ما القصة الكاملة وراء الجدل حول التصويت عبر البريد في أمريكا؟

يستعد الناخبون في أنحاء الولايات المتحدة للمشاركة في انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني. غير أنه، مع بقاء شهرين على موعد الاقتراع، تدور معركة قانونية كبيرة قد تُدخل العملية الانتخابية برمتها في حالة من الفوضى.

وبناءً على مخاوف أثارها الرئيس دونالد ترامب حول تزوير الانتخابات، تحاول هيئة البريد الأمريكية أن تتخذ خطوات يُفترض أنها تهدف إلى تأمين بطاقات الاقتراع التي تصل عبر البريد. ويحذّر منتقدون من أن تقييد هذه العملية قد يحرم فئات كثيرة تعتمد على التصويت البريدي من حقها في انتخابات التجديد النصفي الحاسمة.

وفي أواخر أغسطس/آب، وافقت المحكمة العليا على طلب طارئ سمح لإدارة ترامب بالمضي قدمًا في إصلاحاتها. وهذا القرار أدخل حالة من عدم اليقين على الاستعدادات الانتخابية في اللحظات الأخيرة، إذ من المتوقع أن يبدأ التصويت المبكر في بعض الولايات في سبتمبر/أيلول على أقرب تقدير.

وفي يوم الثلاثاء، كشف السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنتال عن شكوى قدّمها مبلّغ عن مخالفات، وتتضمن تفاصيل عن مشاكل في خطط الهيئة لتقييد التصويت البريدي. وقال بلومنتال في بيان: “نظامهم معدّ للفشل، وهو يعرّض حق الملايين من الأمريكيين الذين يصوّتون بالبريد للخطر”.

ما سبب هذه التغييرات؟

طالما زعم ترامب، من دون أدلة، أن الحزب الديمقراطي، خصمه، متورط في تزوير الانتخابات. ولهذا الغرض، يردّد اتهامين متشابكين بلا إثبات: الأول أن ولايات يقودها الديمقراطيون تسمح لغير المواطنين بالتصويت، والثاني أن هذه الولايات لا تبذل جهدًا كافيًا لتأمين ملايين بطاقات الاقتراع البريدي التي تُرسل في كل موسم انتخابي.

غير أن خبراء ومسؤولين في الانتخابات شككوا في هذه الادعاءات. ويقول ستيفن ريتشر، وهو مسؤول انتخابي جمهوري سابق ويعمل الآن زميلًا في معهد كاتو للدراسات ومحاضرًا في جامعة هارفارد: “هناك أسطورة تقول إن مكاتب الانتخابات ترسل بطاقات بصورة جماعية إلى لا أحد، إلى أشخاص وهميين”. ويشدد الخبراء على أن تزوير الانتخابات نادر للغاية، وأن الحالات الموثقة القليلة لم تغيّر نتائج أي انتخابات.

يقرأ  ترامب يؤكد هجومًا بـ«غواصة» في البحر الكاريبي وسط أنباء عن ناجين

لماذا تُثار مزاعم التزوير؟

يرى منتقدون أن إثارة مخاوف التزوير هي وسيلة لتقويض الثقة في الديمقراطية الأمريكية. وقد يؤدي ذلك إلى انخفاض إقبال الناخبين، كما أن المعلومات المضللة تزرع البلبلة في أوساط الناس، وقد تسهّل التلاعب بالنتائج على جهات فاعلة. ويستخدم السياسيون هذه الادعاءات أيضًا للدفع باتجاه فرض قيود على التصويت، مما قد يحدّ من وصول بعض الناس إلى الانتخابات.

وتشير دراسة أجريت هذا العام في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو إلى أن ثقة الناخبين الأمريكيين تراجعت 17 نقطة مئوية خلال العامين الماضيين، لتنخفض من 77 بالمئة في عام 2024 إلى 60 بالمئة الآن.

