في أعماق تلال بلاك هيلز بولاية ساوث داكوتا الأمريكية، داخل منجم ذهب قديم، استخدم علماء خزاناً من الزينون السائل لرصد تفاعل جسيمات غير عادي قد يكون مرتبطاً بالمادة المظلمة.
ويقول الباحثون الذين أجروا التجربة هناك إنهم عثروا على “تفاعل جسيمات واحد غير مفسَّر” يشبه ما قد تتركه جسيمات المادة المظلمة، لكنهم لا يعتبرون هذا اكتشافاً مؤكداً.
ما هي المادة المظلمة؟
المادة المظلمة هي مادة غير مرئية يُعتقد أنها تشكل نحو 27% من مجمل المادة في الكون. أما الطاقة المظلمة، التي يُعتقد أنها تشكل نحو 68% من كل ما في الكون، فهي قوة غير مرئية تدفع المجرات بعيداً عن بعضها وتسرّع توسع الكون.
أما المادة العادية، أي كل ما يمكننا رؤيته ولمسه، فلا تمثل سوى 5% من كل ما هو موجود.
وقد توصّل العلماء إلى دليل على وجود هذه المادة غير المرئية من خلال رصد تأثير جاذبيتها، التي تؤثر على طريقة دوران المجرات، وعلى انحناء الضوء حول تجمعات كبيرة منها. لكن ما تتكون منه هذه المادة، وما الذي تبدو عليه، ظل لغزاً منذ اكتشافها قبل نحو قرن، لأنها لا تعكس الضوء أو الإشعاع الكهرومغناطيسي، وبالتالي لا يمكن رصدها مباشرة.
ظهر أول دليل على وجود المادة المظلمة في ثلاثينيات القرن الماضي، عندما لاحظ عالم الفلك السويسري فريتز زويكي أن المجرات في تجمع كوما تتحرك بسرعة أكبر من أن تبقى متماسكة بفعل الكتلة المرئية للتجمع، مما يشير إلى وجود شيء آخر يمارس جاذبية إضافية. وتكررت ملاحظات مماثلة في العقود التالية، وكلها أشارت إلى وجود مادة غير مرئية، بحسب العلماء.
وفي يوم الأحد، أعلنت وكالة الفضاء الأميركية “ناسا” أنها أطلقت مشروعاً بقيمة 4 مليارات دولار وهو تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي، الذي سيدرس كلاً من المادة المظلمة والطاقة المظلمة.
ماذا وجد العلماء في أحدث تجربة؟
يقول العلماء إنهم رصدوا تفاعل جسيمات واحداً غير مفسَّر يشبه ما قد تنتجه جسيمات المادة المظلمة، لكنهم يوضحون أن هذا لا يعني رصد المادة المظلمة بشكل مباشر.
أُجريت تجربة “لوكس-زيبلين” بواسطة فريق دولي يضم 250 عالماً ومهندساً من 38 مؤسسة. وفي قلب التجربة خزان تحت الأرض في منشأة سانفورد للأبحاث تحت السطحية بولاية ساوث داكوتا، يحتوي على زينون سائل فائق النقاء، وتحيط به مئات من أجهزة استشعار الضوء.
النظرية التي كانت التجربة تختبرها هي أنه إذا تفاعل جسيم مادة مظلمة افتراضي يُعرف باسم “WIMP” مع نواة ذرة زينون، فسينتج عن ذلك ومضتان من الضوء عند مستوى طاقة محدد.
وبعد مراجعة 220 يوماً من البيانات التي جُمعت بين مارس 2023 وأبريل 2024، اكتشف فريق “لوكس-زيبلين” حدثاً واحداً من هذا النوع في 16 يونيو 2023.
وقام سام إريكسن، الباحث الرئيسي في الدراسة وهو باحث مشارك أول في جامعة بريستول، بعرض النتائج يوم الثلاثاء في مؤتمر فيزياء الجسيمات لعام 2026 في اليابان.
وقال إريكسن في بيان صحفي: “نحن نفهم أجهزة الكشف والخلفية لدينا جيداً لدرجة أن حتى حدثاً واحداً بارزاً، مثل الذي وجدناه، يعد مهماً”.
أما ريك غايتسكيل، المتحدث باسم التجربة وهو فيزيائي في جامعة براون، فقال إن العلماء “لا يريدون استباق الأمور”، مضيفاً: “نحن لا ندّعي أننا رأينا المادة المظلمة”.
ما أهمية هذا الاكتشاف؟
يصف الفيزيائيون هذا بأنه أقوى إشارة أنتجتها تجربة “لوكس-زيبلين” حتى الآن، وقد يكون مؤشراً على أول دليل حقيقي على وجود جسيم لا تستطيع الفيزياء كما نفهمها حالياً تفسيره.
وقالت تيريزا فروث، الفيزيائية في جامعة سيدني التي عملت أيضاً في الدراسة، لشبكة ABC: إن الحدث مثير لأنه أُعيد اختباره عدة مرات وما زال صامداً. وأضافت: “هذا الحدث لا يختفي حتى بعد فحوصات كثيرة جداً”.