أصدر مكتب التكنولوجيا التكتيكية التابع لوكالة “داربا” طلبًا للمعلومات في السابع من أغسطس 2026، يتعلق بصاروخ كروز فرط صوتي من الجيل التالي، على أن يكون الرد من الشركات والمختبرات بحلول السادس من أكتوبر 2026. وذكر الإشعار الذي نُشر على “SAM.gov”، الموقع الرسمي للتعاقد الحكومي، أن الوكالة تخطط أيضًا لعقد يوم صناعي حضوريّ في أرلينغتون بولاية فرجينيا في سبتمبر 2026، لعرض التفاصيل الفنية على المقاولين والباحثين المحتملين.
تسعى داربا، ذراع البنتاغون البحثي الأكثر استشرافًا للمستقبل، إلى تطوير صاروخ قادر على التفوق على أنظمة الدفاع الجوي التي تهدد الطيارين والسفن الأمريكية بشكل متزايد. هذا السلاح، الذي أُطلق عليه اسم “الصاروخ الكروزي الفرط صوتي من الجيل التالي”، يجب أن يطير بسرعة تتجاوز خمسة أضعاف سرعة الصوت، وأن يعتمد على الأكسجين الموجود في الغلاف الجوي للاحتراق، بدلًا من حمله على متنه كما تفعل الصواريخ التقليدية.
غير أن طلب المعلومات هذا ليس عقدًا، ولا يعني أن أي شركة ستحصل على تمويل مضمون. إنه مجرد أداة رسمية تتيح للحكومة جمع أفكار من الشركات الخاصة والجامعات والمختبرات الحكومية قبل اتخاذ قرار بفتح منافسة كاملة. وتقول داربا إن الردود ستساعد في تحديد المتطلبات الفنية واستراتيجية الاقتناء لبرنامج قد يصبح حقيقيًا في المستقبل. وتشجع الوكالة صراحةً تشكيل تحالفات بين الشركات الكبرى مثل لوكهيد مارتن ورايثيون، وبين الشركات الأصغر غير التقليدية التي لا تتعامل عادةً مع عقود الأسلحة في البنتاغون.
أما السبب الجوهري وراء رغبة داربا في صاروخ فرط صوتي جديد، فيعود إلى مشكلة يصفها الطلب بوضوح: الدول الخصوم، ويُقصد بها غالبًا الصين وروسيا، طوّرت أنظمة دفاع جوي متكاملة ومتطورة، تتكون من شبكات رادار وبطاريات صواريخ وطائرات مقاتلة مصممة لكشف وإسقاط الطائرات والصواريخ قبل وصولها إلى أهدافها. وقد أصبحت هذه الدفاعات قادرة على تهديد فعالية أسلحة الضرب بعيدة المدى الأمريكية الحالية، تلك الصواريخ التي تتيح للقاذفات والمقاتلات ضرب أهدافها من مسافة آمنة دون الطيران فوقها مباشرة. وتشير داربا في طلبها إلى أن مفاهيم الصواريخ الفرط صوتية الحالية، حتى تلك التي أثبتت جدواها تقنيًا، لا تقدم سوى تحسينات تدريجية متواضعة، وليست القفزة النوعية المطلوبة للبقاء في المقدمة في حرب مستقبلية ضد عدو مجهز تجهيزًا جيدًا.
ليست هذه المحاولة الأولى من نوعها لداربا، فالبرنامج الجديد يبني مباشرة على دروس مستفادة من جهد سابق. فقد عملت الوكالة لسنوات على مفهوم “هاوك” (HAWC)، وهو صاروخ يعمل بمحرك “سكرامجيت”، وهو محرك نفاث يضغط الهواء الداخل بسرعة تفوق الصوت لإشعال الوقود دون أي أجزاء متحركة، ما يسمح للصاروخ بالحفاظ على سرعات عالية جدًا باستخدام محرك بسيط وخفيف نسبيًا. وأنهى برنامج هاوك آخر اختبار طيران له في يناير 2023، بعد أن طار صاروخ من تصنيع لوكهيد مارتن بسرعة تجاوزت ماخ 5، وعلى ارتفاع يفوق 60 ألف قدم (نحو 18,300 متر)، وقطع مسافة تتجاوز 300 ميل بحري (350 ميلًا)، وفق إعلان داربا الرسمي. وقد انتقل هذا البرنامج مباشرة إلى جهد لاحق أُطلق عليه “المزيد من الفرص مع هاوك” (MoHAWC)، واصل التحليق بنماذج اختبار إضافية صنعتها رايثيون ونورثروب غرومان لتحسين التصميم وعملية التصنيع.
