بعد 15 عاماً على سقوط القذافي.. أطراف ليبية تختبر مساراً جديداً نحو الوحدة

في أبريل/نيسان، اتّفق البرلمانان المتنافسان في ليبيا، لأول مرة منذ أكثر من عقد، على ميزانية قدرها 190 مليار دينار ليبي، أي ما يعادل نحو 30 مليار دولار، تتوزّع بين المعسكرين المتنافسين في البلاد. وهذه الميزانية التي تدعمها الولايات المتحدة، والتي تأتي بعد مرور خمسة عشر عاماً على سقوط معمر القذافي في طرابلس هذا الأسبوع، تعكس الانقسامات التي تشكّل ليبيا، كما تُظهر مساحةً ناشئة قد تحفّز التعاون بين السلطتين. فقد أوجد الفراغ الذي نشأ بعد الإطاحة بالقذافي مؤسسات متنافسة، وصراعاً متكرراً، وانتخابات مؤجلة، لكن هؤلاء الخصوم السياسيين يجدون اليوم طرقاً للعمل معاً.

## الانتخابات التي نجحت مرة واحدة

تعيش ليبيا في حالة صراع شبه دائم منذ اندلعت احتجاجات مناهضة للحكومة في 2011 وقمعتها الشرطة والجيش بعنف. وأشعل قمع الاحتجاجات انتفاضة مسلحة في مدن ليبية عدة، كان مركزها بنغازي. وفي أغسطس/آب 2011، بدأ الثوار معركة طرابلس، ما أدى إلى فرار القذافي من العاصمة وسقوط نظامه.

وعد المجلس الوطني الانتقالي، الذي قاد انتفاضة 2011، بأن يحكم فقط حتى ينتخب الليبيون برلماناً. وفي يوليو/تموز 2012، أدلى نحو 1.76 مليون شخص بأصواتهم في أول انتخابات وطنية منذ عام 1964، ليتسلّم الفائزون السلطة، ثم حلّ المجلس نفسه بعد وقت قصير. كانت تلك أول مرة في ليبيا تنتهي فيها انتخابات بتسليم سلمي للسلطة، وما تزال آخر مرة حتى الآن.

لم يدم ذلك طويلاً؛ ففي مايو/أيار 2014، شنّ خليفة حفتر، الجنرال السابق في نظام القذافي، حملة أطلق عليها اسم “مكافحة الإرهاب” ضد الجماعات المسلحة في بنغازي، فيما هاجمت قوات موالية له البرلمان في طرابلس. أما الانتخابات التالية فجاءت في يونيو/حزيران 2014، ولم يدلِ بأصواته سوى 630 ألفاً من أصل مليون ونصف مليون ناخب مسجّل. ولم تفتح مراكز الاقتراع في عدة مدن أصلاً، واعترض البرلمان المنتهية ولايته على النتائج.

يقرأ  رئيس وزراء نيبال مُجبر على الاستقالةوالبرلمان يُضرم فيه النار وسط احتجاجات داميةأخبار الاحتجاجات

انتقل النواب الجدد إلى الشرق، حيث دعمت قوات حفتر البرلمان الجديد الذي اتخذ من طبرق مقراً له. وكانت النتيجة سلطتين متحاربتين، بينما أبقى اتفاق سلام أممي في 2015 على البرلمانين بدلاً من استبدالهما. وفي ذلك العام تشكّلت حكومة الوفاق الوطني، التي أصبحت السلطة الوحيدة المعترف بها من الأمم المتحدة.

استمر الصراع بين الطرفين، وشنت قوات مرتبطة بحفتر هجوماً على طرابلس ضد حكومة الوفاق في 2019، قبل أن يسود وقف إطلاق النار في 2020. وفي 2021، أوصلت عملية أممية ثانية عبد الحميد الدبيبة إلى رئاسة حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، لكن ذلك كان مشروطاً بإجراء انتخابات جديدة في ديسمبر/كانون الأول 2021، ولم يكن مسموحاً للدبيبة أن يترشح.

سجّل نحو ثلاثة ملايين ليبي أسماءهم للانتخابات، لكن قبل يومين من الاقتراع، ألغاها رئيس المفوضية العليا للانتخابات. وكان الدبيبة قد سجّل نفسه مرشحاً رغم ذلك، ورفض التنحي. لكن قوانين الانتخابات يضعها البرلمان في الشرق، الذي يدعم منذ 2022 إدارة منافسة لحكومة الوحدة الوطنية.

جميع الأطراف الرئيسية تدعم الانتخابات علناً، لكن موضع الخلاف هو من يحق له الترشح، وكيفية الاقتراع، وصلاحيات الحكومة المقبلة. وحاولت الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب التوفيق بين الفصيلين، لكن جهودها اصطدمت هي الأخرى بطريق مسدود.

