لماذا تزدهر دول وتفشل أخرى في الشرق الأوسط وأفريقيا | آراء

السؤال الأساسي في الاقتصاد السياسي هو: لماذا تصل بعض الأمم إلى رخاء دائم بينما تبقى أخرى عالقة في الفقر والانهيار؟ الجواب ليس في الجغرافيا ولا في الثقافة، بل في الأنظمة والقواعد التي تحكم المجتمعات.

حين نحكم على نجاح اقتصاد بلد أو فشله، فإننا في الحقيقة نحكم على مؤسساته. فالنتائج الاقتصادية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأطر التي تضعها المجتمعات لصناعة الحوافز والفرص. وتفشل الأمم عندما تسيطر عليها «مؤسسات استخراجية»، أي هياكل مصممة عن قصد لتحويل الثروة والسلطة من الأغلبية لخدمة مصالح ضيقة لنخبة صغيرة.

معضلة التنمية في أفريقيا

يقدم هذا النموذج المؤسسي عدسة توضح أزمة التنمية المستمرة في أفريقيا. فجمود أفريقيا الاقتصادي عبر التاريخ، الذي كثيرًا ما يُناقش في إطار الإرث الاستعماري أو الانتقال الديمقراطي، متجذر في تاريخ طويل ومدمر من المؤسسات الاستخراجية. ومن ويلات تجارة العبيد والاستعمار الرسمي إلى الصراع الحديث من أجل حكم مسؤول، يظل هذا الإرث حاضرًا بقوة. ومع أن من غير الدقيق تاريخيًا القول إن أفريقيا كانت دائمًا تحت حكم استخراجي، فإن مجتمعاتها اللامركزية سياسيًا قبل الاستعمار أصبحت هيكليًا عرضة للنزعة التجارية الأوروبية المفترسة والاستغلال الاستعماري.

وبالتالي، وقعت الدول الأفريقية في شبكة مؤسسية ما زالت تكافح للخروج منها. واليوم، يتمثل التحدي الأكبر للدولة الأفريقية بعد الاستعمار في بناء مؤسسات وطنية خاضعة للمساءلة، وديمقراطية، وموجهة نحو الصالح العام بدلًا من سيطرة النخبة. وفي هذا السياق، كثيرًا ما تخطئ المنظمات المالية الدولية مثل البنك الدولي في تشخيص المشكلة. فهي تعتمد على نماذج اقتصادية كلاسيكية، وتفشل في إدراك الطبيعة المؤسسية العميقة لمعضلة أفريقيا. ومع أن هذه المنظمات تضم تقنيين حسنو النية، فإنها تفتقر إلى إطار الاقتصاد السياسي اللازم لتحول هيكلي حقيقي؛ ولذلك فهي ليست أصل المشكلة ولا حلها النهائي.

يقرأ  الصين تستعد لتشغيل ٣٠٠٬٠٠٠ سيارة أجرة ذاتية القيادة في أربع مدن من الدرجة الأولى بحلول عام ٢٠٣٠ — يو بي إس

أفريقيا ومأزق المشروع السياسي

تتجلى مفارقة الثروة الطبيعية الهائلة مع الفشل التنموي بوضوح في نيجيريا، ما يجعلها حالة نموذجية لغياب العقد الاجتماعي. فأزمة أفريقيا الاقتصادية ليست مجرد فشل محاسبي، بل هي تعبير مباشر عن أزمة سياسية عميقة: غياب مشروع قابل للحياة لبناء الدولة. ورغم امتلاكها رأس مال بشري هائل وسكانًا يتجاوز عددهم مئتي مليون، تفتقر نيجيريا إلى نظام سلطة شرعي ومتماسك قادر على تقديم المنافع العامة.

ومنذ الاستقلال، ظل هذا الفراغ المؤسسي بلا حل. وعلى المستوى المحلي توجد مؤسسات عاملة وشرعية، وهي هياكل يؤمن بها الناس ويضعون ثقتهم فيها. والتحدي الدائم هو تحويل هذه الشرعية المحلية إلى إطار وطني متماسك. وحتى الآن، فشلت تلك المحاولة. وبدلًا من ذلك، انشغلت السياسة الوطنية بعقلية «دورنا في الأكل»، حيث تُستخرج موارد الدولة بقوة عبر المحسوبية والفساد.

