أعلن وفد جامايكي متوجّه إلى المملكة المتحدة أنّه سيقدّم عريضة إلى الملك تشارلز الثالث يطلب فيها توجيهًا قانونيًا حول قضية التعويضات عن العبودية. وقال الوفد إن هذه هي المرّة الأولى التي تستخدم فيها دولة من دول الكومنولث هذا المسار القانوني من أجل “العدالة التعويضية”. ومن المقرر أن تبدأ الزيارة إلى لندن يوم الاثنين. والملك تشارلز هو رئيس دولة جامايكا، إذ إن البلاد لم تتحوّل بعد من ملكية دستورية إلى جمهورية.
تعود علاقة جامايكا بالمملكة المتحدة إلى عام 1655، حين أصبحت مستعمرة إنجليزية. وعلى مدى أكثر من 300 عام من الحكم البريطاني، عمل مئات آلاف الأفارقة المستعبَدين في جامايكا في ظروف قاسية. وبعد حصولها على الاستقلال في أغسطس/آب 1962، أقامت جامايكا علاقات دبلوماسية مع بريطانيا وانضمّت إلى الكومنولث، وهي رابطة سياسية دولية تضم 56 دولة معظمها من المستعمرات البريطانية السابقة. كما أنّ البلدين شريكان تجاريان مهمّان؛ إذ بلغت الصادرات البريطانية إلى جامايكا نحو 222 مليون دولار عام 2025، في حين بلغت الواردات البريطانية منها نحو 76 مليون دولار.
ورغم استقلال جامايكا، فإنها ما زالت تعترف بالملك البريطاني رئيسًا للدولة، لكن الدعوات إلى التخلّي عنه تكثّفت في السنوات الأخيرة. ففي مارس/آذار 2022، رفض نشطاء وأكاديميون وسياسيون بارزون زيارة دوق ودوقة كامبريدج إلى جامايكا، وطالبوا بريطانيا بالاعتذار ودفع تعويضات عن قرون من العبودية. وفي رسالة مفتوحة نُشرت قبل وصول الزوجين، قال نحو مئة من القادة الجامايكيين إنهم لا يرون “أي سبب للاحتفال” بتتويج الملكة، معتبرين أن قيادتها وقيادة أسلافها سبّبت “أكبر مأساة لحقوق الإنسان في تاريخ البشرية”. كما قدّمت الحكومة الجامايكية في ديسمبر/كانون الأول 2024 مشروع قانون تعديل دستوري في البرلمان لإلغاء مكانة الملك البريطاني كرئيس للدولة.
أمّا أحدث عريضة، فقد رفعتها جامايكا رسميًا في يونيو/حزيران من العام الماضي. وذكرت وزارة الثقافة والنوع الاجتماعي والترفيه والرياضة في جامايكا أن الوزيرة أوليفيا غرانج ستقود وفد البلاد إلى لندن “للمضي قدمًا في مطالب التعويضات للأجداد الأفارقة الذين عانوا قرونًا من الاستعباد”. ومن المقرر أيضًا أن يلتقي الوفد بالمتحف البريطاني لمناقشة “إعادة التحف الثقافية التي أُخذت من جامايكا”. وتطلب العريضة من الملك، بصفته رئيس الدولة، أن يحيل إلى اللجنة القضائية للمجلس الخاص، وهي أعلى محكمة استئناف في جامايكا ومقرها لندن، ثلاثة أسئلة تتعلق بتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي. وتشمل هذه الأسئلة: هل كان استعباد الأفارقة في جامايكا قانونيًا بموجب القانون العام الإنجليزي؟ وهل شكّل انتهاكًا للقانون الدولي؟ وهل توجد التزامات قانونية على بريطانيا بتقديم علاج للضرر الناتج عن العبودية؟ وبموجب قانون اللجنة القضائية لعام 1833، يحق للملك إحالة مسائل قانونية إلى المحكمة لإبداء رأي استشاري.
وقالت غرانج: “نريد الإجابات. وبمجرد أن نحصل عليها، سنحدّد الخطوات التالية”. أمّا أوليفيت أوتيلي، المؤرخة وأستاذة أبحاث إرث العبودية في جامعة SOAS في لندن، فقالت للجزيرة إن دور الملك في هذه العملية رمزي ولا يتّخذ القرارات. وأضافت أن الأمر يعود إلى اللجنة القضائية للمجلس الخاص وإلى الحكومة البريطانية للرد على العريضة، متوقعة أن يقولوا إن الاستعباد لم يكن قانونيًا في القانون الإنجليزي.
