مناورة ترامب الكورية تكشف عن تحوّل النظام في شرق آسيا | آراء

عندما أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزارة الدفاع بتقليص المناورات العسكرية السنوية المشتركة مع كوريا الجنوبية، “درع الحرية أولتشي”، من أحد عشر يوماً إلى خمسة أيام، وكانت مقررة في منتصف أغسطس/آب، كشف بذلك عن منظوره القائم على الصفقات في التعامل مع شرق آسيا. هذه الخطوة فاجأت سيول، وقوبلت برفض محسوب من بيونغ يانغ، وهو ما يؤكد كيف أن الشكوك المتنامية حول المظلة الدفاعية الأمريكية تعيد تشكيل الحسابات الاستراتيجية في المنطقة.

وقدّم ترامب هذا التقليص باعتباره بادرة حسن نية تجاه كيم جونغ أون، الذي وصفه بأنه زعيم “يعرفه جيداً” ويجمعها به “علاقة جيدة جداً”. كما ادعى أن هذه التدريبات ترسل إشارة “غير لائقة ومعادية تماماً” إلى بيونغ يانغ، وربط القرار مباشرة برفض سيول المشاركة في المجهود الحربي الأمريكي ضد إيران، معلناً أن أمريكا “لا يمكنها أن تحمي كل هذه الدول، خصوصاً عندما لا يكونون موجودين لمساعدتنا”.

كان رد بيونغ يانغ على هذه البادرة مدروساً بعناية. فقد قالت كيم يو جونغ، شقيقة كيم جونغ أون، إنها “لا علم لها” بأي اتصال بين الزعيمين، وهو ما يناقض تأكيد ترامب بوجود تبادل “إيجابي جداً”. لكنها أعادت التأكيد على أن شقيقها يحمل “ذكريات ومشاعر شخصية طيبة” تجاه الرئيس الأمريكي، مما يشير إلى أن بيونغ يانغ ما تزال منفتحة على التواصل، لكن بشروط مختلفة تماماً: على واشنطن أن تقبل كوريا الشمالية كدولة نووية، وأن تتخلى عما تسميه بيونغ يانغ سياستها “العدائية”. هذه المطالب تتعارض جوهرياً مع إصرار واشنطن على نزع السلاح النووي الكامل، مما يثير احتمال ألا يكون أي لقاء في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل سوى مسرحية سياسية ما لم يغيّر أحد الطرفين موقفه.

أما الصين، فكان ردها على إحياء احتمال اللقاء بين ترامب وكيم أكثر تحفظاً لكنه لا يقل دلالة. فقد رفض المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان التعليق على احتمال عقد لقاء بينهما. غير أن الموقف الصيني الأوسع ظهر بوضوح أكبر خلال زيارة وزير الخارجية وانغ يي إلى سيول، حيث حث كوريا الجنوبية على السعي إلى “استقلال استراتيجي حقيقي” وتجنب “مواجهة الكتل أو الانحياز إلى طرف”، ودعا إلى تسريع المفاوضات بشأن المرحلة الثانية من اتفاقية التجارة الحرة بين الصين وكوريا الجنوبية، وتوسيع التعاون في الذكاء الاصطناعي والتحول الأخضر والاقتصاد الرقمي.

يقرأ  ترحيلهم من أمريكا إلى فنزويلا.. وساعات فقط تفصلهم عن الزلزال

والأهم أن وانغ يي لم يشر إلى نزع السلاح النووي إطلاقاً، ولم يؤيد المبادرة السلمية متعددة الأطراف التي تطرحها سيول، بل تحدث عن “التعايش السلمي” في شبه الجزيرة. هذه الصياغة تبدو وكأنها تقرب بكين من قبول واقع دولتين كوريتين منفصلتين، بدلاً من مواصلة جعل نزع السلاح النووي المبدأ المنظم لدبلوماسية شبه الجزيرة. واللافت أن واشنطن تبدو تسير في الاتجاه نفسه؛ ففي الملخص الصادر في 25 أغسطس/آب عن الاتصال الهاتفي بين تشو هيون وماركو روبيو، حذفت وزارة الخارجية الأمريكية أي إشارة إلى نزع السلاح النووي، وهو المصطلح الذي كان يظهر بانتظام في البيانات الثلاثية السابقة، وكان آخرها في 22 يوليو/تموز.

كما حذر وانغ يي من “محاولات القوى اليمينية اليابانية عكس مسار التاريخ”، ودعا إلى “عدم السماح للعسكرية اليابانية بالنهوض من جديد”. ويشير تحذيره مباشرة إلى سرعة وحجم التحول العسكري في طوكيو. فاليابان في عهد رئيسة الوزراء سانا تاكايشي تتحرك بسرعة لترسيخ هذا المسار. ولم تكن خطوة ترامب الأخيرة هي التي بدأت هذا التحول، لكنها تعزز المنطق الكامن خلف زيادة الاستقلال الاستراتيجي الياباني. ففي 31 يوليو/تموز، دشنت طوكيو مكتب الاستخبارات الوطني، وهو ما يعزز سيطرة رئيسة الوزراء على تنسيق الاستخبارات في الحكومة. كما وصلت ميزانية الدفاع الأساسية إلى مستوى قياسي بلغ 9.04 تريليون ين (56.7 مليار دولار)، في حين تقول اليابان إن إنفاقها الدفاعي الأوسع بلغ نسبة 2% من ناتجها المحلي الإجمالي قبل الموعد المحدد. وهذا التوسع يُرسَّخ أيضاً في السياسة المالية عبر ضرائب جديدة مرتبطة بالدفاع. وقد أثارت وتيرة هذا التحول غضب بيونغ يانغ؛ إذ حذّرت كيم يو جونغ اليابان من أن أي “خيار خاطئ” سيجلب “ضربة فورية مبيدة لا يمكن النجاة منها”.

