انتهاء مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران: كيف ولماذا انهارت؟

انتهت مهلة مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران في 17 يونيو/حزيران يوم الاثنين، وسط حديث متعثر بين الجانبين. ورغم توقف القتال الواسع مؤقتاً، فإن الحرب على إيران التي بدأت في 28 فبراير/شباط ما تزال بعيدة عن الحل النهائي.

وكانت المذكرة التي توسطت فيها باكستان تهدف إلى فتح فترة 60 يوماً للمفاوضات بين الطرفين، وتضمنت بنوداً لإعادة فتح مضيق هرمز، الذي تحول إلى واحدة من أهم نقاط الاشتعال في الحرب.

غير أن الصياغة الغامضة للعديد من البنود أدت إلى خلافات كبرى، خاصة حول مسألة السيطرة على الملاحة في المضيق. فقد شنت إيران هجمات على عدة سفن لم تتبع المسار الذي حددته هي.

ونتيجة لذلك، استأنفت الولايات المتحدة ضرباتها على إيران، مما دفع طهران إلى الرد بهجمات على أصول عسكرية أمريكية في دول الخليج والأردن، وكذلك على منشآت الطاقة والبنية التحتية.

وعلاوة على ذلك، ورغم أن المذكرة نصت على وقف إطلاق النار في جميع الجبهات بما فيها لبنان وغزة، فإن إسرائيل واصلت ضرباتها على المنطقتين، وما تزال تحتل نحو خمس الأراضي اللبنانية، زاعمة أنها تستهدف معاقل حزب الله المدعوم من إيران.

في ما يلي نظرة على اللحظات الرئيسية في عمر المذكرة وأسباب انهيارها.

ما هي المذكرة بين إيران والولايات المتحدة؟

وقّع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مذكرة التفاهم المكونة من 14 بنداً في 17 يونيو/حزيران. وكانت اتفاقاً لوقف إطلاق النار جرى التوصل إليه بعد محادثات رفيعة المستوى استضافتها وتوسطت فيها باكستان، وأطلقت فترة 60 يوماً للتفاوض بهدف الوصول إلى اتفاق سلام أوسع.

وفي المذكرة، اتفق الجانبان على “الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان”.

وبموجبها، وافقت الولايات المتحدة على إنهاء حصارها البحري خلال 30 يوماً، وسحب قواتها من محيط إيران بعد التوصل إلى “اتفاق نهائي”، والبدء في إعداد حزمة إعمار وتنمية لإيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار.

كما وافقت واشنطن على رفع العقوبات عن إيران، وإصدار إعفاءات لصادرات النفط الإيراني، والسماح لطهران بالوصول إلى الأموال المجمدة في الخارج.

وفي المقابل، تعهدت إيران بإزالة الألغام من مضيق هرمز، والسماح للسفن بالمرور “دون أي رسوم” لمدة 60 يوماً.

وأكدت طهران أيضاً أنها لن تسعى إلى صنع أسلحة نووية، وستتفاوض حول قضايا مثل تخصيب اليورانيوم. وكان من المقرر أن تُحدد التفاصيل الإضافية في “اتفاق نهائي” تحظى بدعم الأمم المتحدة.

يقرأ  المحكمة: ألمانيا مخوّلة تعليق برامج التأشيرات للأفغان المعرضين للخطر

ما أبرز نقاط الخلاف التي أضعفت المذكرة منذ البداية؟

في النهاية، كانت الصياغة الفضفاضة للمذكرة هي السبب الرئيسي في انهيارها.

وقال جوي هود، القائم بأعمال مدير مكتب الشؤون الإيرانية السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، إن المذكرة “كان محكوماً عليها بالفشل” لأنها “كانت مكتوبة بشكل سيئ للغاية، ومنحت إيران فرصة لتفسيرها على أنها تمنحها السيادة على مضيق هرمز وعلى مستقبل لبنان”.

وأضاف هود أنه “لو كان هناك دبلوماسيون محترفون من الجانب الأمريكي، لما كُتبت بهذه الطريقة أبداً، ولما سمحت لإيران بهذه المساحة من المراوغة”.

وكانت ثلاثة بنود على وجه الخصوص مصدر خلاف:

نصت المادة الخامسة من المذكرة على “المرور الآمن للسفن التجارية” عبر مضيق هرمز.

