يبدو أن المحللين وعلماء الاجتماع والقائمين على استطلاعات الرأي متفقون على أن الانتخابات الإسرائيلية العامة المقبلة، المقرر إجراؤها في 27 أكتوبر/تشرين الأول، انتخابات مصيرية.
في الماضي، كان خط الانقسام الرئيسي بين يمين إسرائيل وليبرالييها في مواسم الانتخابات يدور حول التعامل المستقبلي مع الفلسطينيين. أما اليوم، فالعداء للفلسطينيين ولحل الدولتين شبه شامل. وسيواجه الناخبون اليهود في هذه الانتخابات التشريعية على الأرجح أسئلة جوهرية حول طبيعة الديمقراطية الإسرائيلية، وشرعية الائتلافات الحاكمة، ورؤى مختلفة جداً لما تمثله الدولة. أما المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل، على الأقل من يُسمح لهم بالتصويت، فلا يتبقى لهم سوى الأمل في ائتلاف قد يكبح بعض العنف والفوضى التي لا تزال تضرب أحياءهم.
ويقول دانيال بار تال، عالم النفس الاجتماعي السياسي، إن من أبرز ما يشغل الناخبين اليهود هذه المرة محاولات الائتلاف الحكومي اليميني المتطرف تجاوز القواعد الديمقراطية، ووقف الإعفاء الفعلي للأقلية الحريدية من التجنيد. وأضاف: «من أهم المهام إلغاء تعيين أشخاص موالين في وظائف كثيرة أشرف عليها نتنياهو، وهو ما دمّر الخدمة المدنية وأجهزة الأمن، بما في ذلك الجيش والشاباك والموساد».
ويظل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 يلقي بظلاله على كل شيء؛ ففي ذلك اليوم قُتل 1139 شخصاً في هجمات قادتها حماس، وأعقب ذلك هجوم عسكري إسرائيلي مضاد. وتضخم هذا الحدث عبر إعادة بثه بلا توقف على شبكات الأخبار التلفزيونية الإسرائيلية، وما زال يهيمن على وعي الإسرائيليين، بينما يُغمض الطرف في الغالب عن مقتل 73387 فلسطينياً في غزة منذ ذلك الحين.
الأسئلة حول كيفية عيش الإسرائيليين والفلسطينيين معاً، أو حتى احتمال قيام دولة فلسطينية مستقلة كما نصت اتفاقيات أوسلو في التسعينيات، أصبحت مهمشة تماماً. وبدلاً من ذلك، يطالب الإسرائيليون بتحقيق في كيفية السماح بوقوع الهجوم، وتحديداً في دور رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الخلل الأمني. واستخدم نتنياهو مراراً الحروب المتعددة التي خاضها منذ ذلك الحين حجة ضد إجراء تحقيق، كما استخدمها للمطالبة بتأجيل محاكماته بتهم الفساد المزعومة.
قال عالم الاجتماع الإسرائيلي البارز يهودا شينهاف-شهراباني إن «هناك عدداً كبيراً من الناس يريدون التخلص من نتنياهو فقط». وأضاف أن المعارضة الإسرائيلية، رغم أنها في أغلب الأحيان يمينية بقدر حزب الليكود الحاكم تقريباً، يُنظر إليها باعتبارها مجرد «كتلة مناهضة لنتنياهو». وتابع: «ليس الأمر مجرد فساد، بل الإحساس بأنه في قلب كثير من مشاكل البلاد. ولدي إحساس بأننا وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها حتى أعضاء الليكود مترددين في التصويت له».
هناك أيضاً أسئلة أوسع حول الطبيعة الأساسية للحكم والديمقراطية في إسرائيل. فكثيرون ينتقدون نتنياهو لأنه تجاوز الأعراف السياسية في البلاد، ومن ذلك محاولته تهميش القضاء الذي ما زال يملك سلطة مساءلة حكومته. ويقول منتقدون إن التعديلات القضائية لعام 2023، التي سعت إلى تخليص الحكومة من قدر كبير من الرقابة القضائية، جزء من اعتداء على مؤسسات الدولة. وتشمل الهجمات الأخرى على هذه الأعراف وضع موالين للإشراف على فروع مختلفة من الأجهزة الأمنية، وحملة مستمرة من اليمين المتطرف لإقالة المستشارة القضائية غالي بهاراف-ميارا. وبهاراف-ميارا هي المسؤولة عن مراقبة قانونية تصرفات الائتلاف، وقد جعل وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير إقالتها شرطاً للانضمام إلى أي ائتلاف حكومي مستقبلي بعد الانتخابات.
