رغم المنح الجامعية في الخارج.. طلاب غزة ما زالوا محاصرين

كانت الكهرباء شحيحةً والقنابل تتساقط، لكن محمود الداية كان يغادر خيمة أسرته في مخيم للنازحين جنوبي قطاع غزة كل مساء، بحثاً عن إشارة إنترنت كافية لتسليم واجباته الجامعية. كان معظم دراسته يتم عن بُعد، لأن الإبادة الإسرائيلية دمّرت التعليم العالي في القطاع. ورغم هذه الظروف، أنهى الشاب البالغ من العمر 24 عاماً دراسته متفوقاً على دفعته في جامعة غزة.

ولمّا كانت فرصه في مواصلة التعليم داخل غزة شبه معدومة، لجأ الداية إلى الخارج. حصل على منحة دراسية في جامعة ليمريك في أيرلندا، وأصدرت الجامعة خطاباً يدعم طلبه لمغادرة القطاع. لكن السنة الدراسية بدأت من دونه؛ ففي أغسطس/آب الماضي رفضت الحكومة الأيرلندية منحه تأشيرة دخول. وهو الآن ما زال في مدينة غزة، حيث قتلت غارة بطائرة مسيّرة إسرائيلية الأسبوع الماضي ثلاثة أشخاص على الأقل، بينهم طفلان، وأصابت ثمانية آخرين.

قال الداية للجزيرة: “كان الحصول على قبول غير مشروط ومنحة دراسية بمثابة شريان حياة. وإضاعة هذه الفرصة تتركني عرضة للقصف اليومي، وخطر إغلاق المعابر إلى أجل غير مسمى. لا توجد مناطق آمنة في غزة. البقاء هنا خطر يومي على الحياة”.

وهو واحد من عشرات الطلبة الفلسطينيين الذين حصلوا على مقاعد في جامعات أيرلندية لكنهم مُنعوا من دخول البلاد. وتُظهر أرقام وزارة العدل الأيرلندية أنه حتى 21 أغسطس/آب رُفض هذا العام 103 طلبات تأشيرات دراسية طويلة الأمد مقدمة من فلسطينيين، بينما صدرت 39 تأشيرة فقط، أي بنسبة قبول بلغت 27.5 بالمئة من الطلبات التي حُسمت. وفي عام 2025 كانت النسبة 83.8 بالمئة.

بعض المتأثرين كانوا قد حصلوا على مقاعد دراسية ومنح، وجمعوا آلاف اليوروهات لتغطية نفقات التعليم والإجلاء. لكن الطلاب ومحاميهم يقولون إنهم يقعون في فخ شروط الهجرة التي يصعب تلبيتها بشكل استثنائي من داخل غزة؛ فمنهم من يُطلب إليه تقديم كشوفات بنكية موثقة ووثائق دراسية، ومنهم من يجب أن يُثبت وجود موارد مالية كافية، وأن يفسّر الفجوات في دراسته خلال الحرب.

يقرأ  ديفيد زويرنريعرض في نيويورك: «المجموعة العظيمة التي لم تُعرض من قبل»

وهذه الرفوض أصبحت موضوع طعن قانوني أمام المحكمة العليا، رفعه طلاب تمثّلهم شركة “فينيكس لو” لحقوق الإنسان.

أما طالبة أخرى، طلبت عدم الكشف عن هويتها خشية انتقام الجيش الإسرائيلي، فقد حصلت على منحة لدراسة الماجستير في إحدى الجامعات الأيرلندية. وقالت الطالبة من خان يونس إنها شعرت بانهيار تام بعد رسالة رفض التأشيرة: “كانت يداي ترتجفان من الصدمة، وفي البداية لم أستطع حتى استيعاب ما أقرأ”. وأضافت أن أوضاعها المالية ووثائقها الداعمة كانت من بين الأمور التي أُثيرت حولها مشاكل.

وطُلب من عدة طلاب إثبات قدرتهم على تأمين 10 آلاف يورو على الأقل لتغطية نفقات سنة دراسية كاملة، إضافة إلى رسوم الدراسة. أما الطالبة التي تحدثت إليها الجزيرة، والتي جمعت مبلغاً إضافياً منذ ذلك الحين بمساعدة أشخاص في أيرلندا، فقالت إن عملية إجلاء للطلاب متوقعة في سبتمبر/أيلول، وإنها تأمل أن تصلها تأشيرتها في الوقت المناسب.

وأضافت: “خلف كل طلب تأشيرة يوجد إنسان حقيقي، إنسان له حياة وعائلة ومستقبل”.

