إغلاقات إسرائيل للطرق في الضفة الغربية تحوّل التنقلات اليومية إلى معاناة طويلة

محمد أبو حجلة لا يزال يجد صعوبة في تصديق أن والدته توفيت قبل أكثر من أسبوع، وهي لم تكن تشكو من شيء سوى مرض السكري. لكن القيود التي تفرضها إسرائيل على مدن وبلدات وقرى الضفة الغربية المحتلة قادرة على تغيير حياة الفلسطيني في لحظة.

كانت زهرية أبو حجلة، ٦٦ عاما، تحضر حفل زفاف ابنة شقيقها في بلدتها دير استيا، شمال غرب سلفيت، في ٢٠ سبتمبر، حين شعرت فجأة بدوار وسقطت.

بعد نقلها إلى المركز الطبي في البلدة، أمر الطبيب فورا بنقلها إلى مستشفى سلفيت الحكومي، الذي لا يبعد عن دير استيا سوى ثماني دقائق بالسيارة.

طلب محمد سيارة إسعاف، لكن السيارة لم تستطع دخول البلدة لأن البوابة الحديدية التي تديرها القوات الإسرائيلية عند المدخل كانت مغلقة. فنقلت سيارة إسعاف من المركز الطبي والدته إلى البوابة، وهناك أنزلت من النقالة، وحملت على الأقدام عبر البوابة، ثم نقلت إلى سيارة إسعاف ثانية كانت تنتظر في الجهة الأخرى.

وقال محمد للجزيرة إن هذا المشهد يتكرر مرارا في الضفة الغربية المحتلة. وأضاف: كانت والدتي تلفظ أنفاسها الأخيرة، ولو كانت البوابة مفتوحة لما فقدناها في الطريق. وبحسب العائلة، تبين لاحقا أن زهرية أصيبت بجلطة رئوية وكانت تحتاج إلى علاج عاجل. وقال محمد: للأسف ماتت بسبب التأخير. لم تكن تعاني من أي مشكلة صحية قبل ذلك غير السكري.

إغلاقات شاملة

أصبحت الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية التي أقامتها إسرائيل في الضفة الغربية مصدر بؤس كبير للفلسطينيين. فهي تعطل الحياة اليومية، وتؤخر من يحاول الوصول إلى العمل أو المدارس أو الجامعات، كما تشكل تهديدا يوميا لحياة المرضى.

تفرض إسرائيل بين فترة وأخرى إغلاقات على الضفة الغربية لأسباب مختلفة، منها الأعياد اليهودية. ويستمر الإغلاق الحالي من ٢٧ سبتمبر إلى ٣ أكتوبر، ويتزامن مع عيد العرش اليهودي. وفي حين يتحرك المستوطنون الإسرائيليون بحرية بين مدن الضفة الغربية، بل يقتحمون قرى وبلدات فلسطينية تحت حماية الجيش، يضطر الفلسطينيون إلى الانتظار ساعات طويلة عند حواجز مغلقة.

يقرأ  خريطة: زلزال بقوة ٥٫٢ يهزّ اليونان

عاشت ابتهال منصور من نابلس تجربة مماثلة الجمعة الماضية أثناء زيارتها بيت أهل زوجها في قرية الجانية قرب رام الله. خرجت العائلة من القرية في العاشرة صباحا على أمل الوصول إلى نابلس خلال ٤٥ دقيقة. لكنها واجهت إغلاقات عند حاجزي عطارة وعين سينيا شمال رام الله، فاحتُجزت في المنطقة. وقالت للجزيرة: حاولنا سلوك طرق بديلة غرب رام الله، لكننا فوجئنا بأن الطريق بين رام الله ونابلس مغلق من قبل المستوطنين، مع توقف كامل لحركة المركبات. بقينا على الطرق نحاول إيجاد أي منفذ حتى منتصف الليل، أي أكثر من ١٤ ساعة. وكان أطفالها يبكون، وهم منهكون بعد بقائهم طويلا داخل السيارة.