ما مدى انتشار التصويت البريدي؟

أدلى نحو 30 بالمئة من الذين شاركوا في انتخابات 2024 بأصواتهم عبر البريد، وفقًا للجنة مساعدة الانتخابات، وهي لجنة حكومية مشتركة بين الحزبين. وقد صوّت نحو 48 مليون ناخب أمريكي عبر البريد في تلك الانتخابات. وهذه النسبة أقل قليلًا من انتخابات 2020، حين وصلت إلى 43 بالمئة بسبب جائحة كورونا، إذ فضّل كثيرون تجنّب مراكز الاقتراع حفاظًا على صحتهم.

وفي ولايات عديدة، خاصة في غرب الولايات المتحدة، تُرسل الغالبية العظمى من الأصوات عبر البريد. فبحسب تقديرات عام 2024، صوّت عبر البريد نحو 99 بالمئة من الناخبين في أوريغون، و98 بالمئة في واشنطن، و93 بالمئة في هاواي، و91 بالمئة في كولورادو، و91 بالمئة في يوتا. ويلفت منتقدون إلى أن معظم الولايات التي تعتمد على التصويت البريدي، مثل أوريغون وواشنطن، تميل تقليديًا إلى الحزب الديمقراطي.

من يجهّز بطاقات الاقتراع البريدي؟

إعداد بطاقات الاقتراع ثم إرسالها وجمعها عملية ضخمة، وغالبًا ما تبدأ قبل عدة أشهر من الانتخابات. فمسؤولو الولايات والمقاطعات يصممون البطاقات بما يناسب مناطقهم، ثم تُرسل عبر هيئة البريد. ويمكن للناخبين إعادتها عبر البريد، أو وضعها في صناديق الاقتراع الرسمية.

وللتحقق من صحة الاقتراع البريدي، يدقق مسؤولو الانتخابات المحليون في البطاقات، ويقارنون الأسماء والعناوين مع سجلات الناخبين، ويطابقون التوقيعات مع ما لديهم من بيانات.

يقرأ  خيال الأطفال ينطلق بلا حدود في ورش التصميم التعاونية لتايخان يون — كولوسال

ما سبب التغييرات في هيئة البريد؟

في مارس/آذار الماضي، وقّع ترامب أمرًا تنفيذيًا يهدف ظاهريًا إلى ضمان نزاهة الانتخابات الفيدرالية. وأمر الهيئة بأن تقترح قواعد جديدة لإعادة تصميم بطاقات الاقتراع البريدي بحيث تحمل رموزًا شريطية يمكن للحكومة الفيدرالية مسحها وتتبعها.

وبموجب النظام الجديد، يُطلب من الولايات تقديم قائمة بالناخبين المؤهلين الذين يعتزمون التصويت بالبريد. وينص الأمر التنفيذي على أن هيئة البريد “لن ترسل بطاقات اقتراع بريدي أو غيابي لأي شخص ما لم يكن مدرجًا” في قائمة خاصة بولايتي.

ما الطعون القانونية التي واجهها الأمر؟

كانت محكمة أدنى في ماساتشوستس قد منعت تنفيذ الأمر التنفيذي، معتبرة أن إدارة ترامب تجاوزت سلطتها الدستورية. فالدستور الأمريكي يترك إدارة الانتخابات للولايات وليس للحكومة الفيدرالية.

لكن في الشهر الماضي، رفعت المحكمة العليا هذا المنع مؤقتًا، ما مهد الطريق أمام الإدارة لتطبيق التغييرات. وما زالت المعركة القضائية مستمرة؛ فبعد أن أعلنت هيئة البريد أن القيود على التصويت البريدي أصبحت نافذة، رفعت 24 ولاية دعوى جديدة، كما رفع تحالف من جماعات حقوق التصويت دعوى مماثلة. وفي 27 أغسطس/آب، أصدر القاضي نفسه في ماساتشوستس أمرًا يقضي بعدم تطبيق القواعد الجديدة لمدة 14 يومًا، ريثما تجهّز الأطراف ملفاتها لمزيد من المرافعات.

