إسرائيل تنقل حربها على فلسطين إلى عصر الذكاء الاصطناعي | رأي

المعركة حول فلسطين لم تكن قط معركة ميدانية فقط. فطوال عقود، خصّصت إسرائيل وشبكاتها السياسية واللوبي والعلاقات العامة موارد ضخمة لتشكيل الطريقة التي يُفهم بها الصراع في واشنطن وفي العالم الغربي. لكن تحقيقاً في عملية نفوذ ممولة إسرائيلياً يشير إلى أن هذه الحملة دخلت ساحة جديدة، وربما أكثر تأثيراً: أنظمة الذكاء الاصطناعي التي بات الملايين يستخدمونها يومياً لمعرفة ما هو صحيح.

التحقيق كشف أن «معهد هانوفر للسياسة العامة» بدا معهد أبحاث أمريكياً مفترضاً، بلا مكاتب حقيقية ولا باحثين معروفين ولا حضور مؤسسي ملموس. ويبدو أنه أُنشئ ليكون عملية دعاية متطورة تهدف إلى توجيه نتائج محركات البحث والتأثير في إجابات روبوتات المحادثة. وثائق قانون تسجيل الوكلاء الأجانب تربط تمويل العملية بشركات إعلان وعلاقات عامة، وتصل في النهاية إلى «لابام»، وكالة الإعلانات الحكومية الإسرائيلية. شركة «بيرو» الإعلانية في نيويورك كانت تعمل ضمن أمر عمل بقيمة تسعمئة ألف دولار في الحساب الإسرائيلي.

المثير في هذه القضية ليس أن جهة ممولة من حكومة إسرائيل حاولت التأثير في الرأي العام؛ فالحكومات تفعل ذلك دائماً. الجديد هو المحاولة الواضحة للتأثير في الآلات التي باتت تشكّل الرأي العام ذاته.

في تسعة أيام فقط، أنتج موقع هانوفر ما يزيد على خمسمئة وستين ألف كلمة، موزعة على مئة وأربعة وعشرين تقريراً بأسلوب أكاديمي. المواد كانت مبنية حول أسئلة يُحتمل أن تُطرح على أنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل: هل تتعرض غزة لسياسة تجويع؟ وهل الجيش الإسرائيلي هو «الأكثر أخلاقية في العالم»؟

تسوّق شركة «بيرو» هذه المنهجية باسم «تحسين قصة الذكاء الاصطناعي»، وتهدف إلى جعل المواد مرئية جداً لمحركات البحث وسهلة الاستيعاب بالنسبة للنماذج اللغوية الكبيرة. الموقع تضمن أيضاً خصائص تقنية مصممة لتسهيل عثور أنظمة الذكاء الاصطناعي على محتواه ومعالجته.

الهدف إذن لم يكن مجرد إقناع القراء، بل التأثير في الخوارزميات التي تحدد بشكل متزايد أي المعلومات سيصل إليها القارئ. وهذا تحول جوهري في لعبة الدعاية.

يقرأ  ماذا نعرف عن الضربات الأمريكية على فنزويلا؟

الدعاية التقليدية يمكن كشفها غالباً من مصدرها أو نبرتها أو أجندتها السياسية الواضحة. أما الدعاية الأكثر تطوراً فيصعب اكتشافها لأنها تخفي الترويج تحت ثوب الخبرة المحايدة. مواد هانوفر، بحسب ما نُشر، اعتمدت إحصاءات ورسوماً بيانية، واستشهدت بوثائق رسمية مشروعة، وتحدثت بلغة البحث الأكاديمي، مع انتقاء الأدلة وحذف الروابط الخارجية. وهذا بالضبط ما قد يمنحها مصداقية مصطنعة عندما تستهلكها أنظمة الذكاء الاصطناعي.

تأملوا النتائج المحتملة: طالب يسأل روبوت محادثة عما إذا كانت إسرائيل استخدمت التجويع سلاحاً في غزة. صحفي يطلب تقييماً لسلوك إسرائيل في ضوء القانون الدولي. ناخب يريد شرحاً محايداً للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. إذا نجحت مؤسسة بحثية موهومة في إدخال موادها إلى الفضاء المعلوماتي، فقد يعيد نظام الذكاء الاصطناعي إنتاج إطارها دون أن يعرف المستخدم أن المصدر كان مُصنّعاً.

الخطر ليس افتراضياً؛ ففي اختبارات أجرتها «بوليتيكو»، استشهد كل من «شات جي بي تي» و«بيربليكسيتي» بمواد هانوفر في إجابات عن أسئلة محايدة بشأن غزة ومعاداة الصهيونية ومعاداة السامية.

الآلة لا تدرك بالضرورة أن المعهد الذي يبدو موثوقاً ليس حقيقياً. إنها ترى نصوصاً واستشهادات وإحصاءات وادعاءات متكررة. وإذا كانت هذه المواد قد حُسّنت عمداً لتسهيل اكتشافها وتركيبها، فبإمكان الدعاية أن تتخذ شكل المعرفة المستقلة. هذا ما يجعل الحادثة مزعجة إلى هذا الحد.

لسنوات، عملت إسرائيل وداعموها على تشكيل المفردات التي يُناقش بها الفلسطينيون. عبارات مثل «الأمن» و«الإرهاب» و«الدفاع عن النفس» و«حق إسرائيل في الوجود» هيمنت على الخطاب، بينما واجهت مفردات مثل الاحتلال وتوسيع المستوطنات والاقتلاع والحصار وتقرير المصير الفلسطيني صعوبة في الحصول على وزن مماثل.

