في صيف هذا العام، اجتاحت حرائق الغابات مساحات واسعة من أوروبا الغربية، مما زاد قلق أصحاب مزارع النبيذ على مصير واحد من أهم منتجات المنطقة التصديرية.
في فرنسا، أكبر دولة مصدّرة للنبيذ في أوروبا بفارق كبير، هناك نحو 739 ألف هكتار من الأراضي المخصصة لكروم العنب الممتدة عبر مناطق صناعة النبيذ مثل لانغدوك وبوردو ووادي الرون، وقد استمر الحال كذلك لقرون.
لكن تغيّر المناخ الناتج عن النشاط البشري أصبح يسبب ظروفاً جوية أكثر تطرفاً، ويهدد عنباً ثميناً وهشاً، شديد الحساسية للحرارة. والأخطر أن حرائق الغابات في الغابات الجافة كالعود تزداد تواتراً، وتسبب دماراً كبيراً للزراعة.
عانت أوروبا الغربية هذا العام واحداً من أكثر فصول الصيف حرارة، وقد تفاقم هذا الحرّ بفعل ظاهرة النينيو المناخية التي تتسم بظروف أكثر حرارة وجفافاً. وأوروبا الآن هي أسرع قارات العالم احتراراً، وبعض مناطقها غير مجهزة جيداً للتعامل مع الطقس الحار.
بدأ الموسم الحار هذا العام بقبة حرارية خانقة في مايو/أيار، وبحلول منتصف أغسطس/آب، وصلت درجات الحرارة القاسية في بعض المناطق إلى 40 درجة مئوية. واندلعت حرائق غابات في مناطق من جيروند بجنوب غرب فرنسا، على مقربة من بوردو، وفي قلب منطقة إنتاج النبيذ.
درجات الحرارة المرتفعة تُجبر العنب على النضوج أسرع من المعتاد بكثير. ورغم أن هذا يمنحه طعماً أكثر سكرية، فإنه يؤثر أيضاً في حموضة العنب الطبيعية ويرفع نسبة الكحول في النبيذ الناتج. ومع جفاف الغابات الشديد، اندلعت حرائق مدمرة على نطاق لم يُسجَّل من قبل، بما في ذلك داخل مناطق النبيذ.
وفي ما يلي أبرز ما نعرفه:
أين اندلعت حرائق الغابات في فرنسا؟
كان موسم حرائق الغابات لعام 2026 في جنوب غرب أوروبا من الأسوأ منذ عقود، إذ سُجّلت في فرنسا سلسلة من الحرائق الضخمة بين يونيو/حزيران ويوليو/تموز. وقال وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز للصحافيين في ذروة الحرائق في يوليو/تموز إن مساحة لا تقل عن 465 ألف هكتار احترقت منذ بداية العام.
وفي منطقة جيروند جنوب غرب البلاد وحدها، احترقت مساحة تعادل نحو أربعة أضعاف مساحة باريس، في أكبر حريق تشهده المنطقة منذ عام 1949. وعاصمة الإقليم هي بوردو، وهي من أهم مناطق زراعة العنب في فرنسا، وموطن للعديد من أنواع النبيذ الفرنسي الشهيرة.
أطلقت السلطات عملية إجلاء كبيرة، إذ اضطر نحو 220 ألف شخص إلى مغادرة منازلهم، بمن فيهم سكان المناطق القريبة من بوردو، بينما كانت الحرائق تلتهم غابات الصنوبر الشاسعة في جيروند. وكانت الحرائق عنيفة إلى حد أنها ولّدت برقاً وأشعلت نيراناً إضافية.
كما تأثرت مناطق لاند جنوب غرب البلاد، وفار، ومناطق في أود وإيرو. وبحلول الأول من سبتمبر/أيلول، كانت هناك بعض الحرائق الصغيرة ما تزال نشطة في الجنوب، بينها حريق في سوموس على بُعد نحو ساعة من بوردو، وفق موقع مراقبة حرائق الغابات. وأصبحت كل الحرائق الآن تحت السيطرة.
كيف تتأثر كروم العنب بالحرائق؟
رغم أن الحرائق وصلت إلى مسافة 15 كيلومتراً من بوردو، فإن معظم كروم العنب في المنطقة، الواقعة في عمق اليابسة، لم تتأثر إلى حد كبير، على ما قال خبير النبيذ بير كارلسون للجزيرة.
غير أن بعض المزارعين مهددون ليس بالحرائق نفسها، بل بالدخان، إذ تستطيع الرياح حمل الدخان والرماد إلى مسافة أبعد بكثير مما تصل إليه النيران. في يوليو/تموز، وبينما كانت الحرائق مشتعلة، أفادت مراسلة الجزيرة نينا مونتاغ سميث أن الرماد كان يتساقط على بلدة ليبورن في منطقة النبيذ، على بُعد أكثر من 100 كيلومتر عن مصدر الحرائق في كاب فيري، وهي شبه جزيرة ضيقة على ساحل فرنسا الأطلسي، غرب بوردو. وليبورن قريبة من مركز صناعة النبيذ المهم سانت إميلون.
