لماذا تراهن اليونان على درع أخيل الإسرائيلي؟

وقّعت اليونان وإسرائيل، يوم الاثنين، صفقة دفاعية بقيمة 3.5 مليارات دولار، لإقامة شبكة دفاع متكاملة متعددة الطبقات لحماية الأراضي اليونانية، أُطلق عليها اسم «درع أخيل». وتضم الصفقة منظومة «مقلاع داود»، وصواريخ «سبايدر» الاعتراضية، ومنظومة «باراك» للدفاع الجوي والصاروخي، ورادارات متعددة المهام، إضافة إلى صفقة منفصلة لأنظمة «درون دوم» لحماية المواقع الاستراتيجية من الطائرات المسيّرة.

وهي أكبر صفقة دفاعية أُبرمت بين البلدين على الإطلاق، وتُعد أيضاً من أهم اتفاقيات التصدير في تاريخ إسرائيل الحديث.

وما يجعل الاتفاق لافتاً أنه يأتي في وقت تمر فيه مكانة إسرائيل العالمية بإحدى أدنى نقاطها منذ عقود. واليونان ليست حالة شاذة؛ فنحو 65% من مواطنيها ينظرون إلى إسرائيل بنظرة غير إيجابية. فلماذا تختار أثينا الآن أن تعمّق علاقاتها بإسرائيل علناً في أكثر المجالات حساسية، أي الدفاع والتكنولوجيا العسكرية؟

ثمة عاملان رئيسيان يفسران ذلك. الأول هو الظل الثقيل للصراع بين إسرائيل وإيران. ففي مطلع مارس/آذار، ضربت طائرة مسيّرة إيرانية قبرص، جارة اليونان وشريكتها القريبة. وقد عزّز هذا على الأرجح مخاوف كانت ظاهرة منذ عام 2024. فبعد أن أسقطت إسرائيل، بمساعدة الولايات المتحدة، نحو 300 هدف جوي إيراني بين طائرات مسيّرة وصواريخ، دعا وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس إلى بناء «قبة» يونانية مضادة للطائرات المسيّرة.

لذا، فإن الصفقة ناتجة جزئياً عن ضرورة عملية، في وقت تتصارع فيه الدول لإيجاد حلول عسكرية لتهديد الطائرات المسيّرة المتنامي. فالسعودية وقطر والإمارات، على سبيل المثال، تشتري تكنولوجيا مضادة للطائرات المسيّرة من أوكرانيا، وهي دولة أخرى قادرة على تسويق منتجاتها باعتبارها مجرّبة في الحرب. ورغم موقعها السياسي غير المريح، فإن لإسرائيل أفضلية عملية؛ فهي مارست منذ زمن طويل ما يسمى «دبلوماسية السلاح»، إذ تستخدم صناعتها الدفاعية جسراً لبناء علاقات ثنائية أوثق مع الدول المشترية.

يقرأ  تحقيق مكتب التحقيقات الفدرالي في دوري إن بي إيه يسلط الضوء على ازدهار صناعة المراهنات الرياضيةأخبار كرة السلة

أما العامل الثاني فيتصل بمبدأ قديم في الاستراتيجية الإسرائيلية الكبرى، وهو ما يُعرف بـ«عقيدة الأطراف». وتقوم هذه العقيدة على فكرة أن تبني إسرائيل علاقات مع دول وشعوب غير عربية تقع على أطراف المشرق، لمواجهة العداء بينها وبين جيرانها المباشرين. وهي تقوم على إدراك أن التهديدات المشتركة يمكن أن تصنع شراكات استراتيجية. وفي حالة اليونان وإسرائيل، هذا التهديد المشترك هو تركيا.

المفارقة أن تركيا، بوصفها دولة غير عربية وبوابة بين الشرق الأوسط وأوروبا، كانت شريكة إسرائيل القريبة في بدايات هذه العقيدة. ففي عام 1949، كانت تركيا أول دولة مسلمة تعترف بإسرائيل. وفي السنوات التالية، أقامت أنقرة وتل أبيب علاقات أمنية قوية لكنها ظلّت سرية.

وقد نجح هذا النهج كما أرادت إسرائيل، إذ فتح الباب أمام علاقات ثنائية أوسع وأكثر علانية، واستمرت حتى بعد وصول حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي إلى السلطة في تركيا عام 2002.

