أصيب ثلاثة عناصر أمن على الأقل في تبادل لإطلاق النار بين جهازين من أجهزة الاستخبارات الأوكرانية، في حادثة كشفت عن انقسامات داخل المؤسسة الأمنية في كييف.
ووقعت المواجهة صباح الأربعاء بين المديرية الرئيسية للاستخبارات، وهي ذراع عسكرية تعنى بالاستخبارات الخارجية، وجهاز الأمن الأوكراني، الذي يركز على الاستخبارات الداخلية ومكافحة الإرهاب. ووصف الرئيس فولوديمير زيلينسكي الحادثة بأنها “موقف مخزٍ تماماً”. فما سبب الخلاف بين الجهازين، وما مدى خطورته؟
## ما الذي حدث؟
ذكرت تقارير إعلامية أوكرانية أن الحادث وقع في منطقة دنيبروفسكي بالعاصمة كييف، بعد أن أوقف عناصر من جهاز الأمن ستيبان كابلونوف، نائب قائد “الفيلق الروسي المتطوع” الذي يقاتل إلى جانب أوكرانيا، وهو تشكيل تابع للمديرية الرئيسية للاستخبارات.
وقال مكتب المدعي العام الأوكراني إن عناصر جهاز الأمن كانوا ينفذون أوامر بمنع “عمل إرهابي” تخطط له هيئة الأمن الفيدرالية الروسية. وأضاف البيان أن مجموعة من الأشخاص هاجمت بالسلاح فريق جهاز الأمن أثناء تفتيش أحد العناوين، وحاولت منع تنفيذ الإجراءات التحقيقية وأغلقت الطريق أمام رجال القانون بسياراتهم. وأوضح أن المهاجمين ينتمون إلى “إحدى وحدات قوات الدفاع الأوكرانية”، بينما ذكرت وسائل إعلام محلية أنهم من المديرية الرئيسية للاستخبارات.
وأكد دميترو ليتفين، مستشار الرئيس الأوكراني، تورط الجهازين في تبادل إطلاق النار. لكن قائد الوحدة الخاصة “تيمور” التابعة للمديرية الرئيسية للاستخبارات اتهم جهاز الأمن باختطاف كابلونوف “في وضح النهار”، وقال في مقابلة مع راديو ليبرتي وراديو أوروبا الحرة إن عناصر جهاز الأمن هم الذين أطلقوا النار على ضباط المديرية في موقع الحادث.
ونقلت أوكراينسكا برافدا عن تاراس بوروفسكي، محامي كابلونوف، أن أحد ضباط الاستخبارات أصيب في ساقه ونُقل إلى المستشفى وهو ينزف، وأن الضابط الثاني في حالة خطيرة أيضاً، فيما أصيب الثالث بجروح طفيفة.
## من هو ستيبان كابلونوف؟
كابلونوف روسي الأصل انتقل إلى أوكرانيا بعد ضم روسيا للقرم عام 2014، وفق تقارير أوكرانية. وبعد خدمته في القوات المسلحة الأوكرانية، انضم إلى “الفيلق الروسي المتطوع” عام 2022، ومنذ ذلك الحين يشارك في الدفاع عن أوكرانيا في حربها مع روسيا.
وما يزال يحمل الجنسية الروسية، وقد أدرجته موسكو على قائمتها لـ”الإرهابيين والمتطرفين” بسبب دعمه لأوكرانيا. وقال كابلونوف لراديو NV يوم الخميس إنه اختُطف وحققوا معه للاشتباه في أنه قد يكون على اتصال بهيئة الأمن الفيدرالية الروسية، حسبما نقلته صحيفة “ذا نيويور أوف أوكرانيا”.
## كيف رد زيلينسكي وحكومته؟
قال الرئيس الأوكراني في بيان على تليغرام إنه تحدث إلى المدعي العام رسلان كرافتشينكو، الذي يحقق في الحادثة مع مكتب التحقيقات الحكومي.
وأكد زيلينسكي أنه “يجب أن تكون هناك مساءلة، بما في ذلك قرارات تتعلق بالأفراد يتخذها رؤساء الأجهزة الأمنية بشأن المتورطين”، مع إجراء تحقيقات داخلية في الجهازين. وأضاف: “في أوكرانيا، لا يجوز إطلاق النار إلا على المحتلين الروس دفاعاً عن البلاد. دولتنا لن تتسامح أبداً مع أي تبادل آخر لإطلاق النار كأمر مسموح”.