وعند مرورهم بحاجز قرب نابلس في منطقة تسمى اللبن الشرقية، أجبر جندي ابتهال على إيقاظ أطفالها. وعندما لم يستيقظ ابنها البالغ ١١ عاما، قالت إن الجندي ضربه على رأسه، فاستيقظ باكيا. وأضافت: كان المشهد موجعا، شعرت بغصة عميقة وحزن شديد. ساعات طويلة من الانتظار في السيارة انتهت باعتداء كهذا، ولم تنته المعاناة عند هذا الحد. وأوضحت أنهم اضطروا إلى العودة، وقضوا الليل في بيت أخت زوجها في رام الله قبل أن ينطلقوا في الصباح الباكر إلى نابلس.

ومثل عائلة ابتهال، يضطر كثير من الفلسطينيين المسافرين بين المدن والقرى إلى المبيت في فنادق أو عند أقارب. وقد حولت بعض البلديات قاعات الأعراس والمساجد إلى مآوٍ للعالقين، مع تقديم وجبات يتبرع بها سكان بلدات قريبة من الحواجز.

وسجلت هيئة مقاومة الاستيطان والجدار ٩٤٢ حاجزا ونقطة إغلاق وعائقا في الضفة الغربية المحتلة حتى ٢٥ سبتمبر، مقابل ٧٩٣ في مارس ٢٠٢٤. ويبلغ الطول الإجمالي لهذه العوائق حوالي ١٠٧٫٧ كيلومترا، وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. وتقول الهيئة إن الإغلاقات تفتت المجتمعات الفلسطينية فعليا، وتجعل الوصول إلى أماكن العمل والمدارس والمرافق الطبية والأراضي الزراعية رهنا بفتح الطرق والمعابر. وقد تواصلت الجزيرة مع السلطات الإسرائيلية للتعليق على إغلاق الطرق والاتهامات الواردة في هذا التقرير، لكنها لم تتلق ردا حتى الآن.

يقرأ  الولايات المتحدة ترحّل اليميني المتطرف ميلو يانوبولوس إلى بريطانيا

خنق الخليل والقدس

في الخليل، حيث يوجد وجود استيطاني إسرائيلي في وسط البلدة القديمة، أغلقت القوات الإسرائيلية المسجد الإبراهيمي أمام الفلسطينيين وشدتت القيود عند الحواجز والبوابات المؤدية إلى الموقع حتى الأربعاء، مع تيسير وصول المستوطنين للاحتفال بالأعياد اليهودية.

وقال عيسى عمرو، منسق مجموعة شباب ضد الاستيطان، للجزيرة إن الجنود أغلقوا حواجز وفرضوا حظر تجول في عدة أحياء بالمدينة، مما قيد حركة السكان وجعل الوصول إلى البلدة القديمة والمسجد الإبراهيمي أكثر صعوبة. وأوضح أن المنطقة غرب المسجد تضم مستوطنات ومناطق مغلقة، بينما يقتصر الوصول من الشرق على طرق قليلة. وقال إن هذه الإجراءات تجعل الوصول إلى الموقع أكثر صعوبة وأكثر خطورة.

كما أن الوضع في القدس الشرقية المحتلة مشحون، إذ تفرض إسرائيل قيودا صارمة على حركة الفلسطينيين ووصولهم إلى المسجد الأقصى، بينما يدخل آلاف المستوطنين الإسرائيليين إلى الموقع ويتحركون دون عوائق تحت حراسة أمنية مشددة. وقال الناشط فخري أبو دياب للجزيرة إن إغلاقات إسرائيل في القدس الشرقية المحتلة خلال الأعياد اليهودية جزء من محاولات فرض السيادة الدينية على المدينة. وأوضح أن المستوطنين والمتشددين يتوجهون إما لاقتحام المسجد الأقصى أو إلى معابدهم اليهودية لأداء الشعائر الدينية، بينما يُجبر الفلسطينيون على البقاء في منازلهم. ووصف كيف تعطل الإغلاقات الحياة اليومية في القدس الشرقية، إذ تغلق المتاجر والمدارس وأماكن العمل وتوقف الحركة. وقال إن الشرطة الإسرائيلية تقيد حركة المقدسيين. لا يوجد نص لإعادة صياغته.

أضف تعليق