لكن الطرفين اختلفا في أواخر عام 2008 بعد أن شنت إسرائيل هجوماً على قطاع غزة. وتفاقمت الخلافات لاحقاً حول السياسات الإسرائيلية تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، حتى تآكلت العلاقات العميقة تدريجياً.

وانهار التبادل التجاري بعد أن فرضت أنقرة حظراً تجارياً على إسرائيل في عام 2024. كما لم تعد هناك رحلات جوية مباشرة بين البلدين. وفي يونيو/حزيران، زعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الضغط الأميركي منع تركيا من الانضمام إلى الحرب على إيران إلى جانب طهران. وقد يبدو هذا بعيد الاحتمال، لكنه يوضح أن إسرائيل وتركيا لا تختلفان فقط حول كثير من القضايا الجيوسياسية؛ بل تنظر كل منهما إلى الأخرى بوصفها منافساً، بل وتهديداً.

اللافت أن اليونان ملأت هذا الفراغ بسرعة. ففي سنوات سابقة، كانت الشراكة بين تل أبيب وأنقرة تحول دون علاقة أوثق مع أثينا. لكن هذا تغيّر؛ ففي أواخر عام 2025، وقعت إسرائيل وقبرص واليونان «خطة عمل مشتركة» تنص على تعزيز التعاون العسكري.

يقرأ  قاضٍ بولاية ويسكونسن يواجه المحاكمة بتهمة مساعدة أشخاص على التهرب من إدارة الهجرة والجمارك الأمريكيةأخبار دونالد ترامب

وعزّز قطاع الطاقة هذا التقارب الاستراتيجي. فاكتشاف احتياطيات غاز كبيرة في شرق المتوسط شجّع إسرائيل واليونان وقبرص على التعاون في مجالي خطوط الأنابيب والأمن البحري.

وكما حدث مع تركيا، تبع التعاون الأمني توسّع في العلاقات الثنائية. ففي عام 2025، زار نحو 744 ألف إسرائيلي اليونان، مقابل نحو 558 ألف سائح إسرائيلي وصلوا إلى تركيا في ذروة عام 2008.

وساهم انقسام المنطقة المتزايد إلى تكتلات متنافسة في دفع العلاقة الإسرائيلية اليونانية. ففي فبراير/شباط، طرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فكرة «تحالف سداسي» يضم إسرائيل واليونان وقبرص والهند ودولاً عربية وأفريقية لم يسمّها. وبعد ستة أشهر، وقعت السعودية وتركيا وباكستان «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، وهو تحالف يتداخل إلى حد كبير مع ما كان المحللون يسمونه «التحالف الإسلامي».

هذه ديناميكية متطورة، فالتعاون بين التكتلات أمر شائع بقدر ما هو شائع وجود تباينات داخل التكتل الواحد. لكنها تُظهر أن أزمة الثقة في الولايات المتحدة بوصفها ضامناً أمنياً تتجاوز دول الخليج، كما أنها سابقة على الحرب الأخيرة على إيران. وهي تنذر أيضاً بصداع لصانعي القرار في واشنطن، لأن هذه الدول المتنافسة بشكل متزايد جميعها حلفاء للولايات المتحدة.

صفقة «درع أخيل» إذاً هي مظهر جديد لاستراتيجية إسرائيلية قديمة، عجّلت بها الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وقد تعقّد الشكوك الشعبية العلاقة اليونانية الإسرائيلية، لكن العلاقات بين إسرائيل وتركيا تعمّقت لعقود رغم مواقف شعبية معاكسة مماثلة.

باختصار، في شرق المتوسط وخارجه، سيستمر الغضب الشعبي المتزايد من سياسات إسرائيل في التعايش، بشكل غير مريح، مع تعاون أمني يتعمق على مستوى النخب. والمفارقة أن الصراعات نفسها التي أضرت بمكانة إسرائيل الدولية، زادت من قيمة خبرتها العسكرية وتقنياتها الدفاعية.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها، ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة.

يقرأ  قمة مجموعة العشرين في جنوب أفريقيا: نجاح رغم مقاطعة الولايات المتحدة؟اقتصاد وأعمال

أضف تعليق