في المقابل، تستشهد بعض خطابات الرفض التي اطلعت عليها الجزيرة بعدم كفاية الأدلة على أن المتقدم سيعود إلى بلده بعد انتهاء دراسته. وقالت الطالبة: “أريد العودة إلى بلدي، للمساعدة في إعادة بناء المكان الذي أنتمي إليه”.

المشكلة لا تقتصر على أيرلندا؛ ففي أنحاء أوروبا وأميركا الشمالية، يواجه مئات الطلاب الفلسطينيين الذين حصلوا على مقاعد جامعية رفضاً لتأشيراتهم وعقبات بيروقراطية مع بداية السنة الدراسية الجديدة، وفقاً لأرقام حكومية وجماعات مناصرة.

ومن أبرز العقبات مسألة إثبات توفر المال. فعادةً يُطلب من المتقدمين تقديم كشوفات بنكية لستة أشهر، وإذا لم تتوفر النسخ الأصلية، يجب توثيق النسخ الإلكترونية لدى البنك صفحةً صفحة، مع خطاب يؤكد صحتها. وفي غزة، يعني هذا محاولة الحصول على وثائق موثقة من نظام مصرفي دُمّر إلى حد كبير.

يقرأ  ما هي المنتخبات المتأهلة إلى ربع نهائي كأس الأمم الإفريقية 2025؟ وما هو جدول المباريات؟

أما الطعن في قرارات الرفض فيثير عقبات أخرى؛ فما من خدمة بريدية معترف بها دولياً تعمل في غزة، ومع ذلك تطلب السلطات الأيرلندية إرسال الطعون بالبريد مع الوثائق الأصلية الداعمة.

كما واجه بعض الطلاب أسئلة حول فجوات في تعليمهم أو عملهم، وطلبات لتقديم سجلات دراسية بعد ما يقرب من ثلاث سنوات من الحرب. ووفقاً للأمم المتحدة، بحلول نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تضررت أو دُمّرت نحو 97 بالمئة من المباني المدرسية في غزة، في حين دُمّر العشرات من مباني الجامعات بالكامل.

حتى استيفاء المتطلبات الأساسية لطلب التأشيرة قد يصبح مستحيلاً. فكندا مثلاً تطلب بيانات بيومترية. وقبل الحرب كان بإمكان الفلسطينيين السفر خارج غزة بسهولة أكبر للوصول إلى مرافق البصمات والتصوير، أما الآن فذلك شبه مستحيل. ووفقاً لشبكة الطلاب والعلماء الفلسطينيين المعرضين للخطر في كندا، فإن أكثر من 130 طالباً فلسطينياً حصلوا على مقاعد في برامج دراسات عليا كندية، كثير منهم بمنح دراسية أو تمويل بحثي، واجهوا تأخيرات بسبب عدم تمكنهم من تقديم بياناتهم البيومترية.

وفي الولايات المتحدة، أوقفت واشنطن منذ الأول من يناير/كانون الثاني إصدار几乎所有 التأشيرات للأشخاص الذين يسافرون بوثائق صادرة أو معتمدة من السلطة الفلسطينية، بما في ذلك تأشيرات الطلاب، مع استثناءات محدودة، وفقاً لوزارة الخارجية الأمريكية.

وفي الأول من سبتمبر/أيلول، ذكرت هيئة الإذاعة البلجيكية “في آر تي” أن 13 طالباً فلسطينياً كانوا قد حصلوا على منح دراسية وتأشيرات للدراسة في جامعات بلجيكية، لكنهم ما زالوا عالقين في غزة.

أما في إيطاليا، فقد أُجلي 72 طالباً جامعياً فلسطينياً من غزة في مايو/أيار عبر برنامج “الممرات الجامعية”، ليرتفع عدد الذين أُجليوا من خلال هذه المبادرة منذ سبتمبر/أيلول 2025 إلى 229. لكن مجلة “لإسبريسو” ذكرت في 30 أغسطس/آب أن الجامعات الإيطالية لم تعد تعمل في إطار التنسيق المركزي المعروف باسم “الجامعات الإيطالية للطلاب الفلسطينيين”، بل أصبحت مضطرة إلى البحث عن تمويل ذاتي من أقسامها أو من متبرعين من القطاع الخاص، لتغطية المنح الدراسية وتكاليف السفر والمعيشة للطلاب الذين يأملون الوصول في الوقت المناسب للسنة الدراسية الجديدة.

يقرأ  يانيك سينر ينسحب من بطولة سينسيناتي المفتوحة بسبب إصابة في الركبة

أضف تعليق