبحار أقرب بكثير إلى الساحل الإيراني عمّا كان عليه قبل النزاع، وأنشأت أيضاً هيئة لإدارة المضيق.
قال كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية الإيراني، إن «أي إطار موثوق يجب أن يستند إلى التنسيق مع إيران وأحكام الفقرة الخامسة من مذكرة إسلام آباد».
وبموجب تلك المذكرة، وافقت إيران على «اتخاذ الترتيبات وبذل أقصى الجهود لضمان المرور الآمن للسفن التجارية دون رسوم، ولمدة ستين يوماً فقط، من الخليج الفارسي إلى بحر عمان وبالعكس».
كما تنص المذكرة على استئناف المناقشات بين إيران وعمان ودول الخليج الأخرى حول الترتيبات المستقبلية لإدارة الملاحة عبر الممر «تماشياً مع القانون الدولي المعمول به وحقوق الدول الساحلية ذات السيادة في مضيق هرمز».
ولا توضح الاتفاقية ما الذي سيحصل بعد انقضاء فترة الستين يوماً الأولى.
وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يوم الأربعاء إن إيران لن يُسمح لها بفرض رسوم عبور على السفن المارة في الممر.
واتفق الطرفان على مهلة ستين يوماً للتوصل إلى اتفاق نهائي.
ووصفت مراسل الجزيرة رسول سردار أتاس من طهران أن التصعيد الأخير هو الخطر الأكبر الذي يهدد مسار المفاوضات الجارية، «فالسبب الذي يصرّ من أجله الإيرانيون على هذه النقطة هو أن مضيق هرمز يمثل أكبر ورقة ضغط يمتلكونها». يقولون إن خسارة أداة الضغط هذه ستضعف موقعهم تفاوضياً بشكل كبير، وستفقدهم اليد العليا على طاولة التفاوض.
هل تنهار مذكرة التفاهم؟
ترى تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي للدبلوماسية المسؤولة، أن الضربات الأخيرة «تضع المذكرة بلا شك تحت ضغط هائل».
من وجهة نظره، قد يستمر التبادل الناري بين الولايات المتحده و ايران في مضيق هرمز، بينما يبدو أن الاتفاق بين إسرائيل ولبنان يتعارض مع بنود المذكرة عبر إتاحة بقاء إسرائيل في أجزاء من الأراضي اللبنانية.
مجملاً، ترتفع الاحتمالات التي تعمل ضد نجاح المذكرة بصورة حادة.
في يوم الإثنين الماضي، وبعد اختتام الجولة الأولى من المفاوضات في سويسرا، صرّح الوسطاء بأن واشنطن وطهران اتفقتا على إقامة قنوات اتصال جديدة لضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحاً ووضع حدّ للقتال في لبنان.
غير أن ذلك لم ينجح في منع المواجهات العسكرية الأخيرة. قال نائب الرئيس الأمريكي جيه.دي. فانس على منصة إكس إن كانت هناك خلافات حول كيفية تطبيق المذكرة فبوسعهم الاتصال بعضهم ببعض، لكن العنف سيُقابل بعنف.
أندريا ديسي من الجامعة الأمريكية في روما يرى أن التصعيد الأخير يبرز حساسية المذكرة وإمكانية انهيارها في أي لحظة.
وبينما من الواضح أن مصلحة الطرفين—إيران والولايات المتحدة—تتمحور حول عدم السماح بتصعيد الصراع إلى حرب شاملة، فإن لدى كل طرف مصلحة ملموسة في إظهار قدرته على التحكم أو القيادة في المضيق.
وهكذا تتبلور حالة من التوتر واحتمال لاندلاع مواجهة قد تخرج عن نطاق السيطرة في أي وقت.