وجاء فيها: “عند توقيع هذه المذكرة، ستقوم جمهورية إيران الإسلامية بترتيبات تبذل فيها قصارى جهدها للمرور الآمن للسفن التجارية دون رسوم لمدة 60 يوماً فقط من الخليج الفارسي إلى بحر عمان وبالعكس. سيبدأ حركة السفن التجارية فوراً، ومع مراعاة الحاجة إلى إزالة العقبات الفنية والعسكرية وإزالة الألغام من قبل جمهورية إيران الإسلامية، سيتم تفعيل ذلك خلال 30 يوماً. وستجري جمهورية إيران الإسلامية حواراً مع سلطنة عُمان لتحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، بالتشاور مع الدول الأخرى المطلة على الخليج الفارسي، وفقاً للقانون الدولي المعمول به والحقوق السيادية للدول الساحلية للمضيق”.

غير أنه نشأ خلاف كبير فوراً حول المسارات التي يجب أن تسلكها السفن عبر المضيق. فسلطنة عُمان، التي تمر المياه الإقليمية للمضيق قبالة سواحلها إلى جانب إيران، أصدرت مساراً مدعوماً من الولايات المتحدة يسمح للسفن بالمرور قرب ساحلها. لكن إيران كانت قد أصدرت سابقاً خريطة تلزم السفن بالمرور قرب ساحلها هي، وتعتبر الجانب العماني من المضيق “محظوراً”.

ونتيجة لذلك، استُهدفت عدة سفن اتبعت المسار العماني في نهاية يونيو/حزيران، بسبب الخلاف حول من يملك صلاحية تحديد المسارات. ثم استأنفت الولايات المتحدة ضرباتها على إيران، والتي استمرت نحو أسبوعين.

كما شكلت المادة الأولى من المذكرة صعوبات أيضاً.

وجاء فيها: “الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية إيران الإسلامية وحلفاؤهما في الحرب الحالية، بتوقيع هذه المذكرة، يعلنون الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، ويتعهدون من الآن بعدم الشروع في أي حرب أو أي عملية عسكرية ضد بعضهم البعض، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد بعضهم البعض، وضمان السلامة الإقليمية وسيادة لبنان. وسيؤكد الاتفاق النهائي الانتهاء الدائم للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وغير ذلك من أحكام هذه الفقرة”.

يقرأ  رجل إيرلندي من بين قتيلين في ولاية نيو ساوث ويلز

ومن القضايا الرئيسية في هذا النص أنه لم يذكر إسرائيل إطلاقاً، وهي التي تحتل أجزاء من لبنان وتقصف جنوب البلاد بشكل شبه يومي منذ أوائل مارس/آذار، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 3000 شخص وتشريد أكثر من مليون من منازلهم.

وبينما رأت إيران أن العدوان الإسرائيلي على لبنان يجب أن يتوقف بموجب المذكرة، لم توافق إسرائيل على ذلك.

أما المادة السادسة من المذكرة، فقد أشارت بشكل غامض إلى تغطية تكاليف إعادة إعمار إيران بعد الحرب، لكنها لم تقدم أي تفاصيل جوهرية.

وجاء فيها: “تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية، مع شركاء إقليميين، بوضع خطة نهائية متفق عليها بشكل متبادل لا تقل عن 300 مليار دولار لإعادة إعمار جمهورية إيران الإسلامية وتنميتها الاقتصادية. وستُحدد آلية تنفيذ هذه الخطة كجزء من اتفاق نهائي خلال 60 يوماً. وستمنح الولايات المتحدة الأمريكية جميع التراخيص والإعفاءات والتصاريح اللازمة للمعاملات المالية ذات الصلة”.

ولم يُشر النص إلى من سيدفع هذه المبلغ، أو ما إذا كانت هناك قيود على كيفية إنفاقه.

وبشكل منفصل، فشلت المذكرة التي تحدثت عن رفع العقوبات عن إيران في توضيح ما إذا كانت تشمل العقوبات الأمريكية فقط أم أيضاً العقوبات المفروضة من الأمم المتحدة.

كيف انهارت المذكرة؟

انهارت المذكرة خلال أقل من شهر على توقيعها، حيث تبادلت الولايات المتحدة وإيران الاتهامات بانتهاك بنودها، وعادت الأعمال العدائية بينهما.

