أردت أن أحتضن ما تبقى.. عائلات غزة تنتظر ثلاث سنوات لتشييع أحبائها

لم تستطع لارا أبو شريعة النوم ليلة الاثنين. كلما أغمضت عينيها، كما تقول، ظهرت وجوه أحبائها أمامها.所以在 تلك الليلة، أمسكت بهاتفها وظلت تتصفح الصور، تحضّر نفسها لوداع طال انتظاره.

وفي اليوم التالي، شهد حي الصبرة في مدينة غزة واحدة من أكبر الجنازات الجماعية منذ بدء الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين. تجمّع الآلاف ليودّعوا 112 من أبناء عائلتي أبو شريعة والحساينة، الذين انتُشلت رفاتهم من تحت الركام بعد نحو ثلاث سنوات من قصف إسرائيلي.

عندما وصلت الأكياس البيضاء التي تحوي الرفات إلى موقع الجنازة، وقفت لارا تبكي وسط أقاربها الثكلى. قالت: “اليوم شعرت وكأنني فقدتهم للمرة الأولى. كان حزناً متجدداً، وداعاً جديداً لهم بهذا الشكل”.

فقدت لارا 14 من أقاربها في الهجوم، بينهم والدتها نوال، وثمانية من إخوتها، أربعة ذكور وأربع إناث، إضافة إلى أبناء وبنات إخوتها. وأضافت: “عائلتي اختفت تقريباً في لحظة واحدة”.

وقبل ذلك، كانت لارا وزوجها وأطفالها الخمسة قد نزحوا إلى جنوب غزة بعد تهديدات إسرائيلية بالإخلاء في بداية الحرب، بينما بقي بقية أفراد العائلة في الحي. تقول لارا: “كنت في الجنوب أشعر بقلق دائم، كنت أتوقع أن شيئاً سيحل بهم”. وكانت تتواصل مع إحدى أخواتها كلما سنحت الفرصة، في مكالمات قصيرة تطمئن فيها على سلامتهم.

ثم في إحدى الليالي، شاهدت لارا تقارير عن قصف استهدف حي الصبرة. حاولت الاتصال بأختها فلم تجب. أرسلت رسائل متكررة، متمسكة بأمل أن يكون انقطاع التواصل سببه خلل الشبكات. قالت: “كنت قلقة، لكنني أخبرت نفسي أن الشبكة معطلة فقط”.

بعد ذلك تلقى زوجها اتصالاً. فإذا كان المبنى الذي تقيم فيه العائلة قد استُهدف، و”الجميع تحت الركام”، على حد قولها. انقلبت حياة لارا في لحظة، وحاولت بشتى الطرق أن تجد من يصل إلى المنزل أو ينقذ أحداً، لكنها لم تجد سوى الصمت.

يقرأ  صراع نتنياهو وزامير حول عمليات غزة — رئيس أركان الجيش الإسرائيلي يخرج فائزا في نظر الجمهور

ما زالت لارا تتعذب بأسئلة لا تنتهي: “أحياناً أظن أن أحدهم كان مصاباً وينتظر المساعدة، أو كان يمكن إنقاذه. أحياناً أفكر فيهم وهم يختنقون تحت الركام. أكاد أفقد عقلي حين أتخيل لحظاتهم الأخيرة”.

لأشهر طويلة، رفضت لارا تصديق ما حدث. وعندما عادت من الجنوب في يناير/كانون الثاني 2025، ذهبت مباشرة إلى موقع القصف. قالت: “كنت أقول لنفسي ربما يمزحون معي. ربما هناك أحد مختبئ. ربما سأجد شخصاً لم نكن نعرفه”، لكنها لم تجد غير الدمار.

قبل الجنازة بأسابيع، بدأت فرق الدفاع المدني الفلسطيني انتشال الرفات من المنازل المدمرة في الصبرة بعد عمليات طويلة ومعقدة. وتم العثور على 112 جثماناً، من أصل 153 شخصاً يُعتقد أنهم فقدوا. وقال محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، إن أكثر من 8 آلاف جثة ما تزال تقديرياً تحت ركام المباني المهدمة.

وصف بصل جنازة الثلاثاء بأنها لحظة غير مسبوقة، قائلاً: “اليوم يُدفن 112 شهيداً في جنازة واحدة لأول مرة في تاريخ القضية الفلسطينية”. وأكد أن عمليات الانتشال صعبة جداً بسبب حجم الدمار ونقص المعدات. وأضاف: “نحتاج إلى الإمكانات والمعدات للدخول إلى غزة حتى تتمكن فرق الدفاع المدني من أداء هذه المهمة الإنسانية”، مشيراً إلى أن الفرق تواصل البحث في مناطق أخرى، لكن ليس كل الضحايا يمكن انتشالهم. قال: “بعض الجثث اختفت، وبعضها تبخّر، وبعضها تناثر إلى أجزاء صغيرة جداً، مما يجعل تحديد الهوية أمراً بالغ الصعوبة”.

أما لارا، فقد أصرّت على التواجد في موقع الانتشال رغم محاولات أقاربها منعها خوفاً عليها من الصدمة. تقول وهي تحدّق في صور أحبائها: “قلت لهم: أريد أن أرى. حتى لو كان عظماً واحداً، أريد أن أرى شيئاً منهم. حتى الآن، ما زلت لا أصدق أنهم رحلوا جميعاً”.

يقرأ  كيف قد تكسب روسيا من المواجهة الأميركية–الإسرائيلية مع إيران— وتداعيات ذلك على الحرب الروسية–الأوكرانية

قريبها علي أبو شريعة، البالغ من العمر 50 عاماً، كان أيضاً نازحاً في جنوب القطاع حين استهدف القصف الحي. قال: “بدأت الأخبار تصل تباعاً: بيت استُهدف، ثم آخر، ثم آخر. فقدت أخويّ أحمد (51 عاماً) ومُعين (53 عاماً)، وعائلتيهما كاملتين، زوجات وأطفالاً”.

وأوضح علي أن الهجوم على مجمع عائلتي أبو شريعة والحساينة استمر أقل من ساعتين. ووفق ما بلغه، فإن من كانوا داخل المنازل انتقلوا من مكان إلى آخر، حتى احتموا بمنزل مفيد الحساينة، وزير الأشغال العامة والإسكان الفلسطيني السابق. قال علي: “ظنوا أنهم سيكونون آمنين، لكن آلة الحرب لم تميّز بين مدنيين أو منازل أو عائلات”. ووصف الضحايا بأنهم “أناس عاديون”، أصحاب أعمال وتجار وناشطون في مجتمعهم، “سبع عائلات مُحيت بالكامل من سجلّ السكان المدنيين”.

في الجنازة، حاول الرجال وكبار السن والأطفال حبس دموعهم مع انطلاق الموكب المهيب. ومن شرفات المنازل المجاورة، كانت نساء يبكين ويرشّون الزهور على الأكياس البيضاء، مودّعات أقاربهن للمرة الأخيرة.

بالنسبة لارا، أنهت الجنازة سنوات من الانتظار، لكنها لم تجلب السلام. قالت بصوت متهدج: “أردت أن أحتضن الكيس. أردت أن أحتضن أي شيء بقي منهم”. لم أستلم النص الأصلي المطلوب إعادة كتابته. يرجى إرسال المقالة لأتمكن من إعادة صياغتها بالعربية.

أضف تعليق