أربيل، العراق – منذ نحو خمسة أشهر، يعاني إقليم كردستان العراق من تداعيات الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. ورغم محاولات الحكومة المحلية الابتعاد عن الصراع وعدم السماح باستخدام أراضيها لضرب إيران، فإن الإقليم شبه المستقل والعراق ككل دفعا ثمناً كبيراً.
منذ اندلاع الحرب في شباط/فبراير، سقطت مئات الصواريخ والمسيّرات على مناطق كردستان. وقال مسرور بارزاني، رئيس حكومة الإقليم، للجزيرة إن المنطقة “دفعت ثمناً باهظاً” في هذه الحرب. وأضاف: “استُهدفنا أكثر من ألف مرة بالصواريخ والمسيّرات، إما مباشرة من إيران أو من داخل العراق عبر بعض الميليشيات. نعتبر هذه الهجمات غير مبررة، وللأسف سقط ضحايا وخسرنا أرواحاً، وتضررت بنيتنا التحتية بشكل كبير”. وأشار إلى أن الصراع الإقليمي أدى إلى تراجع التجارة في الإقليم بنسبة 70 بالمئة.
حسب بيانات حكومة الإقليم، استهدفت الهجمات مواقع عسكرية وأمنية ومنشآت طاقة وقواعد ومقرات أحزاب معارضة إيرانية كردية، إضافة إلى مناطق مدنية. وكان للهجمات أثر مباشر في الاقتصاد، إذ تضرر قطاعا النفط والغاز وحركة الشركات والاستثمار، في وقت يعاني فيه الإقليم أزمة مالية مزمنة بسبب خلافاته مع بغداد حول رواتب الموظفين وعائدات النفط.
وقال بشاوة هوراماني، المتحدث باسم حكومة الإقليم، للجزيرة إن “حجم الخسائر التي تكبدها الإقليم بسبب الحرب حتى نيسان/أبريل يقدَّر بنحو تريليون و500 مليار دينار عراقي (1.14 مليار دولار)، وقد سلّمنا هذه الأرقام إلى الحكومة العراقية”. وأضاف: “لا يوجد سبب مقنع لضرب إقليم كردستان. نحن لسنا طرفاً في هذه الحرب ولن نكون طرفاً فيها، ولم نجعل من أرض الإقليم منصة لضرب إيران”. ووصف الهجمات بأنها “انتهاك لحرمة الأراضي العراقية وسيادة العراق”.
وتقول السلطات الكردية إنها حددت الجهات المسؤولة عن الهجمات وقدمت أسماءها إلى الحكومة المركزية في بغداد. وأوضح المتحدث: “قدّمنا أسماء هذه الفصائل إلى الحكومتين العراقية السابقة والحالية. إنها جماعات تحمل السلاح خارج مؤسسات الدولة وبشكل غير قانوني، لكن لم تتخذ الحكومة العراقية أي إجراء ضدها حتى الآن”. كما شدد على أن الهجمات كانت تحصل حتى قبل بدء الحرب على إيران.
وخلال ساعات من بدء الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، تعرضت أهداف أمريكية في إقليم كردستان لهجمات انتقامية من جماعات موالية لطهران، مما جذب العراق إلى الصراع الذي توسع لاحقاً في الشرق الأوسط وخارجه. ومنذ ذلك الحين، تعرضت المصالح الأمريكية في العراق لهجمات متكررة من جماعات موالية لإيران ومن الحرس الثوري الإيراني، في حين ردت الولايات المتحدة بضربات على تلك الجماعات.
كما شن الحرس الثوري هجمات على جماعات كردية إيرانية معارضة يوجد مقرها في إقليم كردستان، بعد تقارير عن أن واشنطن تخطط لتسليحها لقتال طهران. وقال زعيم جماعة كردية إيرانية قومية في الإقليم للجزيرة إنه “من المرجح جداً” أن ينفذ الأكراد الإيرانيون عملية برية عبر الحدود داخل إيران.
وخلال الحرب، تعرض العراق نفسه لهجمات أيضاً. فقد ضربت مسيّرات وصواريخ مطار بغداد الدولي، الذي يضم قاعدة عسكرية ومنشأة دبلوماسية أمريكية، فضلاً عن حقول نفط ومنشآت أخرى.
