قد يجعل الصراع المستمر بين الولايات المتحدة وإيران من الصعب على ثلاث دول خليجية هي السعودية وقطر والإمارات أن تفي بنحو 4 تريليونات دولار من الالتزامات الاقتصادية تجاه الولايات المتحدة، وهي التزامات أُعلنت في عهد الرئيس دونالد ترامب ضمن أجندة «أمريكا أولاً». جاء ذلك في تحليل جديد لمعهد بيترسون للاقتصاد الدولي.
ويقول التقرير المكوّن من 15 صفحة والذي صدر يوم الاثنين إن دول الخليج تواجه ضغوطًا اقتصادية متزايدة بسبب الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، ومنها الحاجة إلى زيادة الإنفاق على الدفاع والبنية التحتية للطاقة والتجارة.
وذكر التقرير أن الصراع أضعف أوضاع هذه الدول المالية وآفاقها الاقتصادية، وقد تكون له آثار دائمة على نماذج نموها، كما أضعف ثقتها بالمظلة الأمنية الأمريكية في الخليج.
وبحسب التقرير، ضربت الحرب اقتصادات الخليج بقوة أكبر بكثير من الاقتصاد العالمي عمومًا. فقد خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي في 2026 بمقدار 0.3 نقطة مئوية، لكن الخفض كان أكبر بكثير بالنسبة لدول الخليج.
فقد خفّض الصندوق توقعات النمو في قطر بمقدار 14.7 نقطة مئوية لتصل إلى 8.6 بالمئة. أما توقعات السعودية فقد انخفضت من 4.5 بالمئة إلى 1.7 بالمئة، كما انخفضت توقعات الإمارات من 5.6 بالمئة إلى 1.7 بالمئة.
ويرى التقرير أن لدى حكومات الخليج أصولًا مالية وقدرة على الاقتراض تكفي لتجنب أزمة تمويل فورية، لكن معهد بيترسون قال إن الضغط الاقتصادي قد يدفع هذه الدول إلى إعطاء الأولوية للإنفاق المحلي على الاستثمارات في الولايات المتحدة.
وقال التقرير إن السعودية كانت قد بدأت بالفعل إعادة التوازن نحو الاستثمار المحلي قبل الحرب، ويبدو أن الصراع عزّز هذا التحول. فقد قلّص صندوق الاستثمارات العامة السعودي حصة محفظته المخصصة للاستثمارات الدولية بمقدار 10 نقاط مئوية خلال السنوات الست الماضية، لتصل إلى 20 بالمئة بعد أن كانت 30 بالمئة في 2020.
وحذّر التقرير أيضًا من أن التأخير في تنفيذ التزامات الاستثمار قد يؤدي إلى ضغط إضافي من البيت الأبيض، الذي استخدم سابقًا الرسوم الجمركية لدفع دول أخرى إلى الوفاء بتعهداتها.
وأشار التقرير إلى أن إدارة ترامب أظهرت صبرًا محدودًا تجاه تأخيرات شركاء آخرين. وفي يناير 2026، هدد ترامب برفع الرسوم الجمركية على البضائع الكورية الجنوبية، مستشهدًا بتأخر المجلس التشريعي الكوري في إقرار اتفاق الاستثمار مع الولايات المتحدة. كما ارتبط استمرار الإحباط من تأخر تنفيذ كوريا للاتفاق، بحسب التقرير، بقرار أمريكي حديث بتقليص التدريبات العسكرية المشتركة هناك.
وقد تزامن هذا الضغط مع تقدم من جانب كوريا الجنوبية في الالتزامات الاستثمارية تجاه الولايات المتحدة. فقد ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال الأسبوع الماضي أن الحكومة الكورية الجنوبية تقترب من صفقة استثمار في الطاقة بقيمة تتجاوز 100 مليار دولار، قد تساعد في دعم توسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه، تواصل قطر استثماراتها في قطاع الطاقة الأمريكي. فقد بدأت قطر للطاقة إنتاج الغاز الطبيعي المسال في منشأة في تكساس في مارس، ثم بدأت التصدير في الشهر التالي.
وقد تتوسع علاقات قطر للطاقة مع شركات الطاقة الأمريكية أكثر. فهي تتفاوض مع عدة منتجين أمريكيين للغاز الطبيعي المسال على عقود تمتد حتى 2031، للمساعدة في تعويض الطاقة الإنتاجية التي فقدتها بعد أن ألحقت الهجمات الإيرانية أضرارًا بمنشآت قطر للغاز الطبيعي المسال، وفقًا لوكالة رويترز.
الضغوط السياسية
قال تقرير معهد بيترسون إن غياب تعريفات واضحة وجداول زمنية وطرق لقياس التزامات الاستثمار قد يجعل من الصعب تحديد ما إذا كانت هذه الدول تنفذ تعهداتها فعليًا. كما أن هذه الصفقات جذبت تدقيقًا من المشرعين.
وذكر التقرير أن المخاوف السياسية في الولايات المتحدة تمثل عقبة أخرى. فقد أثار أعضاء في الكونغرس أسئلة حول آثار الاستثمارات الخليجية على الاقتصاد والأمن الوطني، وحول الحوكمة، واحتمال تضارب المصالح.
ومن الأمثلة التي ذكرها التقرير استثمار بقيمة 2 مليار دولار في منصة بينانس من شركة استثمار مدعومة إماراتيًا. وقد استخدمت الصفقة عملة رقمية مستقرة أصدرتها شركة وورلد ليبرتي فاينانشال، وهي شركة عملات مشفرة مرتبطة بعائلة ترامب. وطلب السناتوران إليزابيث وارن من ماساتشوستس وجيف ميركلي من أوريغون سجلات تتعلق بالصفقة، مستشهدين بمخاوف بشأن الروابط المالية في يونيو 2025.
وبحلول أكتوبر 2025، أصدر ترامب عفوًا عن مؤسس بينانس تشانغبينغ زهاو، الذي كان قد أقر في 2023 بالذنب في انتهاك قوانين مكافحة غسل الأموال الأمريكية.
كما أثار المشرعون مخاوف بشأن تورط صناديق الثروة السيادية في السعودية والإمارات وقطر في تمويل صفقات شركات أمريكية كبرى في قطاع الإعلام، ومنها الاستحواذ المقترح من باراماونت سكاي دانس على وارنر براذرز ديسكفري، الشركة الأم لشبكة سي إن إن.
وقال التقرير إن السؤال الآن هو هل ستنفذ الدول الثلاث التزاماتها، وبأي شكل.