يوم المرأة في جنوب أفريقيا يبلغ عامه السبعين والمساواة ما زالت بعيدة المنال

في الثامن من أغسطس/ آب من كل عام، تتردد في جنوب أفريقيا أغنية احتجاجية أعتبرها من أجمل ما سمعت. تعتمد الأغنية على أسلوب النداء والاستجابة: مجموعة تصرخ: “لقد ضربتم امرأة”، ومجموعة أخرى ترد: “إذاً، لقد ضربتم صخرة!”

يعود هذا الهتاف إلى الاحتجاج التاريخي الذي أعطى يوم المرأة في جنوب أفريقيا تاريخه ومعناه. ففي عام 1956، خرجت عشرون ألف امرأة في مسيرة نحو مبنى الاتحاد في بريتوريا احتجاجاً على “قوانين المرور” التي كان نظام الفصل العنصري يسعى إلى فرضها على النساء الأفريقيات. كان الرجال الأفارقة يخضعون أصلاً لإهانة حمل تصاريح المرور، ومع هذا الإجراء الجديد، أدركت آلاف العاملات في المنازل في مختلف أنحاء البلاد فوراً أنهن سيخضعن أيضاً لتوقفات وتفتيشات عشوائية من الشرطة، وأن ما يتمتعن به من حرية تنقل محدودة سوف يُنزع منهن.

وتحت قيادة اتحاد نساء جنوب أفريقيا متعدد الأعراق، ورابطة نساء المؤتمر الوطني الأفريقي، نظمت مجموعة من النساء الناشطات سياسياً عريضة ومسيرة للاحتجاج على القوانين الجديدة.

وبعد شهور من العمل المضني، استيقظت آلاف النساء، معظمهن من السود، عند الفجر وبدأن يتوجهن إلى مبنى الاتحاد، مقر سلطة الحكومة الأفريكانية. وبحلول التاسعة صباحاً، كن قد تجمعن أمام مكتب وزير الشؤون الأصلية.

لم يكن اختيار يوم الخميس للمسيرة محض صدفة، فقد كان هذا اليوم يُعرف أيضاً باسم “يوم شيلا”. في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان اسم “شيلا” يُستخدم للإشارة إلى النساء السود العاملات في المنازل؛ فقد اعتادت النساء البيض صاحبات البيوت على تسمية كل خادمة أفريقية بهذا الاسم بدلاً من عناء تذكر أسمائها الحقيقية. ومعظم هؤلاء السيدات كن يمنحن العاملات يوم الخميس إجازة، لذلك أصبح يعرف بيوم شيلا.

وعندما كانت إحدى الوفود تسلم العريضة، انفجرت النساء في الغناء، موجّهات كلامهن إلى رئيس الوزراء آنذاك جي جي سترايدوم، ومصّرّات على القول: “سترايدوم، لقد ضربت النساء، إذاً فقد ضربت صخرة!”

يقرأ  إيلي دلال، عضو الكنيست عن الليكود، طُرح أرضاً خلال احتجاج مناهض للحكومة في كفار سابا — واعتُقل أربعة أشخاص

كنت في التسعينيات شابة ناشطة في الحركة النسوية، وأذكر أنني غنيت تلك الأغنية مرات لا تحصى في مسيرات احتجاجية ضد العنف القائم على النوع الاجتماعي، ومن أجل المطالبة بعلاج النساء الحوامل المصابات بفيروس نقص المناعة البشرية والإيدز. كما أذكر قصص النساء الأكبر سناً اللواتي شاركن في مسيرة التاسع من أغسطس، واللواتي كن يذكّرن الناشطات الأصغر سناً بأن كثيراً منهن نزلن إلى الشوارع رغم اعتراض أزواجهن ورفاقهن الرجال. وأوضحن أنهن في ذلك الوقت لم تكن لديهن المفردات للتعبير عن تداخل العرق والطبقة والنوع الاجتماعي، لكنهن كن يعرفن الشعور بالتمييز الجنسي في أجسادهن.

وعندما كنا نحن نطالب بحقوق جديدة، كانت هؤلاء النساء قد منحننا بالفعل اللغة والتحليل لوصف كيف يشكل العرق والطبقة والنوع الاجتماعي تجارب النساء. كما أظهرت لنا قصصهن أن التمييز الجنسي لم يكن واقعاً خارج نطاق النضال ضد الفصل العنصري؛ فالمرأة يمكن أن تقف إلى جانب الرجل في حركة تحرر، وفي الوقت نفسه تضطر إلى الكفاح لتحقيق المساواة مع أولئك الرجال أنفسهم. كان هذا واحداً من أهم الإرث الذي تركته مسيرة النساء عام 1956.