في 25 يونيو/حزيران، تعرضت السفينة التجارية “إيفر لوفلي” التي ترفع علم سنغافورة لقذيفة أثناء عبورها مساراً قرب ساحل عُمان. ولم تعلن إيران مسؤوليتها عن الهجوم، لكنها لم تنفه أيضاً.

واتهمت واشنطن إيران بالوقوف خلف الهجوم، ووصفه ترامب بأنه “انتهاك أحمق” لاتفاق وقف إطلاق النار.

ثم في 27 يونيو/حزيران، قالت القيادة المركزية الأمريكية إن طائراتها استهدفت مواقع لتخزين الصواريخ والمسيّرات ومواقع رادار على طول الساحل الجنوبي لإيران، واصفة ذلك بأنه “رد قوي على الهجوم الذي استهدف سفينة تجارية في مضيق هرمز أمس”.

وأدانت الخارجية الإيرانية الهجوم الأمريكي، وقالت إن استهداف “منشآت المراقبة الساحلية ينتهك المادة الأولى من مذكرة التفاهم”، التي تعهد بموجبها الجانبان بإنهاء الأعمال العدائية على جميع الجبهات.

يقرأ  فجوة الاستراتيجية والتنفيذ: كيف تسدها؟

كما اتهم محسن رضائي، مستشار المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي، الولايات المتحدة بانتهاك المادة الخامسة من المذكرة، التي تدعو إلى استعادة المرور الآمن للسفن التجارية في مضيق هرمز.

وردت إيران على الهجوم الأمريكي، وقالت إنها استهدفت منشآت عسكرية أمريكية في المنطقة في اليوم نفسه. وقال الحرس الثوري الإيراني في بيان وقتها: “في حال تكرر العدوان، سيكون ردنا أوسع من هذا”.

وهكذا، بعد عشرة أيام فقط من التوقيع، عادت الولايات المتحدة وإيران إلى تبادل الضربات.

في 7 يوليو/تموز، أعلن ترامب أن الاتفاق “انتهى”، بينما واصلت الولايات المتحدة هجماتها على إيران.

وبعد أيام، زعمت طهران أن الولايات المتحدة استهدفت بنية تحتية مدنية في جنوب البلاد، وأن ما لا يقل عن 50 شخصاً قتلوا منذ استئناف الهجمات.

وقال مسؤولون إيرانيون إن الولايات المتحدة “انتهكت وعلقت” جميع التزاماتها بموجب المذكرة، وإن طهران “علقت بالمثل جميع التزاماتها”.

وفي هذا الشهر، أكدت إيران عدة مرات أنها لا تجري محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها للمذكرة. وبدلاً من ذلك، عقدت محادثات مع عُمان حول الإدارة المستقبلية لمضيق هرمز، بينما تحاول باكستان إحياء المحادثات المباشرة بين واشنطن وطهران.

ماذا تعني نهاية المذكرة بالنسبة للحرب؟

في النهاية، وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود.

فمن ناحية، انهارت المذكرة وعادت الأعمال العدائية بعد توقيعها بفترة قصيرة. ومن ناحية أخرى، يرى خبراء أنها شكلت أساساً للمفاوضات المستقبلية.

وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إنه لم يعد هناك أي صلة لموعد الستين يوماً بعد المذكرة، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة انتهكت الاتفاق بعد أسابيع من توقيعه.

وأضاف: “بسبب الانتهاك الجسيم والواسع النطاق للمذكرة من قبل الولايات المتحدة بعد أسابيع قليلة من توقيعها، لم تبدأ أي محادثات”.

وتابع: “ونتيجة لذلك، أصبح موضوع مهلة الستين يوماً بلا معنى على الإطلاق”.

وقال هود للجزيرة إنه “لا توجد أي علامة” على إحياء المذكرة أو التوصل إلى اتفاق جديد، لأن “الطرفين متشبثان بموقفيهما”.

واعتبر أن إصرار إيران على “السيادة على” مضيق هرمز يشكل عقبة رئيسية، وتوقع أنه “لو سمحت إيران للسفن بالمرور بحرية مرة أخرى”، فإن ترامب سيبادلها “بإلغاء الحصار البحري والعقوبات النفطية”.

أضف تعليق