هارييت مينا هيل تعيد الحياة إلى الخرسانة المتآكلة

عاشت هارييت مينا هيل في جنوب شرق لندن ثلاثة عقود. وتحظى هذه المنطقة بمكانة معروفة في العالم الفني بفضل مدارسها، ومن بينها كلية كامبرويل المرموقة للفنون. لكن هيل وآخرين عاشوا فيها زمنًا طويلًا يتذكرونها بوصفها منطقة شعبية تنتمي تاريخيًا إلى الطبقة العاملة، وكانت في فتراتٍ من أكثر أحياء المدينة فقرًا. وهذا الفقر هو الذي دفع إلى إنشاء أحد أكبر مشاريع الإسكان الاجتماعي في أوروبا، وهو مجمّع أيلزبري السكني، الذي بدأ بناؤه عام 1963 واكتمل عام 1977. وفي عام 2018، قادها عملها في مجال التعليم الفني إلى هذا المجمّع، فكانت تلك التجربة سببًا في تحوّل كبير على مستوى ممارستها الفنية عمومًا.

تقول هيل: «كانت لهذا المجمّع سمعة سيئة للغاية، ارتبطت بالمخدرات والعنف والتهديدات والترهيب. لكن تجربتي في العمل هناك كانت على النقيض تمامًا من الصورة الذائعة عنه. لقد وجدت مجموعة من الشباب شديدي الحماس والإيجابية والودّ، وكانوا متلهفين للمشاركة وأقوياء في مساعدة بعضهم البعض. وبصفتي فنانة، شعرت بضرورة التصدّي لهذه السمعة الظالمة التي أثّرت سلبًا في المجتمع لسنوات، وهي صورة صنعتها وسائل الإعلام ورسّختها، ويبدو أنها لم تكلف نفسها عناء اكتشاف الحقيقة الكاملة للحياة في المجمّع».

من ورشة العمل التي نظمتها لسكان المجمّع وُلد مشروعان كبيران: «شظايا أيلزبري»، وهو سلسلة لوحات مرسومة على قطع من الركام الناتج عن إعادة بناء المجمّع الجارية، و«خرسانة ناعمة»، وهو مشروع «يحاول مواجهة النظرة العامة إلى أيلزبري بوصفه مجمّعًا فاشلًا، عبر سلسلة من اللوحات الكبيرة للمباني مصنوعة من اللباد». ويستخدم المشروعان أسطحًا غير تقليدية للتعبير عن الحياة التي سكنت هذا المكان.

وتوضح هيل: «أردت أن أستكشف تجربة السكان المعيشية، وكيف كانت علاقاتهم المجتمعية وما آلت إليه، وماذا يعني أن يعيشوا عملية تجديد كاملة للإسكان، أو الهدم. وكان اهتمامي ولا يزال هو تقديم صور للمجمّع ولظروف التغيير التي يعيشها المجتمع، وهي صور تطوّرت من خلال البحث والصداقات المتنامية مع السكان والتجربة المباشرة اليومية للوجود في المجمّع».

يقرأ  ديسكفري إديوكيشن تكرّم المربّين والمربّيات الذين يحوّلون الإمكانات إلى تقدّم الفائزون بجوائز ديسكفري إديوكيشن ٢٠٢٦

وتضيف هيل أن بحثها الأوسع حول المجمّع «ينظر في كيف يمكن للفن أن يطرح أسئلة حول طريقة معاملة وسائل الإعلام للمجتمعات، وحول استخدامها بيادق سياسية أو بوصفها “مواضيع” للدراسة، من دون أن يحوّلها إلى مجرد أشياء». وللمجمّع مكانة في هذا النقاش، ومن ذلك أن طوني بلير ألقى أول خطاب له بصفته رئيسًا للوزراء من داخل أيلزبري بعد انتخابه مباشرة، قائلًا إن «أفقر الناس في بلدنا نسيتهم الحكومة».

وفي ما يخص «شظايا أيلزبري» تحديدًا، بدأت هيل تجمع قطع الخرسانة مباشرة من الموقع بعد الحصول على إذن. وتقول: «لا بد أن أكون صريحة مع العمال في الموقع، لأنني لا أريد أن أعرض وظائفهم للخطر بأي شكل». وتضيف: «أحيانًا أجد خرسانة متناثرة في الشارع دون أن يلاحظها أحد، فتجد طريقها إلى الاستوديو. المعيار الوحيد هو أن تكون من أيلزبري. وقد رفضت عروضًا سخية جدًا بخرسانة جميلة من أماكن أخرى لهذا السبب».

وكل قطعة من هذه القطع تمنح لمحة عن الحياة في المبنى عندما كان مأهولًا، وهو ما تصفه هيل بأنه «مشروع ذاكرة واسترداد» و«رد فعل غريزي على هدم مبنى سكني خلال فترة الإغلاق العام، كان يضم كثيرًا من الأطفال الذين علّمتهم في المجمّع». وتعمل هذه الأعمال كمداخل تطل على الممرات والداخل من خلال النوافذ الخارجية، حيث تنتشر علامات الحياة في أرجائها.

أضف تعليق