تبدو إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكأنها تتحرك نحو توسيع التواصل مع شخصيات بارزة في موسكو، رغم استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا وتعثر جهود السلام التي تدعمها واشنطن.
ومن أحدث المؤشرات على رغبة الولايات المتحدة في تعزيز العلاقات، زيارة نادرة قام بها مدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف إلى موسكو، وظهور مفاجئ لوزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف في اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين الذي استضافته الولايات المتحدة الاثنين.
غير أن محللين يقولون إن هذا التواصل لا يعني بالضرورة عودة العلاقات الأميركية الروسية إلى طبيعتها. فما تزال واشنطن تدعم العقوبات المفروضة على موسكو بسبب حربها في أوكرانيا، وما تزال الخلافات الكبرى حول الأراضي دون حل.
فما الذي حملته هذه الاتصالات الأخيرة؟ وهل تشير إلى تحسن في العلاقات؟
أبرز هذه الاتصالات كانت زيارة راتكليف إلى موسكو الأسبوع الماضي، حيث أجرى محادثات مع مسؤولين في الاستخبارات الروسية. وقال دميتري بيسكوف، الناطق باسم الكرملين، إن الرئيس فلاديمير بوتين اطّلع على فحوى المحادثات لكنه لم يلتقِ راتكليف شخصياً.
ووصف ترامب الزيارة بأنها “شبه روتينية”، وقال إنها مرتبطة بجهود إنهاء الحرب في أوكرانيا. وذكرت وسائل إعلام أميركية أن راتكليف أثار أيضاً مخاوف من احتمال شن روسيا هجوماً على دول الناتو، ومن علاقة موسكو بإيران.
ويريد ترامب، الذي تعهد بإنهاء الحرب الأوكرانية خلال “24 ساعة” بعد بدء ولايته الثانية في يناير/كانون الثاني 2025 لكنه لم يتمكن من إبرام اتفاق، عموماً تخفيف التوتر بين واشنطن وموسكو. وبعد زيارة راتكليف، قال إن مدير المخابرات المركزية أجرى “محادثات جيدة” مع بوتين، مضيفاً: “لن يهاجم أراضي الناتو”.
ورغم ذلك، حذّرت روسيا مؤخراً بريطانيا من أنها قد تواجه “عواقب” بسبب تزويدها أوكرانيا بمسيّرات تُستخدم في هجمات بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية. وقالت السفارة الروسية في لندن في بيان منتصف أغسطس/آب: “ستكون لأفعال لندن عواقب لا بد أن تتحملها. وكلما تعمّق تورطها في النزاع وزاد دعمها للآلة الإرهابية في كييف، ارتفع الثمن الذي ستدفعه”.
وبشكل منفصل، ظهر سيلوانوف بشكل مفاجئ في اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين في ولاية نورث كارولاينا الأميركية، وهي أول مشاركة له منذ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022. والتقى وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بسيلوانوف على هامش الاجتماع. ووفقاً لوكالة رويترز، أوضح بيسنت أنه لن تكون هناك اتفاقات مالية أو تخفيف للضغوط الاقتصادية على روسيا قبل انتهاء الحرب.
تبدو آمال تحقيق اختراق دبلوماسي ضئيلة، إذ لا يريد أي من الطرفين التنازل عن أراضٍ للآخر. وكانت المحادثات الروسية الأوكرانية التي توسطت فيها الولايات المتحدة قد انهارت هذا العام، أساساً بسبب المطالب الإقليمية الروسية. فموسكو تطالب كييف بالتخلي عن أراضٍ في شرق أوكرانيا، بينما ترفض كييف التخلي عن أي أراضٍ ما تزال تسيطر عليها.
الأسبوع الماضي، قال كيريلو بودانوف، كبير مستشاري الرئيس الأوكراني، إن محادثات تشمل أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة قد تُعقد “قريباً جداً”. ويوم الاثنين، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنه أجرى نقاشات “مفصلة وبناءة” مع المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر حول زيارة محتملة لأوكرانيا وجهود دفع عملية السلام.
وفي الوقت نفسه، يستمر الجمود. فروسيا وأوكرانيا تواصلان تبادل الضربات، مستهدفتين البنية التحتية للطاقة لدى بعضهما البعض، وتخوضان معارك عنيفة في منطقة دونباس شرقي أوكرانيا.
ويوم الثلاثاء، قالت السلطات المحلية إن ضربات جوية روسية قتلت 12 شخصاً وأصابت آخرين كثيرين في كييف والمناطق المحيطة بها. وكان هذا اليوم السادس على التوالي من القصف المكثف على العاصمة. وقال فلاديسلاف فلاسيوك، مفوض زيلينسكي لشؤون العقوبات، لرويترز الاثنين، إنه سيتوجه إلى العاصمة الأميركية الثلاثاء في زيارة تشمل لقاءات مع نواب في الكونغرس.
هل تتحسن العلاقات الأميركية الروسية؟ وما معنى ذلك؟
بدأت استعادة الاتصالات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وروسيا في وقت سابق من ولاية ترامب الثانية. ففي فبراير/شباط، اتفقت واشنطن وموسكو على إعادة إطلاق المحادثات العسكرية رفيعة المستوى بين البلدين، والتي كانت معلّقة قبل اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا.
وبعد هذه الاتصالات الأخيرة، قال كير جايلز، الزميل المشارك في برنامج روسيا وأوراسيا في مركز تشاتام هاوس للأبحاث، إن الأدلة على “تطبيع العلاقات بين واشنطن وموسكو” يجب أن تزيد الشعور بالقلق. وأضاف جايلز للجزيرة: “تعامل الولايات المتحدة مع روسيا كشريك لا كخصم يمثل مشكلة أساسية لكل الدول المهددة مباشرة من موسكو، ليس فقط أوكرانيا بل حلفاء أميركا الأوروبيين أيضاً”.
كما حذّر مطلعون من أن التقارب مع ترامب قد يزيد جرأة روسيا تجاه الناتو. ففي أغسطس/آب، بعد أن حذّرت موسكو بريطانيا من “عواقب” لتزويدها أوكرانيا بمكونات صواريخ بعيدة المدى، قال نائب وزير الخارجية الروسي السابق أندريه فيدوروف لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إن هذه “العواقب” قد تشمل احتمال تنفيذ هجمات. وأضاف أن الكثير من الخبراء العسكريين الذين ينصحون الكرملين مقتنعون بأن الناتو لن يرد بقوة إذا ضربت روسيا بريطانيا. وقال: “ترامب لن يسمح للناتو بالرد”.
وفي هذا الأسبوع، قال وزير المالية البولندي أندجي دومانسكي إنه غير سعيد برؤية موسكو ممثلة في اجتماع مجموعة العشرين الاثنين. وأضاف لرويترز: “نحن لا نثق بروسيا. إنهم يكذبون باستمرار، وعليك أن تكون حذراً جداً جداً أثناء الحوار معهم”.
ويوم الثلاثاء، قال فالديس دومبروفسكيس، كبير مسؤولي الاقتصاد في الاتحاد الأوروبي، إن هذا ليس الوقت المناسب “لتطبيع” مشاركة موسكو في اجتماعات مجموعة العشرين. وأضاف دومبروفسكيس للصحفيين على هامش اجتماع نورث كارولاينا: “أعتقد أن الموقف الأوروبي معروف”. لم يصلني نص المقال الذي طلبت إعادة كتابته. يرجى إرساله حتى أتمكّن من إعادة صياغته بالعربية.