رغم هذه البداية المتقدمة، واجهت محاولة القوات الجوية الأمريكية تحويل تقنية هاوك إلى سلاح فعلي انتكاسات خطيرة. فصاروخ “هيكم” (HACM) الهجومي الكروزي الفرط صوتي، الذي تصنعه رايثيون، تأخر مرارًا في جدوله الزمني. وأفاد مكتب المساءلة الحكومي في يوليو أن مرحلة اختبارات الطيران للبرنامج، التي خُفّضت بالفعل من سبع رحلات مقررة إلى خمس رحلات لتوفير التكاليف، ما تزال معرضة لمزيد من التأخير. وقد تأجلت القدرة التشغيلية الأولية للصاروخ، أي اللحظة التي يمكن فيها للقوات الجوية استخدام السلاح فعليًا في القتال، إلى السنة المالية 2029، بزيادة قدرها 18 شهرًا عن الخطط السابقة. كما ارتفعت تكلفة التطوير الإجمالية إلى نحو ملياري دولار، وهي أعلى بكثير من التقديرات الأولية. وتفسر هذه الصعوبات جزئيًا سبب إحياء القوات الجوية سلاحًا فرط صوتيًا أقدم كان قد أُنهي سابقًا، وهو “أرو” (ARRW)، كخيار احتياطي في حال استمرت “هيكم” في التعثر. كما تعطي هذه المعطيات وزنًا حقيقيًا لإصرار داربا على أن البرنامج الجديد لا يمكنه ببساطة إعادة إنتاج نفس النهج التصميمي التطوري.
يتجلى هذا الإصرار في متطلب تسميه داربا “التصميم من أجل التصنيع والتجميع”، وهو فلسفة هندسية تعني تصميم السلاح منذ اليوم الأول بحيث يمكن بناؤه بتكلفة منخفضة وبسرعة وبكميات كبيرة، بدلًا من إتقان نموذج أولي باهظ الثمن والتفكير لاحقًا في كيفية إنتاجه على نطاق واسع. وتطلب داربا من الصناعة استكشاف أحجام وطرق إطلاق مختلفة جذريًا، بدءًا من صواريخ صغيرة بما يكفي لتناسب داخل حجرة أسلحة المقاتلة، وصولًا إلى نسخ أكبر تُطلق من القاذفات أو السفن أو منصات برية. كما تطلب اقتراح تقنيات دفع جديدة كليًا، ومواد مقاومة للحرارة، وأساليب اختبار مبتكرة قد توفر سنوات من الجدول الزمني العادي لتطوير الأسلحة الفرط صوتية. وتخطط الوكالة لعقد اجتماع صناعي حضوري في أرلينغتون بولاية فرجينيا في سبتمبر، حيث ستشارك التفاصيل الفنية وتُعد دليلًا للشركات المهتمة، لكنها أوضحت أن الحدث سيكون جلسة إحاطة من اتجاه واحد، وليس فرصة للقاء مباشر بين الحكومة ومقدمي عروض محددين.
ما تطلبه داربا حقًا، بعيدًا عن المصطلحات التقنية ومجالات التركيز، هو معرفة ما إذا كانت الصناعة الأمريكية قادرة على كسر حلقة طالما هيمنت على تطوير الأسلحة الفرط صوتية منذ ما يقرب من عقد: رحلات اختبار واعدة، تليها سنوات من التأخير وارتفاع التكاليف، قبل أن يصل أي شيء إلى يدي المقاتل في الميدان.