لماذا لجأ السرياليون إلى الحيوانات لاستكشاف أغوار النفس البشرية؟

نجوم البحر والعقارب والسنونو والخراف؛ ما إن تبحث حتى تجد الحيوانات في كل مكان في اللوحات السوريالية. هذه المخلوقات وغيرها كثير هي محور كتاب ديزموند موريس الجديد «الحيوانات السوريالية: وحوش غريبة ورؤى خيالية»، الذي يجمع بين دراسته الطويلة لعلم الحيوان، وبين مشاركته في الحركة السوريالية. توفي موريس في أبريل الماضي عن 98 عاماً، ويتركنا عمله مع سؤال يلحّ: لماذا استمر السورياليون في اللجوء إلى الحيوانات أثناء محاولتهم استكشاف أعماق النفس البشرية؟

يركز الكتاب على تمثيل الحيوانات الحقيقية فقط؛ فلو أراد توثيق المخلوقات الأسطورية والهجينة لاحتاج مجلداً آخر. رصد موريس أكثر من 750 ظهوراً لحيوانات في أعمال سوريالية، منها 168 صورة في الكتاب. وهو مقسم إلى أقسام تتراوح بين فئات عامة مثل «اللافقاريات» وفئات محددة بشكل مفاجئ مثل «الأفيال».

كرس موريس حياته المهنية لإظهار أن البشر يشتركون مع بقية الحيوانات أكثر مما نحب أن نعترف به. في 1967 جادل في طبيعة الإنسان القردية في كتابه الأكثر مبيعاً «القرد العاري». أثار هذا الكتاب وما تلاه من مؤلفات جدلاً واسعاً؛ إذ أصر على أن الإنسان حيوان في جوهره، وأصر أيضاً على بعض الأفكار المتعلقة بالجنس التي بدت عتيقة. بيد أنه في كتابه الأخير يرفض استخلاص النتائج، ويترك غموض المعاني السوريالية قائماً. كتب موريس في مكان آخر أن «السورياليين لا يحبون أن تُحلل أعمالهم». فبدلاً من التحليل، يقدم الكتاب تشكيلة من الكائنات المبهجة والمقلقة، ويولّد مقارنات غير متوقعة عبر التركيز على الحيوان.

بومة جاثمة أسفل لوحة ماكس إرنست «مارلين (امرأة وطفل)» (1941) تجد نظيرتها في لوحة موريس غريفز «طائر غير معروف للعين الداخلية» (1941). هذان العملان أُنجزا في السنة نفسها، لكنهما ربما لم يُجمَعا معاً في نقاش واحد لولا هذا الكتاب. يشير موريس إلى أن الفنانين كانا يعملان في سياق الحرب العالمية الثانية، وقدرة البومة على الحفر والطيران ربما لامست مشاعر الاحتجاز والرغبة في الهروب. يهيمن سلفادور دالي على الكتاب بـ33 عملاً، كما يهيمن عادة على النقاشات حول السوريالية، لكن الكتاب يضم أيضاً عدداً من الفنانين الأقل شهرة وفنانات، لا سيما ليونورا كارينغتون.

يقرأ  قادة أوروبيون ينضمون إلى زيلينسكي في لقاءٍ بالبيت الأبيض مع ترامب

كان مؤرخو الفن أقل تحفظاً في إسناد معانٍ للحيوانات السوريالية. تقترح كيرستن ستروم أن الإشارات الحيوانية كلها تشير إلى تأثير داروين الخفي؛ فقد حلّ عمله الحدود المتخيلة بين الإنسان والحيوان، ودفع فرويد إلى تطوير نظريته في التطور النفسي. وقد قدمت الحيوانات نماذج تحررية تتيح للسورياليين نبذ التقاليد البرجوازية والعودة إلى أنماط وجود بدائية. ماكس إرنست، الذي أعلن مرة أنه ولد من بيضة وضعتها أمه في عش نسر، استخدم الطيور كحيوانات طوطمية، وظهر بصورة طيرية في أعمال مثل «لوبلوب يقدم لوبلوب» (1930). في المقابل، بدا أن سورياليين آخرين استمدوا من الحيوانات ترخيصاً لاستغلال أجساد الآخرين، النساء عادة، كما في لوحة «جوستين» لكلوفيس تروي (1937)، حيث تظهر امرأة عارية وأسد مقيدين أسيرين.

لم تكن الحركة السوريالية موحدة الرأي، ومن اللافت أن الفنانات كن أكثر ميلاً إلى تمثيل اندماج مع ذواتهن الحيوانية: فريدا كاهلو تظهر متشابكة مع قرود أو كأيلة جريحة، وليونور فيني رسمت نساء متلاصقات مع قطط، ومشاهد كارينغتون تتخيل لقاءات مع النموس والثعالب. كارينغتون على وجه الخصوص تمثل ما يسميه البعض مقاربة إيكوفيمينية؛ فهي لا تستولي على الحيوان لكشف ذاتها، بل تبني قرابة بين الأنواع. علاقتها بضبع في «بورتريه ذاتي (نزل حصان الفجر)» (نحو 1937-1938) وعلاقتها الشخصية بالخيول موثقة جيداً، لكنها من خلال كتاباتها توضح أن طموحها يتجاوز السيرة الذاتية. في روايتها «بوق السمع» (1974) تتمرّد بطلة نباتية في التسعين من عمرها اسمها ماريان على المؤسسات الأبوية. وفي خضم مناخ متغير، تقيم ماريان تحالفات بين الأنواع بحثاً عن الكأس المقدسة. في النهاية تتخيل كوكباً تسكنه القطط والمستذئبون والنحل والماعز، آملة في «تحسين على البشرية». في أعمال السورياليات، يشكل تضامن النساء مع الحيوانات إمكانية لعالم أكثر إنسانية.

يقرأ  شاهد: تسريعٌ زمني لإعادة بناء مدينة كاولون المسوّرة الشهيرة بمقياس حقيقي داخل ماينكرافت

أضف تعليق