ومع أن في الإدارة الحالية شخصيات جادة، مثل بولا تينوبو، الذي أظهر قدرة دولة في التسعينيات حين حسّن البنية التحتية والأمن بوصفه حاكمًا لاغوس، فإن حكم المشهد السياسي النيجيري المعقد كله مسألة مختلفة تمامًا. وحاليًا، لا توجد استراتيجية سياسية أو اقتصادية واضحة قادرة على كسر هذا التوازن الاستخراجي على مستوى البلاد.

ولعل أعمق مأساة في العصر الحالي هي فقر الرؤية السياسية مقارنة بفترة ما بعد الاستقلال المبكرة. ففي الخمسينيات والستينيات، رفع قادة في العالم النامي أطرًا أيديولوجية قوية لبناء الأمة. وقد طرح شخصيات مثل جوليوس نيريري، وكوامي نكروما، وليوبولد سنغور رؤى واضحة، مثل «الاشتراكية الأفريقية»، لصياغة هويات وطنية.

وفي إندونيسيا، استخدم سوكارنو فلسفة بانشاسيلا لتوحيد مجتمع شديد التنوع؛ واتبع جواهر لال نهرو مشروعًا توحيديًا مشابهًا في الهند. وما تحتاجه أفريقيا اليوم هو أفكار بهذا الحجم: مشاريع سياسية شاملة تصوغ رؤية وطنية، وتضع استراتيجيات تواصل، وتبني آليات للتنفيذ. لكن الخطاب السياسي انحدر إلى لعبة معاملاتية مجموعها صفر: «ما الذي سأكسبه أنا؟» فلا يمكن بناء دولة عاملة على أساس المحسوبية.

يقرأ  فريز نيويوركتعلن عن مشاركة أكثر من ٦٥ معرضًا في نسخة ٢٠٢٦

التباين المؤسسي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

عند تطبيق هذا الإطار المؤسسي على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يظهر مشهد من التباعد العميق. فالمنطقة منقسمة بين دول يشلها حكم استبدادي استخراجي، ودول استفادت من هياكل تقليدية لتبني قدرة مؤسسية لافتة.

فمن جهة، تشبه دول مثل سوريا والعراق إلى حد كبير تجربة أفريقيا بعد الاستعمار. فعلى مدى عقود، اختطفت ديكتاتوريات آل الأسد وصدام حسين جهاز الدولة لخدمة مصالح نخبة ضيقة. وكانت النتائج الحتمية: تدهور اقتصادي، وانهيار سياسي، وقمع عنيف، وقد مهدت لانتفاضات الربيع العربي، الذي كان في جوهره ثورة على هذه الأنظمة الاستخراجية العميقة.

ومن جهة أخرى، تقدم الملكيات الخليجية مسارًا مؤسسيًا مختلفًا تمامًا. فالتحديث الذي شهدته دول مثل الإمارات العربية المتحدة وقطر يقدم تباينًا مثيرًا. وفي هذه الحالات، نجحت نخب ما بعد الاستعمار في تسخير هياكل تقليدية للسلطة والشرعية لبناء مؤسسات عاملة وقادرة. وهذا النموذج من التحديث بقيادة الدولة عبر الشرعية التقليدية لا مثيل له في أفريقيا جنوب الصحراء، ما يجعل الصورة الإقليمية شديدة التباين.

وفهم هذه الديناميكيات المؤسسية ضروري اليوم، إذ يمر النظام العالمي بإعادة هيكلة جيوسياسية عميقة. فتراجع القطب الواحد وصعود قوى تكنولوجية واقتصادية كبرى مثل الصين يعيدان رسم خريطة النفوذ في أفريقيا والشرق الأوسط. ومع تشكل تحالفات عملية ومصالح راسخة جديدة، فإن المصير النهائي لهذه الأمم لن تحدده القوى الخارجية وحدها، بل الطبيعة الأساسية للمؤسسات التي تختار بنائها.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن صاحبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.

أضف تعليق