لم تنجح تلك المسيرة في إيقاف قوانين المرور، لكنها أحدثت تأثيراً أكبر بكثير على المشهد السياسي في جنوب أفريقيا، إذ كانت بمثابة الانطلاقة الفعلية للحركة النسائية في البلاد. إن الزخم والتحدي اللذين طبعا ذلك اليوم منحا الأجيال اللاحقة من النساء خارطة طريق واضحة للنشاط والتحليل.

عندما انتهى الفصل العنصري في عام 1994، كانت كثيرات من النساء اللواتي قادن مسيرة 1956 ما زلن نشطات في السياسة. وقد كانت الحركة التي ساعدن في بنائها قوة مؤثرة للغاية في الانتقال إلى الديمقراطية، لدرجة أن النساء شكّلن نحو ثلث أعضاء البرلمان الجديد، ما جعل جنوب أفريقيا واحدة من الدول القليلة التي تحظى فيها النساء بتمثيل سياسي قوي إلى هذا الحد.

يقرأ  نعم، المراهقون ملتصقون بشاشاتهملكن ما نغفله هو الأهم

وبمجرد وصولهن إلى السلطة، دفعت “بنات 1956” بالعديد من التغييرات القانونية والسياسية المتعلقة بالحقوق الإنجابية، والقانون العرفي، والزواج، وحقوق العاملات في المنازل.

ونتيجة لجهودهن، أصبحت جنوب أفريقيا تمتلك بعضاً من أكثر القوانين والسياسات تقدماً في العالم لتعزيز العدالة والمساواة بين الجنسين. وبعد أكثر من ثلاثين سنة على نهاية الفصل العنصري، ما تزال النساء يشكلن حوالي 45 بالمئة من أعضاء البرلمان و44 بالمئة من الوزراء.

لكن هذه المكاسب لم تترجم إلى أمان حقيقي. فقد أظهرت أول دراسة وطنية حول العنف القائم على النوع الاجتماعي في جنوب أفريقيا أن 33.1 بالمئة من النساء البالغات 18 عاماً فما فوق تعرضن للعنف الجسدي في حياتهن، في حين اعترف واحد من كل خمسة رجال بارتكاب عنف جسدي أو جنسي ضد الشريك الحميم. ويُظهر استمرار هذا العنف حدود المساواة الشكلية: فالقوانين يمكن أن تتغير أسرع من المواقف والعلاقات والسلوكيات التي تشكل حياة النساء.

الفجوة نفسها بين الحقوق الشكلية والواقع المعيش تظهر بوضوح في الحياة الاقتصادية. فالتفاوت بين حقوق النساء اللواتي يشغلن مواقع القوة وساهمن في صياغة قوانين جنوب أفريقيا، وحياة النساء في المجتمعات الفقيرة التي يفترض أنهن مسؤولات أمامها، تفاوت صارخ.

النساء الجنوب أفريقيات اللواتي يعشن في فقر محاصرات بمستويات مرتفعة من البطالة والعنف القائم على النوع الاجتماعي وضعف الوصول إلى خدمات الصحة والتعليم، في حين تتمتع نساء الطبقة المتوسطة بامتيازات كثيرة كانت في الماضي حصراً على البيض. يعود ذلك إلى أن الحكومة التي يقودها المؤتمر الوطني الأفريقي لم تفعل الكثير خلال ثلاثين سنة لتفكيك البنى الاقتصادية التي دعمت الفصل العنصري. فالمساواة الشكلية لم تتحول إلى مساواة مادية لملايين النساء.

من الصعب أن نجد أملاً في إحصاءات جنوب أفريقيا فيما يخص النساء. بل إن كثيراً من النساء اللواتي أعرفهن لا يحتفلن بيوم المرأة، فهن متعبات. لكن الحركة النسائية التي ساعدت تلك المسيرة في تحريكها قبل سبعين عاماً ما تزال قادرة على تعليمنا الكثير.

يقرأ  الجيش البريطاني تحت النيران — انتقادات مستمرة رغم تعويض تاريخي لضحايا حرائق كينيا

الدرس الذي نتعلمه من الحركة النابضة بالحياة التي نشأت في ذلك اليوم هو أن المساواة بين الجنسين لا يمكن أن تتحقق بمطالب النساء وحدها. فالتقدم الحقيقي يتطلب نداءً واستجابة. النساء قدمن النداء لأجيال طويلة، وحان الوقت لكي يرد الرجال.

أضف تعليق