وثائقي مثير يضع جسداً في جسد الأعمال

من بين كل المعارض الاستعادية والجولات الفنية التي رأيتها، كان معظمها يحفّز عينيّ وذهني، وقليل منها كان يحفّز أذنيّ أيضًا؛ فما يُعرض في المتاحف يُسمّى «فنًّا بصريًّا» لسبب. لكن معرض باربرا هامر الاستعادي في متحف ليزلي-لومان عام 2018 يبقى مميزًا في نظري لأنه طلب من جسدي أكثر ممّا تطلبه المعارض عادة.

أقصد فيلمها «البركة والشلال» الذي صدر عام 1982، وهو يعرض في معظمه بركة ماء تموّج سطحها ونباتات مغمورة تحتها. في ذلك المعرض، عُرض الفيلم إلى جانب سماعة طبية كان بإمكان الزوار استخدامها. أتذكر أنني وضعتها على صدري وسمعت قلبي يخفق بينما كانت كاميرا هامر تبتلع الأشجار الخضراء والماء المرقط بضوء الشمس. كانت تلك أول مرة في حياتي أصنع فيها الموسيقى التصويرية الخاصة بي لعمل فني.

«البركة والشلال» عمل رائع، وإن لم يُنل التقدير الكافي ضمن أعمال هامر. فهو لا يحتوي على عُري أو مشاهد جنسية صريحة، وهي أمور كانت حاضرة بقوة في أفلامها خلال السبعينيات، والتي تُعد اليوم علامات بارزة في السينما المثلية التجريبية. لكني أعتقد أن هذا الفيلم يكشف شيئًا جوهريًا في مسيرة هامر، التي طالما شغلت بالجسد، وأظهرت بجرأة أن الجسد لا يمكن فصله عن تجربة المرء للفن.

في تلك الفترة، كان كثير من الفنانين وصنّاع الأفلام يخالفونها الرأي. لكنها بدت وكأنها لا تهتم. في فيلم «باربرا للأبد»، الوثائقي الجديد البديع الذي أخرجته برايدي أوكونور، توجد لقطات قديمة وحبيبية تظهر فيها هامر تقول ذلك تقريبًا قبل عرض أحد أفلامها. تخاطب الجمهور قائلة: «أريد لهذا العرض أن يكون ملموسًا. أريدكم أن تروا وتشعروا بالصور المعروضة على الشاشة».

يمكنك فعل ذلك بالفعل في «باربرا للأبد»، الذي يبدأ عرضه في الصالات يوم الجمعة. في الحقيقة، يتكوّن فيلم أوكونور في معظمه من صور هامر الملموسة، يرافقها تعليق صوتي للفنانة التي رحلت عام 2019: لقطات لأعضاء تناسلية أنثوية متراكبة على أودية قاحلة في «نشوة متعددة» (1976)؛ ومشاهد لنساء عاريات يرقصن ويؤدين طقوسًا غامضة في «دايكتاكتيكس»، الذي ربما يكون أشهر أعمالها، (1974)؛ وهامر تضع إصبعها في فمها بإيحاء وتحدّق في المرآة بينما تتطلع هي وعشيقتها في «قبلات النترات» (1992).

يقرأ  ما الذي أدى إلى إقالة مدير متحف فيلادلفيا للفنون؟

لكن فيلم أوكونور عن هامر ليس فيلمًا وثائقيًا تقليديًا. فحكايته عن حياتها تبدأ من إعلان هامر مثلية جنسها في السبعينيات، وليس من ولادتها التي لا تُذكر إلا بعد منتصف الفيلم. لا وجود لمقابلات مع قيّمين أو باحثين أو فنانين، ولا يكاد الفيلم يضع أعمالها في سياق تاريخ الفن في القرن العشرين.

هذا قد يجعل «باربرا للأبد» مدخلًا صعبًا لمن لا يعرف هامر جيدًا. لكن وثائقي أوكونور يعيد إحياءها بطريقة آسرة. فهامير ظلّت طوال مسيرتها مدركة تمامًا لفكرة الموت، خاصة في سنواتها الأخيرة حين بدأ صراعها مع سرطان المبيض يترك أثره في أعمالها.

أحد خيوط الفيلم يرتبط حقًا بفكرة البقاء. تراث هامر محفوظ في مكتبة باينيكي بجامعة ييل، حيث يوجد أرشيفها. في المشاهد الأولى، تنظر شريكتها فلوري بيرك إلى الزجاج الواقي حول ثوب كانت ترتديه هامر: سترة مكتوب عليها «هوت فلاش». وتقول هامر على الشاشة في لقطات صوّرت قبل وفاتها: «إنه أكثر من حياتي»، بينما تضع أفلامها ووثائقها في صناديق تكاد تملأ غرفتها في شقتها بنيويورك. تضيف: «إنه تاريخ لفن المثليين».

