بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بات السودان في حاجة ماسة إلى تسوية سياسية. لقد تسببت المعارك في معاناة هائلة، ولا يمكن للحل العسكري وحده أن يعيد بناء الدولة أو يجمع شمل مجتمع ممزق. وفي ظل هذه الظروف، فإن أي جهد يهدف إلى تشجيع حوار سوداني-سوداني يستحق دراسة جادة لا رفضاً فورياً.
في آب/أغسطس، أطلقت لجنة شكلت نفسها وتضم 19 شخصية عامة سودانية، برئاسة رئيس جامعة الأحفاد قاسم بدري، مبادرة لتهيئة الأرضية لحوار وطني داخل السودان. وكان أعضاؤها قد التقوا في وقت سابق قائد القوات المسلحة السودانية الفريق عبد الفتاح البرهان، ودعوا إلى رفع القيود القانونية عن سياسيين معارضين. وبعد ذلك أصدرت السلطات قراراً بإسقاط بعض التهم ذات الدوافع السياسية عن سودانيين في الخارج يعودون للمشاركة في الحوار، ومنح المشاركين حماية قانونية مؤقتة. وهذه خطوات محدودة، لكنها مهمة لبناء الثقة.
مع ذلك، واجهت المبادرة معارضة قوية. فقد عارضت التحالف المدني “صمود”، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وتحالف “تأسيس” الذي يضم قوات الدعم السريع، الحوار الداخلي المقترح. وهم يشككون في استقلاله، ويحذرون من أن إجراء محادثات في مناطق تسيطر عليها القوات المسلحة قد يمنح سلطة البرهان شرعية ويعمق الانقسامات في البلاد. هذه المخاوف مشروعة وتستحق اهتماماً جدياً. لكن اللجنة تقول إنها لا تسعى إلى التفاوض على مستقبل السودان أو تحديد جدول أعمال حوار وطني. ودورها هو المساعدة في تهيئة الظروف كي يتحاور الفاعلون السياسيون السودانيون مباشرة. والسؤال هو: هل تستطيع القيام بهذا الدور من دون أن تسمح لطرف واحد في الصراع بالسيطرة على العملية؟ إن رفض المبادرة قبل أن تتاح لها فرصة إثبات قيمتها سيكون متسرعاً.
لا يزال الفاعلون السياسيون ومنظمات المجتمع المدني في البلاد منقسمين بعمق، وقد تعثرت جهود الوساطة السابقة، ولا تزال الحرب تجعل المشاركة السياسية الشاملة أكثر صعوبة. مبادرة اللجنة محاولة لكسر الجمود. وينبغي ألا تتأجل الجهود الرامية إلى التحضير لحوار سياسي إلى أن يتوقف القتال. إن تأمين وقف إطلاق النار وضمان وصول المساعدات الإنسانية من الأولويات العاجلة، لكن التحضير للحوار السياسي يمكن أن يسير بالتوازي مع السعي إلى تحقيق هذه الأولويات.
لم يُنتخب أعضاء اللجنة، وهم لا يمثلون كل المكونات السياسية. ومع ذلك، لا يمكن الحكم على شرعيتها فقط بطريقة تشكيلها. بل يجب أيضاً الحكم عليها بقدرتها على المساعدة في ضم مجموعة أوسع من الفاعلين السياسيين إلى حوار وطني.
النوايا الحسنة وحدها لا يمكنها تبديد المخاوف المتعلقة بالمصداقية. فلا يمكن للحوار السياسي أن ينجح إلا إذا اعتقد المشاركون أن العملية عادلة ومستقلة. والشرعية اللازمة لتسهيل انفتاح سياسي ليست بالضرورة هي ذاتها الشرعية اللازمة للتفاوض على تسوية وطنية. لكن حتى المبادرة التحضيرية يجب أن تكسب ثقة من تسعى إلى جمعهم.