وفي السنوات الأخيرة، طالبت دول عديدة في الكومنولث بريطانيا بدفع تعويضات عن دورها في تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي. ففي اجتماع ساموا في أكتوبر/تشرين الأول 2024، المخصّص لقمة رؤساء حكومات الكومنولث، قال القادة إنهم سيمضون قدمًا في “خطط دراسة العدالة التعويضية” عن تجارة الرقيق. كما قال رئيس وزراء جزر البهاما فيليب ديفيس إن الوقت حان لكي تسعى الكومنولث إلى “العدالة” عن التاريخ القاسي للعبودية. وبدأت بريطانيا المشاركة في تجارة الرقيق عام 1562، وبحلول ثلاثينيات القرن الثامن عشر أصبحت أكبر دولة في العالم تتاجر بالعبيد، وفقًا لموقع البرلمان البريطاني. وأشار الموقع إلى أن السفن البريطانية نقلت أكثر من ثلاثة ملايين أفريقي، معظمهم إلى مستعمرات بريطانيا في أمريكا الشمالية ومنطقة الكاريبي. وفي يونيو/حزيران 2023، خلص تقرير أعدّته شركة “براتل” الاستشارية إلى أن بريطانيا مدينة بتعويضات لـ14 دولة كاريبية، من بينها جامايكا وباربادوس وهايتي.
أمّا موقف بريطانيا، فيبدو رافضًا حتى الآن للدخول في نقاش جاد حول التعويضات. ففي عام 1833، وافقت الحكومة البريطانية على دفع 20 مليون جنيه إسترليني، لا للعبيد، بل لأصحاب العبيد، مقابل “خسارة ممتلكاتهم” بعد إقرار قانون إلغاء العبودية في الإمبراطورية البريطانية. ويقدَّر هذا المبلغ بنحو 2 مليار جنيه إسترليني في الوقت الحالي. كما تعهّدت مؤسسات بريطانية، مثل كنيسة إنجلترا، في مارس/آذار 2024، بتخصيص صندوق بقيمة مليار جنيه إسترليني لمعالجة دورها في العبودية. لكن القادة البريطانيين رفضوا حتى الآن مناقشة دفع تعويضات للدول التي استُقبل إليها العبيد. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، قال مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إن الحكومة لن تدفع تعويضات عن العبودية ولن تعتذر عنها. كما لم يصدر العاهل البريطاني أي اعتذار رسمي عن دور التاج في تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي.
وحتى الآن، تُعدّ هولندا الدولة الأوروبية الوحيدة التي اعتذرت عن دورها في تجارة الرقيق، وكان ذلك عام 2022، لكنها استبعدت دفع تعويضات، واكتفت بإنشاء صندوق بقيمة نحو 200 مليون يورو لدعم مبادرات اجتماعية في هولندا ومنطقة الكاريبي الهولندية وسورينام. وفي مارس/آذار، حين صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على اعتبار تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي “أخطر جريمة ضد الإنسانية”، امتنعت دول أوروبية عديدة، بينها بريطانيا، عن التصويت لصالح القرار.
ويُقدّر أن التجار البريطانيين خلال الحكم الاستعماري استعبدوا ونقلوا قسريًا ما بين 600 ألف ومليون أفريقي إلى جامايكا بين القرن السابع عشر وأوائل القرن التاسع عشر. وتقدّر الحكومة الجامايكية أن بريطانيا مدينة لها بنحو عشرة مليارات دولار، لكن طريقة استجابة بريطانيا لهذه العريضة غير واضحة بعد. وقال متحدث باسم قصر باكنغهام إنهم يدركون أن الحكومة الجامايكية تسعى إلى نظر عريضتها أمام اللجنة القضائية للمجلس الخاص. وأشارت أوتيلي إلى أنها ستتفاجأ إذا استجابت الحكومة البريطانية الجديدة التي يقودها حزب العمال بشكل إيجابي لمطالب جامايكا، لكنها شدّدت على أنّ هذه العريضة مهمة، لأنها المرة الأولى التي يُطرح فيها الجانب القانوني للتعويضات. وأضافت أن هذا قد يدفع دولًا أخرى في الكومنولث إلى تقديم عرائض مماثلة، موضحةً أن “المجتمع البريطاني مستعد للاعتذار، لكن موقف الحكومة البريطانية ظلّ حتى الآن في صف النخبة، إذ دفعت تعويضات لأصحاب العبيد. على الحكومة البريطانية أن تنظر في الأمر وتجيب عن أسئلة دورها في العبودية”.