ويرى كثيرون في الإقليم أن الجماعات المسلحة الموالية لإيران تشكل عامل زعزعة استقرار ومصدر قلق. وقال جبار ياور، الخبير الأمني والأمين العام السابق لوزارة البيشمركة في حكومة الإقليم، إن هذه الجماعات لا تلتزم بأوامر الحكومة العراقية. وأضاف: “القصف المستمر من جماعات مسلحة تعمل خارج القانون، ومعروفة للجميع ولا تلتزم بقرارات القائد العام للقوات المسلحة العراقية، يخلق مشاكل أمنية لإقليم كردستان”. وأوضح أن “هناك خمس أو ست جماعات مسلحة تقصف كردستان، وهي معروفة، من بينها حزب الله العراقي وكتائب السيد الشهداء وكتائب الإمام علي وحركة النجباء”. وقال إن معظم عمليات القصف تأتي من مناطق سهل نينوى والقريبة من كركوك وصلاح الدين، مشيراً إلى أن حكومة الإقليم والحكومة العراقية لا تملكان منظومات دفاع جوي شاملة.
أما المخاوف الاقتصادية فتلقي بثقلها ليس على كردستان فحسب بل على العراق كله. فقد أعلنت وزارة النفط العراقية حالة القوة القاهرة على جميع الحقول النفطية التي تطورها شركات أجنبية، بسبب اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز الذي أوقف معظم صادرات البلاد النفطية. والقوة القاهرة تعني وقوع حدث غير متوقع يمنع تنفيذ العقد، وفي هذه الحالة أمرت الحكومة بوقف الإنتاج النفطي وعدم دفع تعويضات للشركات الأجنبية بموجب عقودها.
وتأتي الأزمة في وقت كانت حكومة رئيس الوزراء علي الزايدي تقترح برنامجاً اقتصادياً يقوم على تنفيذ مشروع “طريق التنمية” وتوسيع الشراكات مع القطاع الخاص والشركات الدولية، في محاولة لإعادة هيكلة الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط. لكن إغلاق مضيق هرمز كشف حدود قدرة العراق على مواجهة الأزمات. فقد أدى توقف الصادرات النفطية إلى تراجع حاد في الإيرادات، وتزامن ذلك مع تعثر مشاريع تنويع منافذ التصدير عبر تركيا وسوريا والأردن والسعودية بسبب خلافات سياسية استمرت سنوات، ما ترك الحكومة في ضغوط مالية غير مسبوقة.
بالنسبة لأربيل، فإن استمرار الحرب أو توسعها قد يحول المخاوف الأمنية إلى أزمة اقتصادية أعمق، خاصة إذا طال إيقاف إنتاج النفط والغاز أو استمرت الهجمات على منشآت الطاقة. ويحذر ألاند كريم صالح، الباحث الاقتصادي ونائب رئيس مؤسسة فيجن للدراسات الاستراتيجية، من أن التوقف الكامل لصادرات النفط قد يكون كارثياً على الإقليم. ويقول: “إذا استمرت الحرب واتسعت، فستلحق ضرراً هائلاً بقطاع الطاقة مثل النفط والغاز، وقد يصل الضرر إلى 100 بالمئة”. وأضاف أن القصف الإيراني أدى إلى توقف العمل في حقل غاز خور مور وأثر على الكهرباء في الإقليم.
وأوضح صالح: “هناك اتفاق مع الحكومة المركزية لتصدير 200 ألف برميل نفط يومياً، لكن الإنتاج انخفض الآن إلى 30 ألف برميل فقط، والأرقام تتغير بحسب التطورات الأمنية”. وقال إن “حكومة الإقليم كانت تعاني أصلاً من أزمة مالية منذ سنوات، ومع هذه الحرب تراجعت إيراداتها غير النفطية بنحو 70 بالمئة، وهو ما لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية للدوائر الحكومية. حتى سوق العقارات شهد انخفاضاً في الأسعار تراوح بين 15 و20 بالمئة نتيجة الحرب”.
وفي المدن الرئيسية في الإقليم – أربيل والسليمانية ودهوك – تتزايد المخاوف ليس فقط بسبب الهجمات، بل بسبب احتمال تحول المنطقة إلى ساحة دائمة لتصفية الحسابات بين إيران ووكلائها من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى.