إسبانيا تنعي ضحاياها وسط موجات حر متجددة تثير مخاوف من حرائق جديدة

بينما كانت سالي تشابمان تشاهد بطولة ويمبلدون للتنس على التلفاز، لاحظت “ضجة” خارج منزلهما في بيدار، وهي قرية صغيرة في جنوب إسبانيا، فخرج زوجها ليرى ما يحدث. وهكذا بدأت ما تصفه بأسوأ ليلة في حياتها.

كان ذلك في التاسع من يوليو/تموز، حين اندلع حريق غابات استعر في بيدار ولوس غاياردوس في مقاطعة ألمرية، وأودى في النهاية بحياة 14 شخصًا وأجبر أكثر من 1500 شخص على الإخلاء.

قالت تشابمان: “كان هناك خمسة بريطانيين، من أصدقائي وآخرين في القرية، لقوا حتفهم في الحريق تلك الليلة. وما تزال صديقة مقربة لي تتصارع مع الموت في المستشفى. لعلها أكثر الأمور رعبًا التي مررت بها على الإطلاق. عندما غادرنا كأشخاص تم إجلاؤهم، رأينا أعمدة من الدخان الأبيض، فقلت: يا إلهي، سوف يحترق منزلنا”.

عندما وصلوا في ليلة الحريق إلى قرية لوبرين القريبة، لاقوا “استجابة مذهلة”، إذ عرضت عليهم امرأة سريرًا في منزلها. وكان حريق ألمرية من بين أكثر الحرائق دموية في إسبانيا خلال السنوات الأخيرة. ومع انتشاره، هددت حرائق غابات أخرى مناطق في فرنسا واليونان.

عادت تشابمان إلى منزلها بعد أيام. وقالت الوسيطة المتقاعدة البالغة من العمر 62 عامًا للجزيرة: “لكن ما يحدث هو أن هناك نوعًا من ذنب الناجين”.

بيدار قرية صغيرة يزيد عدد سكانها قليلًا على ألف نسمة، وفيها شرطي محلي واحد فقط. وقالت تشابمان إن أجراس الكنيسة قُرعت، وحذّرهم الجيران وطلبوا منهم المغادرة. كما أخبرهم ضابط من الحرس المدني مارًّا بالمكان أن يسلكوا الطريق نفسه.

قالت: “لن تُنسى هذه المأساة أبدًا. كان التاسع من يوليو يومًا مظلمًا لبيدار. كل ما كان يمكن أن يحدث بشكل خاطئ حدث بالفعل”.

وتشابمان ضمن مجموعة من سكان القرية تناضل لمنع تكرار المأساة، وتقول: “لا يمكن أن يتكرر هذا. سنضغط على أي حزب سياسي لوضع البروتوكولات التي تمنع حدوث ذلك مجددًا”.

يقرأ  ضحايا الكارتلات العنيفة لـ«بي بي سي»: أصبحنا نختبئ الآن من السلطات الأمريكية

بينما تواصل حرائق الغابات التهام غابات أوروبا، وتجبر السكان على الفرار وتملأ السماء بالدخان، يقف فيران دالماو شاهدًا من الخطوط الأمامية على الفوضى التي تخلفها هذه الحرائق في القارة. دالماو خبير ومحلل في مكافحة الحرائق بوزارة الداخلية الإسبانية، ويعمل مع فريق صغير لمحاولة وقف ألسنة اللهب التي تهدد بتدمير المزيد من المنازل وسبل العيش والأرواح.

ورغم أن الحرائق بدأت تخف، تظل هناك مخاوف من أن موجات الحر الشديدة تزيد خطر اندلاع مزيد من الحرائق. ففي منطقة جيروند جنوب غربي فرنسا وإقليم فار الجبلي، أحرقت حرائق الغابات عشرات الآلاف من الهكتارات قبل أن تستقر الأوضاع. ويقول مسؤولون إن أكبر حريق تشهده البلاد منذ 1949 أصبح تحت السيطرة الآن، لكنه لم يُخمد بالكامل بعد.

وفي وسط إسبانيا، تمت السيطرة على حرائق أحرقت عشرات الآلاف من الهكتارات قرب مدريد، ما سمح لكثير من الذين جرى إجلاؤهم بالعودة إلى منازلهم، بينما تواصل فرق الإطفاء مكافحة الاشتعالات والبؤر الجديدة في مقاطعات من بينها ليون وكاسيريس.

أوروبا هي القارة الأسرع احترارًا في العالم، ويحذر العلماء من أن ارتفاع درجات الحرارة والجفاف المطول والرياح القوية تؤدي إلى تحويل جنوب أوروبا، ولا سيما فرنسا وإسبانيا، إلى بيئة أكثر قابلية للاشتعال بكثير، إذ تضاعف عدد أيام الصيف التي تشهد ظروفًا مواتية لاندلاع الحرائق لأكثر من الضعف منذ أوائل الثمانينيات.

