تسارعت وتيرة الهجمات التي يشنّها مستوطنون إسرائيليون على التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة خلال الشهر الماضي، وكثيرًا ما تكون هذه الهجمات مدعومة من القوات الإسرائيلية. وجاء هذا التصاعد منذ أن هاجم مستوطنون من مستوطنة “حفات جلعاد” منازل فلسطينية في الطرف الشرقي من بلدة طل، جنوب غرب نابلس.
وفي يومي الأحد والاثنين، شنّ الجيش الإسرائيلي مداهمات على بلدات وقرى ومخيمات للاجئين في أنحاء الضفة الغربية، فيما تواصلت التقارير عن اعتقالات وعمليات تفتيش في المنازل وهجمات للمستوطنين.
والحصار المتواصل منذ 15 يومًا على ثلاث عائلات تضم 15 شخصًا بينهم طفلان في قرية قصرة، دفع السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، المعروف بدعمه القوي لإسرائيل ومستوطناتها في الضفة الغربية، إلى إصدار إدانة علنية نادرة هذا الشهر.
وفي الوقت نفسه، تواصل إسرائيل المضي قدمًا في مخططاتها لما يُسمى التوسع الاستيطاني في منطقة E1 قرب القدس. وتحذّر منظمات حقوق الإنسان من أن هذا التوسع سيقطع الضفة الغربية إلى جزأين، ويعيق حرية تنقل الفلسطينيين على جانبيه، ويهدد إمكانية إقامة دولة فلسطينية.
ويقول خبراء إن الهجمات في الضفة الغربية تنطبق عليها بشكل متزايد صفة “البوغروم”. ووصفت المقررة الأممية الخاصة بالأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، الهجمات الإسرائيلية على الفلسطينيين بأنها “بوغرومات ضد مدنيين أعزل”. فلماذا يستخدم الخبراء هذا الوصف؟ وهل تنطبق هذه التسمية فعليًا على ما يجري؟
## ما الذي يحدث في الضفة الغربية؟
يواصل مستوطنون، بدعم متكرر من الجيش الإسرائيلي، مهاجمة منازل الفلسطينيين ومحلاتهم التجارية وأراضيهم الزراعية في مختلف أنحاء الضفة الغربية المحتلة. وهذه الهجمات ليست جديدة؛ فهي مستمرة منذ عقود مع توسع الاستيطان، لكنها تسارعت بعد 7 أكتوبر 2023 حين بدأت إسرائيل حرب الإبادة على غزة، وأصبحت أكثر عنفًا وتكرارًا خلال الشهر الماضي.
والمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية غير قانونية بموجب القانون الدولي. ووفقًا للجنة الفلسطينية لمقاومة الجدار والاستيطان، يبلغ عدد المستوطنين الآن نحو 780 ألفًا في الضفة الغربية والقدس الشرقية، يعيشون في 192 مستوطنة و400 بؤرة استيطانية. وتمتد هذه المستوطنات على نحو 71% من المنطقة ج، الخاضعة بالكامل للسيطرة الإسرائيلية المدنية والعسكرية، و91% من غور الأردن.
كثيرًا ما يقيم المستوطنون بؤرًا استيطانية غير مرخصة حول القرى الفلسطينية، وينطلقون منها في حملات مضايقة تهدف إلى إجبار السكان على الرحيل، عبر قتل المواشي وقطع خطوط الإمداد وإتلاف الممتلكات. وبعد أن يثبتوا وجودهم، يحصلون غالبًا على موافقة حكومية إسرائيلية بأثر رجعي.
وفي الآونة الأخيرة، فرض مستوطنون حصارًا على منازل عائلات بأكملها، كما حدث في منطقة رأس العين في قصرة، عبر قطع المياه والإمدادات الأخرى وإتلاف البساتين وإلحاق الضرر بالماشية. ويبدو أن نمطًا جديدًا يتشكل: يقيم المستوطنون خيمة بجوار منزل فلسطيني، ثم يُحاصر المنزل، وتُقطع الضروريات عنه، وعندها يصل جنود إسرائيليون، لا لإبعاد المستوطنين، بل لإبعاد العائلة، إما بالاعتقال أو بحجة “حمايتها”.
ففي قصرة، أُجبرت العائلات الثلاث المحاصرة على التجمع في منزل واحد. وفي الوقت نفسه، احتلت القوات الإسرائيلية أحد المنازل الأخرى وحوّلته إلى موقع عسكري، وألقت الأثاث والممتلكات من نوافذه، وفقًا لوكالة الأنباء الفلسطينية وفا.
وسجّل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أكثر من 1330 هجومًا مرتبطًا بالمستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية بين يناير وأواخر يوليو من هذا العام، بمعدل ست هجمات يوميًا، وهي أسرع وتيرة منذ بدأ المكتب تتبعه المنهجي قبل عقدين.
كما وجدت لجنة تحقيق أممية أن السلطات الإسرائيلية فشلت مرارًا في منع هجمات مستوطنين كانت متوقعة، وفي بعض الحالات سهّلت تلك الهجمات مباشرة عبر حماية الجيش وتوفير الأسلحة والتمويل. وقال المكتب إن هجمات المستوطنين وعمليات الهدم والإخلاء تسببت في نزوح قسري لفلسطينيين في الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام أكثر مما نزحوا طوال عام 2025.
وأفاد المكتب بأن 107 تجمعات سكنية تضم 5900 فلسطيني نزحوا كليًا أو جزئيًا بسبب عنف المستوطنين منذ يناير 2023. كما طرد الجيش الإسرائيلي نحو 32 ألف فلسطيني إضافي من منازلهم في الضفة الغربية المحتلة منذ يناير 2025، ما أدى عمليًا إلى إفراغ مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس.