كان اجتماع اللجنة مع البرهان ضرورة عملية. فبصفته قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة، كان في موضع يسمح له بالاستجابة لمطالب اللجنة بالحماية القانونية. والتفاعل مع البرهان لا يعني بحد ذاته تأييد سلطته. لكن إذا أصبحت المبادرة مرتبطة بشكل وثيق بالجيش، فقد ينظر إليه فاعلون سياسيون آخرون على أنها امتداد لأجندة البرهان السياسية لا وسيطاً مستقلاً. لذلك يجب على اللجنة أن تظهر أن تفاعلها يتجاوز السلطات العسكرية، وأنها مستعدة للعمل مع القوى السياسية التي تعارضها.
أُطلقت المبادرة في الخرطوم الواقعة تحت سيطرة الجيش. وهذا يثير قلقاً حقيقياً بشأن ما إذا كانت عملية تبدأ في أرض يسيطر عليها طرف واحد في الحرب قادرة على كسب ثقة القوى السياسية في أنحاء البلاد كلها. فلا يمكن لحوار وطني أن يقتصر على مكون جغرافي أو سياسي واحد. فقد عاشت مناطق كاملة حقائق مختلفة من الحرب والحكم والنزوح وانعدام الأمن. وعلى اللجنة أن تجد سبلاً للوصول إلى من يعيشون خارج المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، بمن فيهم السودانيون الذين نزحوا بسبب القتال، وأن تضمن قدرتهم على المشاركة بحرية ومن دون تخويف.
قرار “صمود” و”تأسيس” برفض المبادرة لا يبطل العملية تلقائياً. ومخاوفهما تستحق النظر، لكن الرفض القاطع في هذه المرحلة المبكرة يخاطر بإغلاق فرصة للمشاركة السياسية. وفي الوقت نفسه، فإن غيابهما مهم. فأزمة السودان أعمق وأعقد من أن يعالجها تيار سياسي واحد. ولا يمكن للجنة أن تتوقع أن يؤيد كل صاحب مصلحة مبادرتها فوراً، لكن عليها أن تهيئ ظروفاً تقنع الفاعلين المترددين بالمشاركة. وإذا فشلت في ذلك، تكون المبادرة نفسها قد فشلت.
رحبت مفوضية الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية أيضاً بالمبادرة، وقد وفرتا قدراً مهماً من الدعم الإقليمي. ويمنح تأييدهما ثقلاً للجهد الرامي إلى إحياء حوار سياسي بقيادة سودانية، مع أن الدعم الخارجي لا يمكن أن يكون بديلاً عن ثقة القوى السياسية السودانية نفسها.
لذلك ينبغي الحكم على مبادرة اللجنة من دون تفاؤل مفرط أو ريبة تلقائية. إن التدابير القانونية التي أُعلنت بعد تفاعلها مع البرهان خطوة أولى مشجعة، لكن الاختبار الحقيقي لم يأت بعد. هل تساعد فعلاً في إزالة العقبات القانونية والسياسية التي تواجه فاعلين معارضين، لا على الورق فقط؟ هل يمكنها كسب ثقة من رفضوها؟ هل تستطيع ضمان أن تتاح للسودانيين، عبر الانقسامات السياسية والجغرافية، فرصة المشاركة بحرية؟
ما هو واضح، مع ذلك، أن أزمة السودان ستتطلب في النهاية أن يجلس سودانيون يتباينون بعمق في رؤيتهم لمستقبل البلاد معاً، وأن يتفاعلوا سياسياً. لا يمكن لأي لجنة أن تفعل ذلك نيابة عنهم. ولا يمكن لأي فاعل خارجي أن يفعل ذلك بدلاً عنهم. في أفضل الأحوال، يمكن لمبادرة تحضيرية أن تساعد في تهيئة الظروف التي يصبح فيها هذا التفاعل ممكناً. ولا ينبغي تجاهل المخاوف التي أثارها منتقدوها، لكنها لا ينبغي أيضاً أن تكون سبباً لرفض المبادرة قبل أن تتاح لها فرصة معالجتها. وعلى من رفضوها أن يظلوا منفتحين على إعادة النظر في موقفهم إذا أثبتت اللجنة قدرتها على بناء عملية مستقلة وشاملة. وإذا نجحت، فستكون قد قدمت خدمة وطنية مهمة.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن كاتبه ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.