في خضم الحرب التجارية بين الولايات المتحدة وكندا، تلوح مخاوف الركود في الأفق

من المتوقع أن تلحق الحرب التجارية التي أشعلها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد كندا الضرر بشركات في البلدين، لكن خبراء يقولون إن الاقتصاد الكندي سيكون الأكثر تضرراً، إذ تزيد الرسوم الجمركية المتبادلة من احتمالات تعرضه للركود.

فقد فرضت الولايات المتحدة يوم السبت رسوماً جمركية بنسبة 50% على سلع كندية بقيمة 20 مليار دولار، بعد انهيار المفاوضات التجارية بين البلدين. كما هدد ترامب يوم الاثنين بفرض رسوم جديدة بنسبة 50% على جميع منتجات السيارات، بدءاً من يناير/كانون الثاني 2027. وفي يوم الثلاثاء، كشف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إجراءات انتقامية ضد أكثر من 700 منتج أميركي، تبلغ قيمتها أيضاً 20 مليار دولار، على أن تكون الرسوم على ثلاث شرائح: 15% و25% و50%، وتدخل حيز التنفيذ في 8 سبتمبر/أيلول.

وبينما أثارت جهود كندا موجة من الحماس الوطني، يحذر خبراء من أن هذا الشعور قد ينقلب إلى مرارة عند مواجهة الخسائر الاقتصادية. وقالت فينا ناجيبولا، المؤسسة المشاركة والرئيسة التنفيذية لمركز أبحاث سياساتي غير حزبي في كندا: “يشعر الناس بحماس كبير لفكرة أن كندا تقف في وجه ترامب، وهناك إحساس ملموس بالوطنية في أوتاوا، لكنني لا أعرف كم سيستمر هذا الشعور”.

اقتصاد كندا يعادل عُشر حجم الاقتصاد الأميركي، وتُصدّر نحو 70% من صادراتها إلى الولايات المتحدة، ما يجعلها عرضة بشكل خاص للعقوبات التجارية الأميركية. ورغم أن الرسوم الأميركية سيكون لها أثر محدود على الاقتصاد الكندي إجمالاً، إذ تقدر شركة “أوكسفورد إيكونوميكس” للاستشارات أنها ستقتطع 0.3 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي العام المقبل، إلا أنها ستضر بمقاطعات وقطاعات محددة بشكل أكبر.

خسائر متوقعة في الوظائف

سيكون المصنعون في كيبيك ونيو برونزويك وأونتاريو الأكثر تضرراً، وكذلك المصدرون في كولومبيا البريطانية، بسبب اعتمادهم الكبير على المبيعات إلى الولايات المتحدة. ووفقاً لأوكسفورد إيكونوميكس، فإن هذه المقاطعات هشة لأنها تنتج سلعاً يسهل استبدالها، وفي مقدمة تلك السلع الإسمنت والورق والخشب والمشروبات والملابس والبلاستيك والإلكترونيات.

يقرأ  بعد منافسيه.. ذكاء ميتا الاصطناعي يكشف ثغرات في أنظمة خارجية

وبالمثل، ورغم أن الرسوم الكندية على الولايات المتحدة سيكون تأثيرها محدوداً، فإن التكاليف على الولايات والشركات الأميركية التي تعتمد على التجارة مع كندا ستتصاعد. وقالت أشلي كالين، مستشارة التجارة الدولية في تورونتو: “هذه حرب تجارية بكل معنى الكلمة. نحن نشعر بالآثار في كندا، ونتوقع فقدان أكثر من 100 ألف وظيفة”. وأضافت أن بعض عملاء شركتها يخططون بالفعل لإغلاق مصانعهم وتسريح عمالهم إذا استمرت الرسوم على حالها.

وتواصلت التوترات هذا الأسبوع بعد أن أعلن ترامب يوم الخميس أن الحكومة الفيدرالية الأميركية ستعتمد من الآن اسم “بحيرة أميركا” بدل “بحيرة أونتاريو”، احتجاجاً على كندا. وأشار رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن كلمة “أونتاريو” ليست كندية، بل من السكان الأصليين. وكتب: “الاسم عمره أكثر من 400 عام، أي أنه يسبق قيام الاتحاد الكندي وإعلان استقلال الولايات المتحدة الأميركية”.

كما رفض رئيس حكومة مانيتوبا واب كينيو إعادة التسمية ووصفها بأنها محاولة ضعيفة. وكان ترامب قد أعلن في العام الماضي تغيير اسم “خليج المكسيك” إلى “خليج أميركا” وسط توترات مع المكسيك بشأن الهجرة وأمن الحدود. وقال كينيو للصحفيين في وينيبيغ: “أتعلم عندما تكون فرقة روك قد تجاوزت ذروتها، فتراها في كازينو تعزف أغنية من نحو خمسين عاماً؟ أعتقد أننا وصلنا إلى هذه المرحلة في رئاسة دونالد ترامب. ليس هذا أفضل ما قدمه”.