تقول مايراف زونشاين من مجموعة الأزمات الدولية إن القضايا التي تهم الناخبين محلية بالكامل تقريباً. وأضافت: «في مقدمتها الانقسام حول التعديلات القضائية التي يرى منتقدوها أنها غير ديمقراطية. وفي المقابل، ترى فصائل المعارضة العلمانية والليبرالية في إسرائيل أن هذه الانتخابات هي الفرصة الأخيرة لإنقاذ الديمقراطية الإسرائيلية واستعادة المؤسسات التي تآكلت خلال فترات نتنياهو المتعاقبة». وترى زونشاين أن السياسيين الإسرائيليين من جميع الأطياف يتجنبون عمداً القضية الفلسطينية ويركزون على الاهتمامات الداخلية للناخبين اليهود. وقالت: «باختصار، انتقلت القضية الفلسطينية من كونها متجاهلة ومرفوضة تماماً، إلى وضع ما زال يشوبه تهميش كبير، مع إجماع إضافي على أن الدولة الفلسطينية خارج الطاولة بعد السابع من أكتوبر، وأن الوقت ليس مناسباً لها الآن».
وعلى صعيد آخر، استبعدت معظم الأحزاب اليهودية الرئيسية في إسرائيل تشكيل ائتلاف حكومي مع أي أحزاب عربية. ووصف وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش هذا الاحتمال بأنه «أسوأ» من هجوم السابع من أكتوبر. وحتى تحالف يائير لابيد ونفتالي بينيت، وهما رئيسا وزراء سابقان، والذي ضمت حكومته في عام 2021 حزب رعام العربي، لم يلتزم بإشراك أحزاب يهيمن عليها مواطنون فلسطينيون في ائتلاف مستقبلي.
وهذا يترك كثيراً من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل بلا صوت في ظل عنف مستوطن وجريمة منظمة، يعتقد كثيرون أن الحكومة تركتهما يتفاقمان عمداً. ويمكن قياس مستوى هذا الإهمال بعدد القتلى؛ فخلال هذا العام قُتل 158 مواطناً فلسطينياً في إسرائيل. وقال عالم الاجتماع شينهاف-شهراباني: «الأمور أكثر قتامة الآن. لطالما كانت هناك فئات في المجتمع الإسرائيلي تميل إلى العنف والخطاب اليميني، لكن الاتجاهات التي كانت موجودة دائماً تسارعت في ظل الحكومة الحالية». يقول فلسطينيون إن الوضع “عاد إلى الوراء”. وتوضح شنهاف-شهراباني أن كثيراً من الفلسطينيين يشعرون بأن حالة الفوضى في أحيائهم وهجمات المستوطنين عليهم في الضفة الغربية المحتلة تهدف كلها إلى منعهم من الإدلاء بأصواتهم. وتضيف: “من المذابح في الضفة الغربية إلى العنف في الأحياء الفلسطينية، لا يكاد الإسرائيليون يُظهرون أي تعاطف مع الفلسطينيين”.
الرافضون دينياً
من المرجح أن تركز جماعة الحريديم، أي اليهود المتشددون، وأحزابها، مثل شاس ويهدوت هتوراة، على قضية تجنيد أفرادها في الجيش. وبعد انتشار القوات البرية في غزة ولبنان وسوريا، أصبح رفض الحريديم الخدمة العسكرية واحداً من أكثر القضايا إثارة للانقسام في السياسة الإسرائيلية اليوم.
ويواصل قادة الحريديم تقديم دراسة التوراة باعتبارها الواجب الوطني الحقيقي ونوعاً من “الحماية الروحية” للشعب اليهودي. وفي يونيو/حزيران، أغلق آلاف من الحريديم طرقاً رئيسية في القدس احتجاجاً على محاولات تجنيدهم. وقد أثار ذلك خطاباً حاداً من سياسيين علمانيين، وإن كانوا يميلون إلى اليمين.
فقد ورد في تسريب مزعوم أن يائير غولان، وهو لواء احتياط سابق ورئيس حزب الديمقراطيين اليساري، وصف الحريديم بأنهم “طفيليات” يعيشون على حساب بقية المجتمع الإسرائيلي. وفي الشارع، كان الغضب لا يقل حدة؛ ففي العام الماضي، رفع متظاهرون مضادون لافتات أمام حاجز للحريديم قرب بني براك كتب عليها: “إخوانكم يذهبون إلى الحرب، وأنتم جالسون هنا؟”
ويقول المحلل السياسي الإسرائيلي نيمرود فلاشنبرغ إن حجم الاهتمام بهذه القضية يبدو غريباً مقارنة بحجم ما يحدث في أماكن أخرى، ويعتقد أن هذا الاهتمام ناتج عن التضخم العسكري الذي ساد منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول. ويضيف: “إنه عالم يتحول فيه موت كل جندي إلى سبب لحداد وطني، وتنتشر فيه قصص جنود احتياط يخدمون أكثر من عام في القتال. وفي مقابل ذلك، يصبح رفض الحريديم الانضمام إلى الجيش أمراً يصعب تجاهله”.
وأياً كان العامل الذي سيحسم النتيجة، فإن هذه العوامل جميعها قد تحدد ملامح السياسة الإسرائيلية المقبلة. وبالنظر إلى الخطاب السياسي السائد حتى الآن، فإن الفلسطينيين داخل إسرائيل، ومن هم محاصرون في غزة أو يعيشون في الضفة الغربية المحتلة، لا يملكون أسباباً كثيرة للتفاؤل.