دالماو، وهو متطوع في فريق تقييم حرائق الغابات وتقديم المشورة، رأى بعينيه كيف اندمجت حرائق ضخمة في حريق واحد في ألموروكس بمقاطعة طليطلة وفي أفيلا، وكانت تهدد بالانضمام إلى حريق ثالث لتشكل حريقًا هائلًا قرب مدريد.

وقال للجزيرة: “أحدث البيانات تشير إلى تدمير نحو 66 ألف هكتار، لكننا نعتقد أن المساحة النهائية المحروقة تراوحت بين 70 و80 ألف هكتار”.

يقرأ  الذكاء الاصطناعي الفاعل في التعلم:نهاية مصنع المحتوى

وأوضح أن الحرائق الثلاثة التي اندمجت في حريق واحد سبّبها “إهمال جسيم تعلق بآليات ثقيلة، ومركبة اشتعلت فيها النيران على طريق، وإهمال مزعوم قرب تجمّع سكني، واجتمعت هذه العوامل لتشكل أكبر حريق في تاريخنا”.

وبصفته عضوًا في مجموعة خبراء يعملون ميدانيًا وعن بُعد، يقدم دالماو نظرة نادرة إلى المعركة التي تُدار خلف الكواليس للسيطرة على هذه الحرائق الضخمة. وقال: “عملنا يقوم أساسًا على تحليل سلوك الحرائق ودعم اتخاذ القرار”.

ومثل أي شخص آخر، يصاب دالماو بالخوف عندما تندفع النيران نحوه. وقال: “هذا خطر من مخاطر المهنة. في مهنتنا، عدم الخوف قد يجعلك متهورًا. المهم ألا يسيطر عليك الخوف. يجب أن تظل هادئًا وتطبّق معرفتك، وعليك أيضًا أن تظل هادئًا أمام الفريق، بطبيعة الحال، لكي يساعد ذلك الجميع على البقاء هادئين. إذا أصابك الذعر، فأنت تشكل خطرًا على نفسك وعلى كل من حولك”.

وأضاف أن الشجاعة هي القدرة على التحكم في الخوف “واستخدامه لتعزيز إدراكك للموقف”.

وذكر دالماو أن أجندة نافارا الحرجية، وهي هيئة حكومية إقليمية معنية بتحسين أساليب مكافحة الحرائق، تقدّر أن مكافحة كل هكتار تكلف 11,534 دولارًا. هذا يعني أنّ مكافحة الحرائق الأخيرة قرب مدريد كلّفت وحدها ما يصل إلى 923 مليون دولار. غير أنّ هذا الرقم لا يشمل تكاليف الأضرار، وإعادة الترميم، والآثار البيئية والاقتصادية الناجمة عن الحرائق.

## «كارثة بكل معنى الكلمة»

لم تكشف الحكومة الإسبانية عن رقم محدد للتكلفة الاقتصادية لمكافحة الحرائق الأخيرة في محيط العاصمة. أمّا بالنسبة لإستيبان كاراسكو، صاحب مخيّم «Monasterio de Pelayos» خارج مدريد، فكانت الكلفة واضحة للعيان.

وقال كاراسكو إنّ نحو نصف البيوت المتنقلة احترقت عندما وصلت النيران إلى المخيّم في 24 يوليو/تموز. وأضاف في تصريح للجزيرة: «كان على نحو 200 شخص من المخيمين إخلاء المكان، فقد دُمرت منازلهم. هؤلاء يأتون إلى هنا كل عام للاستمتاع بالطبيعة، لكن المنازل على الجانب الآخر من الطريق نجت من الحريق. لقد كانت كارثة حقيقية، وسيستغرق إعادة البناء وقتاً طويلاً، لكن على الأقل لم يُصب أحد بأذى».

يقرأ  أكثر من ٢٣٠٠ مستوطن إسرائيلي يقتحمون المسجد الأقصى بالقدس في خضم تصعيد خطير بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي

وفي يونيو/حزيران، أعلنت إسبانيا خطة للتعامل مع حرائق الغابات، شملت 13 وزارة، بينها الجيش وفرق إطفاء الغابات وأجهزة الأمن، لتعمل معاً. ورغم ذلك، اضطرت إسبانيا إلى طلب المساعدة من دول أوروبا لإرسال طائرات تُلقي المياه على النيران، عندما اندلعت في يوليو/تموز أسوأ حرائق في تاريخها.

أضف تعليق