أثار الجدل حول تغيير اسم «جناح تايوان» في دورة هذا العام من بينالي غوانغجو، التي تفتتح الشهر المقبل، خلافاً دبلوماسياً دولياً. وقالت وزارة الثقافة في الجزيرة ذات الحكم الذاتي إنها «تحتج بشدة» على حذف الاسم المتفق عليه من العرض، وتوعدت باتخاذ «إجراءات ضرورية» إذا أخلّ منظمو المعرض بالاتفاق.
وأكدت الوزارة الخميس أنها ستشارك في البينالي «بثبات تحت اسم جناح تايوان»، في بيانها الثاني خلال أسبوع حول هذه المسألة.
بدأ الخلاف في يونيو/حزيران، عندما أدركت وزارة الثقافة التايوانية لأول مرة أن برنامج البينالي يسمي العرض «جناح NTMoFA»، في إشارة اختصار إلى المتحف الوطني التايواني للفنون الجميلة، وهو الجهة المشرفة على المشاركة. وتواصلت الوزارة عبر مكتب تايبيه في كوريا مع مجلس مدينة غوانغجو والقائمين على البينالي، مطالبة بتوضيح وإعادة اسم «جناح تايوان»، لكنها لم تتلق رداً من البينالي رغم المحاولات المتكررة.
وانفجر الخلاف علناً في نهاية الأسبوع الماضي، عندما نشر الفنانون العشرة المشاركون والقيّم على الجناح بياناً على إنستغرام، اتهموا فيه منظمي البينالي بـ«الرقابة السياسية» و«المحو القاسي لتايوان»، بعد أن اكتشفوا أيضاً أن اسم «جناح تايوان» لم يظهر في المواد الترويجية التي نُشرت في وقت سابق من الشهر. وفي الاثنين، أصدرت وزارة الثقافة التايوانية، بمساندة وزير خارجيتها، احتجاجاً شديد اللهجة على قرار تغيير الاسم.
وجاء في بيان الوزارة يوم الثلاثاء أن تايوان تلقت تأكيداً من البينالي في 2 أبريل/نيسان بأن عرضها «إنستانس دانجنز: غراي زون» سيظهر تحت اسم «جناح تايوان»، ووقّعت اتفاقية في 23 أبريل/نيسان تستخدم التسمية نفسها. وأضافت الوزارة أن «على غوانغجو ومؤسسة البينالي، بصفتهما مدينة وتظاهرة بتاريخ عميق في السعي إلى الديمقراطية والحرية، أن يحترما حقيقة أن تايوان دولة ذات سيادة ومستقلة».
من جهته، قال منظمو البينالي إنهم لم يتدخلوا في تخطيط المعرض أو محتواه، ولم يمارسوا أي رقابة عليه، لكن المتحف الوطني التايواني للفنون الجميلة دخل في الاتفاق بصفته مؤسسة، وليس بصفة جناح وطني. وأوضحوا أن طلبات الأجنحة الوطنية تتطلب خطاب اعتماد رسمياً من السفارة أو وزارة الثقافة المعنية، ولم يصدر مثل هذا الخطاب من تايوان. وأضافوا أن تايوان طلبت إعادة تصنيف الجناح كجناح وطني بعد توقيع الاتفاق، لكن لم يتيسر تلبية هذا الطلب.
وقالت مؤسسة البينالي في بيان إن «هذا الأمر لا يتعلق بمحتوى معرض أو بحرية التعبير، بل نابع من خلاف إداري حول تصنيف المشاركين وقواعد التسمية». وحذّرت من أن «تقديم المسألة على أنها رقابة من المؤسسة قد يثير مخاوف جدية على سمعة وثقة مؤسسة البينالي، وكذلك الدول والمؤسسات المشاركة في مشروع الأجنحة».
ورداً على موقف البينالي، نشرت وزارة الثقافة التايوانية لقطات شاشة لمواد الاقتراح ومراسلات مع مؤسسة البينالي، لإظهار أن المشروع ظل يُطلق عليه «جناح تايوان» منذ التقديم الأولي وحتى الموافقة النهائية. وقالت الوزارة إن ادعاءات البينالي غير صحيحة، لكنها أكدت استعدادها للتعاون مع المنظمين من أجل المضي قدماً.
تأسس بينالي غوانغجو عام 1994 لإحياء ذكرى انتفاضة غوانغجو عام 1980، التي قُتل خلالها مئات المدنيين في احتجاج على الحملة الوحشية التي شنتها الحكومة العسكرية الاستبدادية على الحقوق المدنية. وتحتل غوانغجو مكانة تاريخية مهمة في مسار كوريا الجنوبية نحو الديمقراطية، ويؤكد البينالي أنه ينطلق من «روح غوانغجو» وقيمها المتمثلة في الديمقراطية وحرية التعبير.
