تعود ألمانيا إلى المثول أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، بعد أكثر من عامين من اتهام نيكاراغوا لها بأنها “تسهّل” وقوع إبادة جماعية في غزة بإمداد إسرائيل بالأسلحة. وتقول نيكاراغوا في الدعوى التي رفعتها عام 2024 إن ألمانيا انتهكت التزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، كما انتهكت القانون الدولي الإنساني.
ألمانيا، ثاني أكبر مورّد للأسلحة إلى إسرائيل بعد الولايات المتحدة، تنفي هذه الاتهامات وتسعى إلى إيقاف الدعوى، عبر الطعن في اختصاص المحكمة وفي مقبولية جزء من ادعاءات نيكاراغوا.
ومحكمة العدل الدولية، المعروفة أيضًا باسم المحكمة العالمية، أُنشئت للفصل في النزاعات بين الدول. وبعد هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول التي قادتها حماس، صارت المحكمة في قلب القضايا المرتبطة بالإبادة الجماعية في غزة، ومن بينها قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل التي ما تزال منظورة أمامها.
الجلسات الجارية في هولندا لن تحسم بعد ما إذا كانت ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، قد انتهكت القانون الدولي؛ بل ستبتّ في ما إذا كان يمكن لهذه القضية أن تنتقل إلى مرحلة فحص أعمق للاتهامات.
## ماذا تتهم نيكاراغوا ألمانيا به؟
تقول نيكاراغوا إن ألمانيا أخلّت بالتزاماتها بموجب اتفاقية عام 1948 لمنع الإبادة الجماعية، إذ واصلت تزويد إسرائيل بمعدات عسكرية رغم علمها بوجود خطر أن تُرتكب إبادة جماعية في غزة. وتتهمها أيضًا بخرق القانون الدولي الإنساني.
وعند رفع الدعوى في مارس/آذار 2024، قالت نيكاراغوا: “بإرسال معدات عسكرية، والآن بقطع تمويل الأونروا… ألمانيا تسهّل ارتكاب إبادة جماعية”.
وبقيت ألمانيا من أشد مؤيدي إسرائيل في العالم، في حين تقول منظمات حقوق الإنسان وكبار الباحثين المتخصصين في الإبادة الجماعية إن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في الأراضي الفلسطينية.
وكان سفير نيكاراغوا لدى هولندا، كارلوس خوسيه أرغويلو غوميز، قال عام 2024 إن ألمانيا فشلت في “التمييز بين الدفاع عن النفس والإبادة الجماعية”. وطلبت نيكاراغوا في بادئ الأمر أوامر طارئة تلزم ألمانيا بوقف المساعدة العسكرية لإسرائيل واستئناف تمويل الأونروا، لكن المحكمة رفضت تلك التدابير المؤقتة في أبريل/نيسان 2024، من دون أن ترفض الدعوى الأوسع نطاقًا.
وفي يناير/كانون الثاني 2024، قضت المحكمة، في إطار قضية منفصلة رفعتها جنوب أفريقيا، بأن هناك “خطرًا حقيقيًا ووشيكًا بأن يلحق ضرر لا يمكن إصلاحه” بحقوق الفلسطينيين في غزة المكفولة باتفاقية الإبادة الجماعية.
## ماذا تقول ألمانيا؟
ترفض ألمانيا اتهامات نيكاراغوا وتطلب من المحكمة أن ترفض الدعوى. وقالت برلين، الاثنين، إن نيكاراغوا لم تستوفِ الشروط المطلوبة قبل رفع الدعوى، وإن جزءًا كبيرًا من الشكوى خارج اختصاص المحكمة بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية.
وقالت المستشارة القانونية في الخارجية الألمانية، يوليا مونار، للقضاة: “ألمانيا تطلب بكل احترام من المحكمة أن ترفض ادعاءات نيكاراغوا”.
وبرلين ترى أن صادراتها من الأسلحة تخضع لتدقيق قانوني دقيق. وخلال جلسات عام 2024، قال المحامي الألماني كريستيان تامس إن 98% من الصادرات إلى إسرائيل منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 كانت معدات عسكرية عامة، مثل الخوذ والسترات والمناظير.
وتقدّم ألمانيا الآن ما توصف بـ”الاعتراضات الأولية”، وتقول إن المحكمة لا تملك الاختصاص في النظر في القضية، وإن بعض ادعاءات نيكاراغوا غير مقبولة. ولم تُنشر التفاصيل الكاملة لهذه الاعتراضات.
## ما آخر الأوضاع في غزة؟
وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة يسري منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لكن الهجمات الإسرائيلية لم تتوقف. فقد قتلت الهجمات الإسرائيلية، الأحد، أربعة فلسطينيين على الأقل، بينهم طفلة تبلغ من العمر ثماني سنوات وطفل في الثالثة.
وتقول وزارة الصحة في غزة إن ما لا يقل عن 1344 فلسطينيًا قُتلوا، وأصيب 4464 آخرون، منذ بدء سريان وقف إطلاق النار. وبذلك يرتفع إجمالي عدد القتلى منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 73470، والجرحى إلى 174540.
أما مركز الأمم المتحدة للصور الفضائية فيقول إن 82% من مباني غزة تضررت أو دُمرت. وتقدر سلطات الصحة في القطاع ووكالات الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة أن ما بين 10 آلاف و14 ألف شخص ما زالوا مفقودين تحت الأنقاض.
## كم تستغرق القضية؟
النزاع الحالي حول الاختصاص قد يُحسم أسرع من القضية بأكملها. فالمحكمة تعقد جلسات على مدى أربعة أيام، وسيتعين على القضاة بعدها البت في ما إذا كانت ألمانيا نجحت في إسقاط الدعوى. ومثل هذه الأحكام الأولية تستغرق في المتوسط نحو ستة أشهر.
وإذا خسرت ألمانيا هذه المرحلة، فستنتقل اتهامات نيكاراغوا إلى مرحلة “الموضوع”، أي النظر في جوهر الدعوى، وهذه مرحلة قد تستغرق سنوات.
وعلى سبيل المقارنة، في قضية الإبادة الجماعية المنفصلة التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، أمهلت المحكمة جنوب أفريقيا حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2027 لتقديم مذكراتها المكتوبة، وإسرائيل حتى مايو/أيار 2029 للرد. وهذا يعني أن جلسات البت في ما إذا كانت إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية لن تُعقد قبل أواخر عام 2029 على أقرب تقدير.
لذلك، لا يوجد موعد محدد لحكم نهائي في قضية نيكاراغوا ضد ألمانيا. وحتى إذا نجت الدعوى من الاعتراضات الألمانية الحالية، فقد يظل البت فيها معلقًا لسنوات قادمة.