هل قواعد ترامب عملية؟

إلى جانب السؤال الدستوري، ثمة مخاوف عملية من تغيير إجراءات التصويت في وقت قريب جدًا من الانتخابات. ريتشر شكك في جاهزية هيئة البريد للاضطلاع بالمسؤولية الإضافية المتمثلة في تتبع البطاقات.

وقال ريتشر للجزيرة: “ستتحمل الهيئة عبئًا ضخمًا جديدًا، فسيتعين عليها الاحتفاظ بقوائم بكل ناخب بريدي في الولايات المتحدة، وفحص جميع البطاقات قبل إرسالها. وهذه فرصة حقيقية لوقوع أخطاء”. وحذّر من أن قوائم الناخبين ليست ثابتة، إذ تتغير باستمرار عندما يسجّل ناخبون جدد أو يعدّلون بياناتهم. وقال: “الناس دائمًا يغيّرون عناوينهم أو معلوماتهم أو خيارهم بشأن التصويت البريدي”. وفي بعض الولايات، يُسمح للناخبين بتعديل بياناتهم قبل 15 يومًا فقط من الانتخابات، وهذا قد يصعّب الأمر في نظام يتطلب من الولايات تسليم قوائمها إلى الهيئة مسبقًا.

يقرأ  النجدة! طلاب برنامج الموهوبين في مدرستي ينالون كل الامتيازات — وهذا ظلم!

ماذا في شكوى المبلّغ عن المخالفات؟

تقول الشكوى التي حصل عليها بلومنتال إن الأمر التنفيذي لترامب أدخل الهيئة في حالة فوضى أثناء سعيها إلى تنفيذ القواعد الجديدة قبل يوم الانتخاب. فالهيئة كانت تخطط لإطلاق بوابة إلكترونية هذا الأسبوع لمساعدة مسؤولي الانتخابات في الولايات على تحديد البطاقات التي يعتزمون إرسالها إلى الناخبين. لكن الشكوى تشير إلى أن الهيئة واجهت صعوبة في تجهيز نظام برمجي يعمل بشكل سليم في هذا الوقت القصير.

ويُفترض أن يطابق النظام الرموز الشريطية على أظرف البطاقات مع قوائم الناخبين المؤهلين. ومن المشاكل التي ذكرها المبلّغ أن النظام يرفض دفعات كاملة من البطاقات إذا تعذّر التحقق من رمز شريطي واحد فقط، ثم يعيد هذه البطاقات إلى الولاية بدلًا من أن تصل إلى الناخبين. كما أن تغيير اسم الناخب أو عنوانه قد يكون سببًا لرفض بطاقته.

وتضيف الشكوى أن أجزاء النظام الجديد وُضعت بشكل منفصل، وأن الاختبارات المحدودة التي أجريت حتى الآن أظهرت أن هذه الأجزاء لا تتناغم جيدًا مع بعضها. وقال بلومنتال في بيان مرافق: “هذا الإهمال والتعجل يبدوان جزءًا من محاولة مقصودة لإحداث الفوضى ومنع الناس من التصويت”.

كيف يمكن أن تؤثر القواعد الجديدة على الانتخابات؟

إذا طُبقت القواعد الجديدة، فقد تسبب مشاكل كبيرة، وفق ريتشر. فهو يرى أن قوائم الناخبين ليست قائمة ثابتة يمكن إعدادها بسهولة، بل تتغير باستمرار. وفي حين أن التغييرات على التصويت البريدي لا تعدو كونها تدقيقًا في قوائم من يفترض أن تصله البطاقات، فإن كثيرًا من مؤيدي ترامب يبدون وكأنهم يعتبرونها مطابقة لتنقية سجلات الناخبين. وهذا، برأي ريتشر، قد يفتح الباب أمام إصلاحات مستقبلية لتحقيق هذه الغاية.

أضف تعليق