وقالت مونتاغ سميث: “عندما زرت أركاشون، وهي بلدة ساحلية تقع عبر الخليج من كاب فيري، رأينا النيران في شبه الجزيرة. وخلال ساعات، اسودّت السماء وامتلأت سماء أركاشون بالدخان الكثيف.”
وأوضح كارلسون أن الدخان المتنقل ربما يكون قد سبّب شيئاً من “تلوث الدخان”. فالدخان قد يضر العنب عبر اختراق قشرته وإطلاق نكهة مدخنة أثناء التخمير، وهذا يؤثر في المذاق والرائحة، ويخفض الجودة العامة للعصير والنبيذ الناتج. وأضاف أن غسل العنب بعد حدوث الامتصاص لا يفيد كثيراً.
وهناك مشكلة أخرى تتعلق بسياحة النبيذ، إذ تعتبر مزارع النبيذ هذه السياحة مصدر دخل إضافياً مهماً في وقت يتراجع فيه استهلاك النبيذ عموماً. قال كارلسون: “سياحة النبيذ أصبحت جزءاً مهماً جداً من هذه الصناعة.” وهو وزوجته ينظمان رحلات خاصة لتذوق النبيذ إلى الكروم، بما في ذلك في بوردو ومناطق فرنسية أخرى. وأضاف: “أعداد كبيرة من مزارع النبيذ في بوردو باتت مفتوحة لهذا النوع من الزيارات هذه الأيام، رغم أن الوصول إليها كان صعباً جداً في الماضي.”
وتابع أن السياح قلقون من التوجه إلى بعض المناطق وسط حرائق الغابات. وفي أواخر يوليو/تموز، وبينما كان حريق جيروند مشتعلاً، طلبت الحكومة الفرنسية من الناس أيضاً تجنّب المنطقة.
ما التحديات الأخرى التي تواجه صانعي النبيذ؟
إلى جانب حرائق الغابات والحر الشديد، فإن الجفاف المستمر في أوروبا الغربية يؤثر أيضاً في مزارعي العنب. تراجعت مناسيب مصادر مياه حيوية مثل نهر الدانوب ونهر الراين تراجعاً كبيراً، ما أثر في المنتجين في عدة دول.
وفي شرق فرنسا، اختفى نهر دوبس تقريباً في بعض الأماكن، كاشفاً عن مجارٍ جافة. واضطرت السلطات إلى فرض قيود على استخدام المياه في مناطق كثيرة. وفي يوليو/تموز، قالت وزيرة الانتقال البيئي الفرنسية مونيك باربو في اجتماع طارئ إن جفاف هذا العام “استثنائي” من حيث شدته، وإنه حدث رغم معدلات هطول طبيعية للأمطار.
مناطق زراعة العنب تعتمد تقليدياً على الأمطار، لأن السلطات تمنع الري لإجبار الكروم على البحث عن المياه الجوفية بطرق طبيعية. السبب الرئيسي لهذا هو ضمان جودة أعلى، إذ إن الري غير المنظّم قد يجعل العنب يمتص ماءً كثيراً، فينتفخ وتخف نكهة النبيذ. لكن الكروم تحتاج إلى ماء كافٍ لإنتاج حبات كبيرة غنية بالعصارة. خلال فترات الجفاف، عندما لا تحصل الكروم على ما يكفي من الماء، تسحب الماء من العنب، مما يجعل الحبات تنكمش وتفقد حجمها، وفق ما يقوله خبراء.
ستيفان فينيون، صانع نبيذ في قرية فيرزيناي شمال شرق فرنسا، قال لرويترز إن بعض عناقيد العنب هذا العام كانت أخف بنحو 30% من وزنها الطبيعي.
هذه الأزمات مجتمعة جعلت موسم الحصاد في فرنسا يبدأ في أغسطس هذا العام، أي أبكر بكثير من الموعد التقليدي في سبتمبر، بسبب مخاوف المزارعين من تسارع النضج وانخفاض الحموضة.
وفوق ذلك، تواجه صناعة النبيذ الفرنسية مبيعات أضعف نتيجة تغيّر العادات، إذ يقلّ استهلاك الناس للنبيذ عالمياً.
في الولايات المتحدة، أكبر دولة مستهلكة للنبيذ في العالم والمشتري الأول للنبيذ الفرنسي، انخفض الاستهلاك من 3.3 مليارات لتر (872 مليون غالون) في 2020 إلى 2.7 مليار لتر (717 مليون غالون) في 2024، وفق معهد النبيذ في كاليفورنيا.
كما أن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على النبيذ الفرنسي في 2025، والتهديدات المتكررة بزيادتها، لم تساعد في تخفيف تراجع المبيعات.
كارلسون لاحظ أن تغيّر المناخ في المستقبل المنظور يمكن التعامل معه، مشيراً إلى أن مزارعي العنب بدأوا بتكييف أساليبهم، مثل زراعة أصناف أكثر تحملاً. أما قلة عدد شاربي النبيذ، فهي المشكلة الأكبر، على حد قوله.