بدأت مساهمة هامر في ذلك التاريخ في منتصف السبعينيات، بعد فترة قصيرة من بدئها حياة جديدة كمثلية في منطقة الخليج. كانت متزوجة من رجل قبل ذلك، وكانت قد بدأت مسيرتها كفنانة وصانعة أفلام خلال زواجها. لم تدرس الفن أو السينما قبل أن تصنع أول عمل لها، «شيزي» (1968–1972)، وهو فيلم يعرض رؤى ضبابية لكوخ وما حوله من غابة وخيوط عنكبوت على نوافذه. حققت هامر هذا التأثير الضبابي بوضع نظارتها ذات العدسات المزدوجة أمام الكاميرا، فشبّهت بذلك عينها بالعدسة.

في عام 1974، أعلنت مثلية جنسها رسميًا. تقول في التعليق الصوتي داخل الفيلم: «لمس جسد امرأة أخرى غيّر حياتي. كان لا بد أن أُظهر ذلك». وقد فعلت، إذ صورت علاقات الحب المثلية عبر لقطات متتالية لأجساد تتشابك وتتدحرج فوق بعضها. هناك ثدي تُلامس، وأفخاذ تتقاطع، وقبلات، وأحيانًا ومضات أكثر جرأة. تتذكر هامر في الفيلم أن تجربتها الأولى مع امرأة «عزّزت حدود جسدي». ويخيّل للمرء أن صناعة أفلامها المبكرة منحتها اكتشافات مشابهة.

يقرأ  سوق الفن الإيراني يثبت مرونته روابط صباحية

انتقلت هامر إلى نيويورك في الثمانينيات لتكون جزءًا مما تسميه هنا «عاصمة الفن في العالم»، ووصفت أفلامها بأنها رد فعل على ما لم تكن تراه ممثلًا في السينما البنيوية والفن البسيط، وهما النمطان الفنيان المهيمنان في تلك الحقبة. لذلك ليس غريبًا أن المؤسسات الفنية الكبرى لم تُظهر اهتمامًا كبيرًا بأفلامها وعروضها المبكرة.

فمتحف الفن الحديث في نيويورك رفض أفلامها بسبب تصويرها لممارسات الحب بين مثليات، حسب ما قالت هامر في مقابلة أجرتها معها أوكونور. المتحف نفسه يملك اليوم تسعة من أعمالها، واستخدم واحدًا منها مؤخرًا في الإعلان عن معرض حول الجسد والفن. أما الصندوق الوطني للفنون فقد أغلق الباب في وجهها ورفض تمويلها. تغيّر حظها عام 1987 عندما ضمّها القيّم جون هانهاردت إلى بينالي ويتني. مكانتها اليوم أكثر رسوخًا: تراثها الفني يمثله تجاريًا «كومباني غاليري» و«كاو»، وشاركت في ثلاث نسخ أخرى من بينالي ويتني، كما ضمّتها مؤسسة ويتني في معرض «غموض الستينيات» العام الماضي، الذي قدم رواية بديلة لتاريخ الفن في تلك الفترة لا تدور حول فن البوب والبساطة.

لكن فيلم «باربرا للأبد» أقل انشغالًا بصعودها في المتاحف والصالات، وأكثر انشغالًا بتتبّع أثرها في الأجيال الأصغر وفناني المثليين الآخرين. يعرض الفيلم لقطات لباربرا وهي تقدم أحد أفلامها، وهو من الأفلام القليلة المناسبة للأطفال، أمام صف من تلاميذ سعداء يجدونه «غريبًا» كما قال أحدهم. كما يوثّق الفيلم ورشة عمل درّست فيها هامر المشاركين كيفية حمل الكاميرا. تقول: «إذا وضعت مرفقك في وركك، فأنت ثابت في مكانك فعلًا»، وهي تحشر كاميرا «بوليكس» في جسدها وتتمايل صعودًا وهبوطًا. هذا الإصرار على إدخال الكاميرا في الجسد لافت؛ ففنها لم يكن مجرد امتداد لجسدها، بل جزءًا منه هو الآخر.

يقرأ  محكمة فرنسية تشدد العقوبة إلى عشر سنوات على المتهم باغتصاب جيزيل بيليكوت في قضية بارزة

أضف تعليق