يقرأ  الاتحاد الأوروبي لكرة القدم يوجّه رسالة قانونية إلى الفيفا بعد خطة إنفانتينو لكأس العالم

لكن القلق الأعمق بالنسبة إلى بكين هو استقلالية هذا المسار الياباني. فاليابان تستغل حالة عدم اليقين حول التزامات واشنطن لتثبيت التطبيع العسكري. وتخفيف قواعد تصدير الأسلحة، وتعميق التشابك مع شركات الدفاع مثل ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة وكاواساكي للصناعات الثقيلة و”آي إتش آي”، التي يبلغ إجمالي طلبياتها الدفاعية المتراكمة 6.25 تريليون ين (39.2 مليار دولار)، يشير إلى أن اليابان تبني البنية المؤسسية اللازمة لمزيد من العمل المستقل. بالنسبة إلى بكين، هذا هو السيناريو الكابوسي: يابان يعاد تسليحها بسرعة، لا تعمل مجرد وكيل للولايات المتحدة، بل قوة كبرى مستقلة تفرض مجال نفوذها بينما تتآكل مصداقية أمريكا.

سيول أيضاً تعيد ضبط حساباتها. ففي 18 أغسطس/آب، بعد أن أمر ترامب بتقليص مناورات أولتشي، جدد الرئيس لي جاي ميونغ مسعاه لاستعادة السيطرة العملياتية على القوات الكورية الجنوبية في زمن الحرب، وتسريع خطط الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية، مؤكداً أن قدرات دفاعية مستقلة أقوى ينبغي أن تكمل التحالف مع الولايات المتحدة.

في قلب هذا النظام الناشئ يوجد مثلث جيوسياسي: الولايات المتحدة تتعامل مع التحالفات كسلع للصفقات، واليابان تتسابق نحو تحرر عسكري دائم في ظل شكوك متزايدة إزاء الالتزامات الأمريكية، والصين تعمل على استقرار محيطها بينما تتصدى للانعطاف اليميني في طوكيو. كوريا الجنوبية، الواقعة في المنتصف، باتت مجبرة بشكل متزايد على التعامل مع تقلبات واشنطن، والجاذبية الاقتصادية لبكين، والتسارع العسكري الياباني.

حالة عدم اليقين عميقة. إذا أنتج تقارب ترامب مع بيونغ يانغ مسرحاً سياسياً فقط، فإن البرنامج النووي الكوري الشمالي سيواصل التقدم، بينما تحمي بكين وموسكو بيونغ يانغ من أي ضغط خارجي حقيقي. وإذا نجح الضغط الأمريكي على سيول، فقد تُجر كوريا الجنوبية إلى عمق أكبر في حروب أمريكا، من مضيق هرمز إلى أي طارئ متعلق بتايوان. وإذا استمرت إعادة التسلح اليابانية دون رادع، فإن البنية الأمنية الإقليمية لما بعد الحرب قد تتغير بشكل لا رجعة فيه.

يقرأ  أفغانستان وباكستان تتبادلان إطلاق النار مع استئناف محادثات وقف إطلاق النار في تركيا │ أخبار النزاعات الحدودية

قد تكون قمة أبيك في شنتشن في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل أول اختبار دبلوماسي حقيقي لهذا النظام الناشئ. فاحتمال اجتماع ترامب وشي جين بينغ وقادة اليابان وكوريا الجنوبية، وربما كيم جونغ أون، في مدينة صينية واحدة، سيمنح بكين فرصة بارزة بشكل استثنائي لتشكيل الاستجابة الدبلوماسية لهذه الفوضى. فإما أن تنجح في التوسط لتفاهم يعيد الاستقرار، وإما أن تتحول القمة إلى منصة أخرى للتنافس بين القوميات، وهذا قد يساعد في تحديد مسار شرق آسيا في العقد المقبل.

اليقينيات القديمة تتآكل. نظام التحالفات الأمريكي الذي ظل مرتكزاً للمنطقة طوال ثلاثة أرباع القرن يُضعف من الداخل. واليابان تستغل الغموض الناتج لتتخلص من قيود ما بعد الحرب. أما الصين، التي تفضّل محيطاً مستقراً وتبدو أكثر استعداداً لقبول واقع دولتين دائمين في شبه الجزيرة، فتجد نفسها تدير مستوى من عدم اليقين الإقليمي لم يُشهد منذ الحرب الباردة. لا يمكن لأي قمة واحدة أن توقف القوى التي تقود هذا التحول. فشرق آسيا يدخل نظاماً جديداً تتراجع فيه قدرة واشنطن على تحديد الشروط، ويختبر فيه الحلفاء حدود اعتمادهم عليها، ويبحث فيه الخصوم عن تشكيل ما سيأتي بعد ذلك.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة التحريري.

أضف تعليق