في البداية، بدا أن العصر الرقمي يمنح الفلسطينيين طريقاً للالتفاف على حراس البوابة التقليديين. وسائل التواصل الاجتماعي والصحافة المستقلة ومقاطع الفيديو التي صورها فلسطينيون أنفسهم سمحت بوصول معلومات من غزة والأراضي المحتلة إلى الجمهور العالمي بعيداً عن المؤسسات الإعلامية الراسخة.

يقرأ  هجوم إيراني على حلفاء أمريكا في الخليج: حريق بمحطة كهرباء كويتية

الرد الآن يبدو أنه ينتقل إلى مستوى أعمق: ليس مجرد السيطرة على ما يراه الناس، بل محاولة التأثير في الأنظمة التي تحدد أي المعلومات سيحصلون عليها. هذه صورة أكثر طموحاً من الحرب السردية.

إفصاحات FARA بالغة الدلالة، لأنها تبيّن أهمية متطلبات الشفافية. المحققون تتبعوا عملية هانوفر عبر وثائق قدمتها شركة «بيرو»، وصفت فيها العمل على موقع المعهد. الطريق قادهم عبر ذراع «هافاس ميديا» الألمانية، التي تتعامل مع حساب إسرائيلي حكومي أكبر، وصولاً إلى «لابام».

سلسلة الوثائق مهمة لأن النفوذ الأجنبي يصبح خطراً بشكل خاص عندما يُخفى في صورة خبرة أمريكية مستقلة. للأمريكيين الحق في معرفة أن منظمة بحثية تبدو محايدة هي في الحقيقة جزء من استراتيجية تواصل لحكومة أجنبية.

لكن الحادثة تكشف ثغرة تتجاوز هذا الصراع بكثير. أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تملك نافذة مستقلة على الواقع؛ إنها تعتمد على نظم معلومات يبنيها البشر. إذا تمكنت حكومات أو شركات أو منظمات سياسية من إغراق تلك النظم بمواد مبنية بشكل استراتيجي، فقد تؤثر في المعلومات التي تستند إليها أنظمة الذكاء الاصطناعي لبناء إجاباتها.

فلسطين ساحة اختبار كاشفة بشكل خاص، لأن الصراع يجري أصلاً داخل بيئة معلوماتية متنازع عليها بشدة. سجلها التوثيقي يشمل عقوداً من الاحتلال والاستيطان والتهجير والحروب والقيود والأزمات الإنسانية والمبادرات الدبلوماسية والتحقيقات الدولية. نظام معلوماتي موثوق كان سيعرّض المستخدمين لهذا التعقيد؛ أما نظام الدعاية المتطور فيسعى إلى إدارته والتحكم به.

لهذا يجب أن تهمّ قضية هانوفر أعداداً أكبر بكثير من المتابعين للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. إذا استطاعت حكومة أجنبية أو مقاولون تابعون لها صنع معهد أبحاث وهمي للتأثير في أنظمة الذكاء الاصطناعي اليوم، فمن المحتمل أن تحاول حكومات أخرى وحملات سياسية وشركات وجماعات مصالح غنية تنفيذ عمليات مماثلة غداً.

يقرأ  منظمو قافلة غريتا ثونبرغ إلى غزة يزعمون تعرضها لهجوم بطائرة مسيّرة

السابقة أكبر من إسرائيل. لكن الدور الإسرائيلي المزعوم يجعل الواقعة كاشفة بشكل خاص، لأنه يظهر كيف يمكن لبنية راسخة من اللوبي والعلاقات العامة أن تتكيف مع بيئة تكنولوجية جديدة. لم تعد المعركة محصورة في الكونغرس أو شبكات التلفزيون أو الصحف أو الجامعات أو وسائل التواصل الاجتماعي. إنها تنتقل إلى بنية المعرفة نفسها.

السؤال الملح أمام شركات الذكاء الاصطناعي إذاً: من يعلّم الآلات ماذا تخبرنا عن فلسطين وعن العالم؟ على مطوري الذكاء الاصطناعي توفير حمايات أقوى ضد عمليات النفوذ المنسقة والمؤسسات الملفقة والمجموعات البحثية المصطنعة. وعلى محركات البحث تحسين قدرتها على التمييز بين الخبرة المؤسسية الحقيقية والمواقع التي أُنشئت أساساً للتلاعب بالخوارزميات. وعلى الصحفيين والأكاديميين فحص المصادر التي تبدو موثوقة لكنها تفتقر إلى أساس مؤسسي قابل للتحقق. وعلى الحكومات فرض متطلبات الكشف عن الوكلاء الأجانب عندما تسعى دول أجنبية إلى تشكيل الخطاب العام الأمريكي.

الأهم أن يدرك المستخدمون أن إجابة الذكاء الاصطناعي ليست تلقائياً تقييماً مستقلاً؛ إنها تعكس المعلومات المتاحة للنظام، وهذه المعلومات يمكن هندستها عمداً.

قضية هانوفر يجب أن تُفهم إذن ليس كحلقة أخرى في الصراع الطويل حول صورة إسرائيل، بل كتحذير بشأن مستقبل القضية الفلسطينية. لعقود، عملت إسرائيل وداعموها على تشكيل السردية حول الفلسطينيين عبر السياسة واللوبي والدبلوماسية والعلاقات العامة. الجبهة الجديدة هي الخوارزميات. وإذا كان الهدف هو إنتاج واقع بديل تختفي فيه الحقائق غير المريحة، وتُعاد صياغة الادعاءات المتنازع عليها بوصفها إجماعاً، وتُمحى التجارب الفلسطينية أو تُكتب من جديد، فإن ساحة المعركة أصبحت أوسع وأخطر. أخطر أنواع الدعاية قد لم يعد ما نتعرف عليه كدعاية، بل ما يقدمه الذكاء الاصطناعي بثقة تامة بوصفه حقيقة محايدة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف شبكة الجزيرة.

أضف تعليق