## ما تعريف البوغروم؟
تختلف كبرى المعاجم الأمريكية والبريطانية في تعريفها لكلمة “بوغروم” إلى حد ما. فيعرفها قاموس كولينز البريطاني بأنها “عنف منظم ومدعوم رسميًا ضد مجموعة من الناس لأسباب عرقية أو دينية”، مع تضمين ملحوظ للعنف الرسمي أو المدعوم من الدولة.
أما قاموس أكسفورد للمتعلمين فيعرفها بأنها “القتل المنظم لأعداد كبيرة من الناس بسبب عرقهم أو دينهم”، دون أن يذكر عنفًا مدعومًا من الدولة. ويقول قاموس ميريام وبستر إنها “مذبحة منظمة ضد أشخاص عزل”، وتحديدًا “مذبحة ضد اليهود”. ويعرفها قاموس كامبريدج بأنها “سلوك قاسٍ منظم أو قتل يُمارس ضد مجموعة كبيرة من الناس بسبب عرقهم أو دينهم”.
ويُعتقد أن أصل الكلمة يعود إلى اللغة اليديشية، واستُخدمت في البداية لوصف موجة الهجمات الجماعية العنيفة المنظمة التي استهدفت الجاليات اليهودية في الإمبراطورية الروسية بعد اغتيال القيصر ألكسندر الثاني عام 1881.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن “بوغروم”، بخلاف مصطلحات قانونية مثل “الجرائم ضد الإنسانية” أو “الإبادة الجماعية”، لا يملك تعريفًا قانونيًا راسخًا في القانون الدولي.
## هل يمكن وصف هجمات الضفة الغربية بأنها بوغروم؟
إلى جانب المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز، التي وصفت الهجمات الإسرائيلية على الفلسطينيين في الضفة الغربية بأنها “بوغرومات ضد مدنيين أعزل”، فإن بعض المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم وصفوا هجمات مماثلة بأنها “بوغرومات”.
ففي 26 فبراير 2023، هاجم مئات المستوطنين الإسرائيليين بلدة حوارة والقرى الفلسطينية المحيطة بها، بعد مقتل مستوطنين إسرائيليين اثنين. استُشهد فلسطيني وأصيب المئات، وأُحرقت منازل ومحال تجارية وسيارات في هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون. وقد وصف قائد الجيش الإسرائيلي آنذاك في الضفة الغربية المحتلة، يهودا فوكس، الهجوم بأنه “بوغروم”، وسُجّل كذلك بوصفه هذا في تقرير وزارة الخارجية الأميركية.
وكانت منظمة “بتسيلم”، وهي منظمة إسرائيلية-فلسطينية لحقوق الإنسان، قد وصفت من قبل أفعالاً إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة بأنها “بوغرومات”، لا سيما بعد هجمات شباط/فبراير 2023. وفي وقت لاحق، أصدرت المنظمة تقريراً بعنوان “البوغرومات ناجحة، والتهجير يحدث الآن”، رأت فيه أن هجمات المستوطنين تسهم في تهجير المجتمعات الفلسطينية.
وقال يائير دفير، المتحدث باسم “بتسيلم”: “عنف المستوطنين ليس ظاهرة جديدة، لكنه خلال السنوات الثلاث الماضية أصبح أكثر عنفاً وتنظيماً، والأهم أنه أصبح جزءاً من آلية دولة تهدف إلى تطهير عرقي في أجزاء كبيرة من الضفة الغربية”. وأضاف في حديث للجزيرة: “الحكومة تمول المستوطنين وتسلحهم، بينما يقف الجيش الإسرائيلي مكتوف الأيدي، بل يشارك في كثير من الحالات بنشاط في الهجمات. حتى الآن، طردت هذه الميليشيات 64 تجمعاً فلسطينياً وسيطرت على نحو مليون دونم من الأراضي”.
وأوضح دفير أيضاً أن المستوطنين “ينفذون الآن هجمات منظمة على قرى وبلدات فلسطينية قائمة من أجل إجبار سكانها على الرحيل”. وتابع: “هذه ميليشيات مسلحة تعمل بوصفها ذراعاً غير رسمية للدولة، بهدف مشترك هو تطهير عرقي لأكبر قدر ممكن من الضفة الغربية”.
أما معهد ليمكين لمنع الإبادة الجماعية، المسمى على اسم المحامي البولندي-اليهودي رافائيل ليمكين، الذي يُنسب إليه وضع مصطلح “إبادة جماعية” بعد المحرقة، فقد وصف هجمات المستوطنين على قرية المغيّر في رام الله بأنها “بوغرومات”، وقال إن مئات المستوطنين المسلحين هاجموا السكان وأحرقوا مبانٍ وسيارات بينما وقف جنود إسرائيليون يراقبون، وذلك في وقت سابق من هذا العام. وفي عام 2025، اقتلعت القوات الإسرائيلية آلاف أشجار الزيتون الفلسطينية في المغيّر.
وقالت راهيل داتيوالا، الباحثة الهندية المتخصصة في العنف الجماعي، للجزيرة: “هجمات الضفة الغربية تنطبق عليها خصائص البوغروم، أي الاستهداف المنهجي لجماعة مدنية من جماعة أخرى بموافقة الدولة. وقد وصف عدد من كبار ضباط الجيش الإسرائيلي هذه الهجمات بالبوغرومات في الماضي، مثل تلك التي تلت هجمات حوارة. قد يرغب البعض في النقاش حول استخدام مصطلح ‘بوغروم’، لكن من الدقيق وصف عنف المستوطنين بأنه هجمات منهجية من المحتلين، بموافقة الحكومة، ضد جماعات من شعب خاضع للاحتلال”.