وبعد الحادثة أقال زيلينسكي أوليه خراموف، رئيس إدارة حماية أسرار الدولة في جهاز الأمن الأوكراني. كما دعا كيريلو بودانوف، رئيس المكتب الرئاسي وعضو سابق في المديرية الرئيسية للاستخبارات، إلى “تحقيق شامل ونزيه”، وفق وكالة RBC-أوكرانيا. وقال: “من المهم ضمان تحقيق شامل ونزيه، لكن لا يحق لأحد أن يختطف جنوداً دون عقاب، أو يطلق النار في شوارع مدننا، أو يصدر أوامر إجرامية وينفذها”.
## ما مدى أهمية هذه التحولات الأمنية؟
تأتي هذه الحادثة في وقت يشهد فيه الجهاز الأمني الأوكراني تغييرات واسعة وسط تصاعد الحرب مع روسيا. ففي يناير من هذه السنة، أقال زيلينسكي فاسيل ماليوك من رئاسة جهاز الأمن ونقله إلى مهام عسكرية مباشرة ضد روسيا.
كما عيّن كيريلو بودانوف، رئيس الاستخبارات العسكرية، رئيساً لمكتبه، وأعلن أن أوليه إيفاشينكو، رئيس خدمة الاستخبارات الخارجية، سيخلفه في إدارة المديرية الرئيسية للاستخبارات.
وقال زيلينسكي حينها إن “أوكرانيا بحاجة إلى تركيز أكبر على القضايا الأمنية، وتطوير قوات الدفاع والأمن، وعلى المسار الدبلوماسي للمفاوضات، وسيخدم مكتب الرئيس أولاً هذه المهام”.
وفي يوليو، أقال زيلينسكي أولكسندر سيرسكي من منصب القائد العام للقوات المسلحة، وعيّن ميخايلو دراباتي قائداً للجيش. وجاءت هذه الخطوة بعد ستة أيام من الاحتجاجات في كييف بسبب إقالة وزير الدفاع ميخايلو فيدوروف، الذي كان على خلاف سابق مع سيرسكي.
ووفق تقرير لمنصة “كارنيغي بوليتيكا”، التابعة لمركز كارنيغي روسيا وأوراسيا في برلين، فإن إعادة التشكيل الأمني من زيلينسكي “تشير إلى محاولة متعمدة لتعزيز التنسيق السياسي بين المؤسسات التي تملك القوة القسرية”. وأشار التقرير إلى أن “الإقالات جاءت بعدما بدأت تحقيقات مكافحة الفساد تصل مجدداً إلى شخصيات كبيرة قريبة من الرئيس، ما أعاد التوتر بين الإدارة الرئاسية ومؤسسات مكافحة الفساد المستقلة”. وأضاف أن “من المبكر معرفة ما إذا كان ذلك سيؤدي إلى ضغوط جديدة على المكتب الوطني الأوكراني لمكافحة الفساد، لكن التغييرات في المناصب تعزز بوضوح قدرة الإدارة الرئاسية على ضبط العلاقة بين الأجهزة الأمنية ومنظومة إنفاذ القانون”.
ويواجه حلفاء زيلينسكي أيضاً اتهامات بالفساد. ففي نوفمبر الماضي، هزت أوكرانيا فضيحة فساد تورط فيها شريك تجاري للرئيس وحلفاء سياسيون ومجموعة من المشتبه بهم استفادوا من احتكار في مجال الطاقة النووية. ونشر المكتب الوطني الأوكراني لمكافحة الفساد وهيئة المدعين المتخصصين في مكافحة الفساد تسجيلات فيديو وصوتية يبدو أن المجموعة فيها تستخدم أسماء مستعارة ورموزاً للحديث عن رشاوى وعمولات بمبالغ تصل إلى عشرات ملايين الدولارات.
وقد حاول زيلينسكي، الذي حظيت حملته الانتخابية المكافحة للفساد بصدى واسع لدى الناخبين عام 2019، تقييد استقلال الجهازين في يوليو بعدما فتحا تحقيقات مع حلفائه وشركاء تجاريين سابقين، لكنه تراجع بعد احتجاجات شعبية كبرى.