أعلنت شركة جيتوبترا، الناشئة في مجال الطيران، انسحابها من تحدي داربا للرفع الثقيل قبل أسابيع من انطلاق الاختبارات النهائية في مدينة دايتون بولاية أوهايو. كانت المسابقة التي تنظمها وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة التابعة للبنتاغون تقدم 6.5 ملايين دولار لمن يبني أفضل طائرة مسيّرة قادرة على رفع أحمال ثقيلة. وقالت الشركة إنها قررت سحب طائرتها المسماة “بيغاسوس” بعد أن غيّرت داربا قواعد الطيران في المسابقة بطريقة ترى أنها تخلق مخاطر حقيقية على السلامة. وبهذا القرار، تخلت الشركة عن ستة أشهر من العمل على مطاردة جائزة من البنتاغون، لكنها فضّلت اختبار طائرتها وفق شروطها الخاصة.
أطلقت داربا هذا التحدي لحل مشكلة ظلت تقيّد الطائرات من دون طيار لسنوات. فمعظم الطائرات متعددة المراوح لا تستطيع رفع حمولة تزيد كثيراً عن وزنها، بسبب قوانين الفيزياء وحدود البطاريات. ولهذا تريد داربا كسر هذه النسبة، وتقدم جائزتها الكبيرة لأي فريق يستطيع بناء طائرة ترفع حمولة تعادل أربعة أضعاف وزنها على الأقل وتطير بها حول مسار مخصص. كانت القواعد الأصلية تنص على ألا يتجاوز وزن الطائرة 55 رطلاً، أي 25 كيلوغراماً، شاملاً الوقود أو البطاريات، وأن تحمل حمولة لا تقل عن 110 أرطال، أي 50 كيلوغراماً، وأن تقطع مسافة 5 أميال بحرية، أي 9.3 كيلومتر. وقد وصف مسؤولون في داربا هذا التحدي بأنه طموح يعادل الأثر الصناعي لخط التجميع أو الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام.
دخلت جيتوبترا المسابقة بنظام دفع مختلف عن أي شيء آخر. فالشركة طوّرت ما تسميه نظام الدفع المائع، وهو أسلوب بلا شفرات لتوليد الدفع، حيث يدفع الهواء المضغوط عبر قنوات مصممة خصيصاً بدلاً من المراوح الدوّارة المكشوفة. وتقول الشركة إن هذا التصميم يجعل الطائرة أكثر هدوءاً وأماناً وأبسط من الناحية الميكانيكية. وقد طوّرت جيتوبترا هذه التقنية عبر عقود بحثية مع سلاح الجو الأمريكي وتعاون هندسي مع شركات كبرى، بما في ذلك اختبارات نفق الرياح مع قسم جاتوركس في برات آند ويتني، وعرض تحليق مشترك مع جي إي للطيران. هذا السجل التقني ساعدها على التميز بين مئات المتقدمين الذين تنافسوا على مكان في التجارب النهائية.
قالت الشركة إن مشاركتها في التحدي كانت واحدة من أكثر نسخ نظام الدفع تقدماً التي بنتها على الإطلاق، وأضافت أن المسابقة دفعت نحو تقدم هندسي حقيقي، وأنها لا تندم على المشاركة رغم انسحابها في اللحظات الأخيرة.
بدأت المشكلة عندما تغيّرت القواعد التي وضعتها داربا قبل ستة أشهر مع اقتراب موعد الحدث. ففي البداية، كانت المهمة قريبة من مهمة شحن واقعية، طائرة وزنها أقل من 55 رطلاً تحمل 110 أرطال على مسار طوله 5 أميال بحرية، وقد بنت الشركة طائرتها لتناسب هذا السيناريو تحديداً. لكن عندما وضعت داربا التفاصيل النهائية للحدث، أضافت قيوداً جديدة: سقف ارتفاع صارم عند 150 قدماً، أي 46 متراً، واشتراط الطيران في لفات متكررة حول مسار ضيق طوله 1100 قدم، أي 335 متراً، بدلاً من مسار واحد أطول. كما سمحت صراحة للمتنافسين بإلقاء البطاريات المستنفدة في الجو لتخفيف الوزن، وهي مناورة تعني سقوط حزم بطاريات من طائرة قد تحمل أكثر من 100 رطل من البضائع فوق رؤوس الناس.
أوضحت جيتوبترا لماذا كانت هذه التغييرات كافية لدفعها إلى الابتعاد عن جائزة بملايين الدولارات. وقالت الشركة في إعلانها: “عندما تطوّر شكل الحدث، أصبحت شروط المهمة أقل توافقاً مع الطريقة التي نريد بها التحقق من طائرة بيغاسوس للطيران التجاري”. ورأت أن التحليق على ارتفاع منخفض داخل مسار ضيق، مع إلقاء بطاريات مستنفدة في الجو، قد يكون مناسباً لبيئة التجارب لدى داربا، لكنه يثير اعتبارات تتعلق بالسلامة والمسؤولية القانونية، وتفضّل الشركة التعامل معها عبر برنامج اختبار طيران خاص بها تتحكم فيه مباشرة، بدلاً من برنامج خاضع لقواعد مسابقة واحدة.
الانسحاب من نهائيات داربا لا يعني أن الشركة تخلت عن الطائرة نفسها. فخلال الأشهر الستة التي قضتها في التحضير للتحدي، صممت جيتوبترا هيكلاً جديداً كلياً اسمه جيه-110 بيغاسوس، ليكون متوافقاً مع الإطار التنظيمي القادم لإدارة الطيران الفيدرالية المعروف باسم القاعدة 108. هذه القاعدة ما تزال قيد الاستكمال، وستسمح لبعض الطائرات من دون طيار بتنفيذ مهام روتينية خارج خط رؤية المشغل، وهي عقبة تنظيمية كبيرة أمام مستقبل الطائرات المسيّرة التجارية. وتقول الشركة إنها خفّضت تكلفة أجهزة الدفع بنسبة 94 في المئة ووزنها بنسبة 82 في المئة خلال الفترة نفسها، كما بنت نظام تحكم طيران جديد كلياً واختبرته على منصة تحويم مربوطة بالأرض، وهي نفس الطريقة الحذرة التي استخدمتها قبل سنوات للتحقق من مفهوم الدفع الأصلي.
المحطة التالية للشركة هي مدينة بيندلتون في ولاية أوريغون، حيث يوجد أحد أطول نطاقات اختبار الطائرات المسيّرة التابعة لإدارة الطيران الفيدرالية، وهو مكان تستخدمه شركات كثيرة لاختبار تصاميم جديدة في أجواء حقيقية وليس في ظروف مختبرية. تقول جيتوبترا إنها ستأخذ كل ما بنته خلال فترة تحدي داربا إلى هناك، لتحلّق بطائرة بيغاسوس في ظروف واقعية وفق جدولها الخاص، بعيداً عن ساعة المنافسة أو قواعد كُتبت لخدمة نهائيات طرف آخر.