## الجبهة صامدة

وسط هذه المداولات السياسية، بالكاد تغيّرت خطوط التماس بين الميليشيات الموالية لأي من الطرفين. وفي أبريل/نيسان، تدرب جنود من السلطتين الشرقية والغربية جنباً إلى جنب لأول مرة منذ أكثر من عقد، وذلك ضمن تمرين عسكري تقوده الولايات المتحدة في سرت، قريباً من خط وقف إطلاق النار بين الفصيلين الليبيين المتنافسين.

أشرف على التمرين صدام حفتر، نجل خليفة حفتر، الذي أصبح شخصية مؤثرة في ليبيا، كما بارك عبد السلام الزوبي، نائب وزير الدفاع في طرابلس، هذه الخطوة. لكن العنف داخل المعسكرين استمر. ففي العام الماضي، اغتيل في طرابلس عبد الغني الككلي، المعروف بـ”غنيوة”، وهو قائد ميليشيا بمنصب أمني رسمي، خلال اجتماع مع قادة من جهته. وفي الأسبوع الماضي، قُتل فوزي المنصوري، رئيس المخابرات العسكرية في قوات حفتر، بعد انفجار قنبلة كانت ملصقة بسيارته في بنغازي.

يقرأ  مادورو: القوات البحرية الأمريكية تستهدف إحداث تغيير في النظام بفنزويلا— أخبار نيكولاس مادورو

لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن أي من الاغتيالين، لكن يبدو الآن أن عنفاً داخل السلطة الواحدة آخذ في الظهور، في وقت تخف فيه المعارك بين الشرق والغرب.

## من الحصار إلى المساومات

منذ 2011، تعطّلت صادرات النفط، وهي العمود الفقري للاقتصاد الليبي، مراراً بسبب إغلاق الفصائل للموانئ والحقول كوسيلة ضغط على خصومها. وفي 2017، قدّر مصرف ليبيا المركزي أن الخسائر المباشرة وغير المباشرة لثلاث سنوات من إغلاق البنية التحتية النفطية بلغت أكثر من 160 مليار دولار. وأسهم حصار حفتر للحقول والموانئ في 2020 بنحو 10 مليارات دولار من خسائر البلاد، تلته إغلاقات أخرى في 2022 و2024.

هذا النوع من الحرب الاقتصادية التي تضرّ الجميع توقف إلى حد كبير، وأصبحت شركة “آركنو” أول شركة خاصة تصدّر النفط الخام الليبي، عبر ترتيب تم في أبوظبي بين سياسيين وقادة عسكريين متنافسين. لكن محققي الأمم المتحدة أثاروا لاحقاً تساؤلات حول الملكية وتدفق الإيرادات، وأُلغي الترتيب هذا العام. لكن ما أظهره هذا الموقف هو أن الطرفين المتقابلين كانا قادرين على إيجاد مصلحة مشتركة، والحفاظ على استمرار تدفق النفط، وهو أمر قد يمهّد الطريق للوصول إلى اتفاق سياسي.

رغم أنّ ليبيا تملك أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا، إلا أنها لا تكرّر محلياً سوى القليل جداً من الخام، كما أنّ أكبر مصفاة في البلاد متوقفة عن العمل منذ عام 2013.

تصدّر ليبيا النفط الخام بأسعار السوق العالمية، ثم تستورد الوقود المكرّر، وتدعمه محلياً ليُباع ببضعة سنتات فقط للتر الواحد. وهذا الفارق الكبير يجعل تهريب الوقود إلى الدول المجاورة مربحاً جداً.

في منتصف هذا العام، انقطعت الكهرباء عن مناطق واسعة من ليبيا، مما أدى إلى انقطاع إمدادات المياه، وتعطيل الخدمات المصرفية والاتصالات، وإشعال احتجاجات في العاصمة.

يقرأ  وزير خارجية إسبانيا يعلّق على صدام بلاده مع إدارة دونالد ترامب

كما انخفضت قيمة الدينار بشكل حاد؛ فبعد أن كان الدولار يُباع بنحو 1.3 دينار في 2011، تجاوز سعر صرفه تسعة دنانير في السوق الموازية هذا الشهر، وهو ما يشكّل ضغطاً كبيراً على الأسر العادية في تأمين احتياجاتها اليومية.

المؤسسات التي أُنشئت لإدارة المرحلة الانتقالية أصبحت جزءاً من دولتين متنافستين. فالثوار انضمّوا إلى الأجهزة الأمنية، والحكومات المؤقتة تجاوزت مواعيد ولايتها، والحصار تحوّل إلى تفاوض حول الإيرادات.

لقد تعلّم الفرقاء في ليبيا كيفية التفاوض من دون تسوية سياسية، ومع مرور ثلاث حروب، لم يعد لدى الليبيين العاديين أي رغبة في حرب رابعة.

غير أنّ ما لم يُختبر بعد هو ما إذا كان هذا التفاوض بين الخصوم حول القضايا الاقتصادية يمكن أن يمتد ليشمل تقاسم السلطة نفسها.

أضف تعليق