مسار أكثر انخفاضاً بشكل دائم

ويخشى اقتصاديون من أنه إذا استمرت العلاقات في التدهور، فقد تنهار اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. وحذر توني ستيلو، مدير قسم الاقتصاد الكندي في أوكسفورد إيكونوميكس، من أن هذا السيناريو “سيدفع الاقتصاد الكندي إلى الركود ويتركه على مسار منخفض بشكل دائم”.

يقرأ  حصيلة قتلى الانهيار الأرضي في كينيا ترتفع إلى 26، والفيضانات المفاجئة تعرقل جهود البحث عن ناجين

فالاتفاقية تحمي غالبية الصادرات الكندية من الرسوم الأميركية، مما يبقي معدل الرسوم الفعلي المفروض على السلع الكندية عند 5.1%، وهو من بين الأدنى عالمياً. وحتى مع الرسوم التي دخلت حيز التنفيذ في نهاية الأسبوع الماضي، يُقدَّر أن معدل الرسوم الفعلي على الصادرات الكندية لن يتجاوز 6.9%.

وقال ماثيو هولمز، نائب الرئيس التنفيذي ورئيس قسم السياسات العامة في غرفة التجارة الكندية: “حرب الاستنزاف لن تفيد أيّاً من الاقتصادين، لكن كندا تُظهر قدرة كبيرة على الصمود”. وأضاف أنه يأمل في أن يسعى الجانبان إلى تهدئة في الحرب التجارية، وأن يكون هدف المفاوضين العودة إلى طاولة الحوار في الوقت المناسب، وليس الرد بإجراءات انتقامية إلى ما لا نهاية.

قطاع السيارات يستعد للصدمة

من مجالات القلق الأخرى قطاع صناعة السيارات. فقبل نحو 18 شهراً، أي في وقت مبكر من ولايته الثانية، فرض ترامب رسوماً جمركية بنسبة 25% على السيارات وقطع الغيار القادمة من كندا. وكان المصنعون والوكلاء قد تمكنوا إلى حد كبير من امتصاص التكاليف الإضافية، مما ساعد في إبقاء أسعار السيارات الجديدة مستقرة نسبياً.

لكن تهديدات ترامب بمضاعفة رسوم السيارات إلى 50% بدءاً من 2027، من المتوقع أن تقوّض بشكل كبير صناعة السيارات العابرة للحدود، وفقاً للخبراء. وقال برنارد ياروس، كبير الاقتصاديين الأميركيين في أوكسفورد إيكونوميكس، إن “هوامش الأمان” في صناعة السيارات “بدأت تنفد”. وأضاف أن الرسوم بنسبة 50% من المرجح أن تلحق ضرراً “غير متناسب” بولايات الغرب الأوسط مثل ميشيغان وأوهايو وإنديانا، التي يعتمد قطاع سياراتها على مكونات مصنوعة في كندا.

وأشار ياروس إلى أن توقيت زيادة الرسوم مهم أيضاً، إذ ستقفز رسوم السيارات بعد أشهر من انتهاء الانتخابات النصفية الأميركية، وهو ما يتيح لترامب أن يكون “أقل تقييداً” بالسياسة الداخلية. وبدون الخوف من إغضاب الناخبين، قد يشعر ترامب بحرية أكبر في اتخاذ إجراءات عدوانية على صعيد التجارة، مما قد يمهد “لمناخ جمركي أكثر تقلباً خلال العامين الأخيرين من ولايته الثانية”.

يقرأ  كيف تصبح معلماً محترفاًمن نيل الدرجة العلمية إلى الحصول على الوظيفة

تداعيات على آخرين

وفي الداخل الكندي، تثير هجمات ترامب الأخيرة انقسامات سياسية أيضاً. فقد دعا دوغ فورد، رئيس حكومة أونتاريو، إلى اتباع نهج صارم لمواجهة الإجراءات التجارية الأميركية، محذراً من أن “كل الخيارات مطروحة على الطاولة”، بما في ذلك قطع إمدادات الكهرباء وصادرات المعادن الحرجة عن الولايات المتحدة. لكن مقاطعات أخرى أقل حماساً لتبني تكتيكات الأرض المحروقة؛ فقد رفضت ألبرتا وساسكاتشوان الاقتراحات المتعلقة بفرض ضرائب تصدير على الموارد الطبيعية، مثل النفط والبوتاس، التي تشكل ركيزة أساسية لاقتصاديهما.

وترى ناجيبولا أن العالم يراقب كيف ستتعامل كندا مع جارتها الجنوبية التي تزداد عدائية. وقالت: “قدرة كندا على التمسك بهذا الموقف لها تداعيات على آخرين أيضاً”. وأضافت أن التاريخ الرئيسي الذي تراقبه هو 8 سبتمبر/أيلول، حين تدخل الرسوم الكندية الانتقامية حيز التنفيذ. وتابعت: “من الصعب حقاً التكهن بأين تتجه الأمور. الأجواء هذا الأسبوع تميل إلى التصعيد”.

أضف تعليق