يُعد نظام الأجنحة في البينالي ميزة جديدة نسبياً، إذ بدأ عام 2018. وتضم دورة هذا العام، التي تفتتح في 5 سبتمبر/أيلول، 28 جناحاً، من بينها 16 جناحاً وطنياً و11 مشاركاً مؤسسياً، حيث تقدم مؤسسة واحدة جناحين. وكما هي الحال في بينالي البندقية، تُنظَّم الأجنحة الوطنية في غوانغجو بشكل منفصل لكن بالتزامن مع المعرض الرئيسي.
أثارت هذه الواقعة غضباً واسعاً في الوسط الفني التايواني والرأي العام، بعد انتشار الخبر على نطاق كبير عبر الإنترنت هذا الأسبوع. وقال تشين شيانغ-وين، القيّم على الجناح، إن موضوع المعرض يتناول الموقع الجيوسياسي الفريد للجزيرة باعتبارها «منطقة رمادية»، لكن أياً من الأعمال المعروضة لا يركز تحديداً على استقلال تايوان أو العلاقات عبر المضيق مع الصين. وأضاف: «حتى لو كانت هناك أعمال من هذا القبيل، فلا ينبغي أن يكون ذلك عذراً لرفض معرضنا أو تغيير اسم جناحنا دون مزيد من النقاش. نحن نؤمن بحرية التعبير».
وحسب وصف المعرض، فقد بُني العرض التايواني على معرض سابق أُقيم في المتحف الوطني التايواني للفنون الجميلة، ويغوص بعمق في السياق التاريخي والسياسي المتشابك للجزيرة، وأهميتها الجيوستراتيجية وسط الاضطراب العالمي في بنية الحرب الباردة الجديدة. وتعرض الأعمال التسعة تأملات الفنانين في أثر التقنيات السياسية وآليات المراقبة على الحياة اليومية. من بين الأعمال المشاركة في بينالي غوانغجو: تركيبٌ قائم على الذكاء الاصطناعي بعنوان “تريسيد” (2026) للفنان تشنغ هسين-يو، وعملٌ فني مرئي بعنوان “محاربو الفضاء والمدفن الرقمي” (2024) للفنان سو هوي-يو، وهو عمل يعيد النظر في مسلسل خيال علمي تايواني من الثمانينيات كان متأثرًا بعنوان ياباني.
على مدى العقدين الماضيين، واجهت تايوان، الجزيرة ذات الحكم الذاتي التي تدّعي الصين أنها جزء من أراضيها، تهميشًا في المحافل الفنية والثقافية الدولية. في عام 1995، شاركت تايوان لأول مرة في بينالي البندقية كجناح وطني، وواصلت ذلك حتى عام 2003، حين تم تخفيض وضعها إلى حدث موازٍ بعد احتجاجات من الصين، التي كانت تعتزم تنظيم جناح وطني خاص بها في تلك السنة.
في تلك الفترة تقريبًا، لم تقتصر مطالب الصين المتعلقة بالأجنحة الوطنية على البندقية، التي تُعتبر بمثابة الأولمبياد في عالم الفن. ففي عام 2002، شُطب الجناح التايواني من بينالي ساو باولو تحت ضغط من الحكومة الصينية، وغُيّر اسمه إلى “متحف تايبيه للفنون الجميلة”، أي المؤسسة التي كانت تنظّم ذلك الجناح. وفي عام 2007، طلبت الصين من منظمي معرض براغ الرباعي إضافة “الصين” بعد “تايوان” في اسم العارض من الجزيرة، لكن جمهورية التشيك رفضت ذلك، فانسحبت الصين من المعرض.
وفي مهرجان البندقية السينمائي عام 2007، حين فاز فيلم “شهوة وحذر” للمخرج التايواني أنغ لي بجائزة الأسد الذهبي، وُصف الفيلم بأنه إنتاج “تايوان، الصين”، رغم عدم مشاركة الصين في صناعة الفيلم. وحدثت خلافات مماثلة حول التسمية في مهرجان البندقية السينمائي عام 2011 ومهرجان طوكيو السينمائي الدولي عام 2010.
ورغم هذا السياق، يعتزم الفنانون المشاركون ضمن مساهمة تايوان في بينالي غوانغجو الضغط من أجل التغيير. وقال سو هوي-يو، أحد الفنانين المشاركين، لمجلة “آرت نيوز”: “بصفتي فنانًا، أجد هذا الوضع غير مقبول بشكل واضح. لكن لا نملك سوى مواصلة الكفاح وإيجاد طرق للالتفاف حوله. يجب أن نرفع أصواتنا وندافع عن أنفسنا ونناضل من أجل الجميع.”