دول الخليج تتحرك دبلوماسيا لتخفيف التوتر مع إيران
كثفت دول الخليج تحركاتها الدبلوماسية مع إيران في محاولة لخفض التوتر في الشرق الأوسط، وسط مخاوف من ضربات أمريكية جديدة على طهران، ومن تصاعد المواجهة بين الحوثيين المدعومين من إيران والسعودية.
والتقى مسؤولون من باكستان والسعودية وتركيا، وهي الدول الثلاث التي وقعت اتفاق الدفاع المشترك في مكة في أغسطس، إلى جانب دبلوماسيين من قطر، بمسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى يوم الاثنين، في مسعى لمنع عودة الحرب الشاملة.
وفي دلالة على خطورة الموقف، حضر اللقاء في طهران وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان آل سعود، بعد أيام فقط من استهداف الحوثيين مطارات سعودية وموانئ ومنشآت نفطية.
وفي الوقت نفسه، دعا وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، خلال زيارة دبلوماسية إلى جامعة كامبريدج في المملكة المتحدة يوم الاثنين، إلى إطار أمني إقليمي يتضمن ميثاق عدم اعتداء بين دول الخليج وإيران، بحيث لا تبقى الولايات المتحدة المزود الرئيسي للأمن.
وفي حين تبدو دول الخليج عازمة على تجنب جولة أخرى من الصراع، الذي أدى بالفعل إلى تقييد الملاحة في مضيق هرمز وتعطيل إمدادات النفط والغاز العالمية وإلحاق أضرار جسيمة بمنشآت الطاقة والبنية التحتية في دول الخليج، تبقى أسئلة حول إمكان التوصل إلى اتفاق إقليمي، وحول ما سيعنيه ذلك لعلاقات واشنطن بمجلس التعاون الخليجي.
أمن إقليمي أم تهدئة؟
كرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الجمعة تحذيراته من أن واشنطن قد تنفذ عملية عسكرية أخرى ضد إيران، مع تصاعد أسعار الوقود وتأثيرها على انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر. وقال الحرس الثوري الإيراني إن إيران سترد بقوة أكبر على أي عمل عسكري أمريكي جديد، مما يزيد المخاوف من توسع التصعيد.
وبينما تمثل محادثات هذا الأسبوع في طهران أول اتصال رفيع المستوى بين إيران ودول ميثاق الدفاع المشترك في مكة منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، تشير التقارير إلى أنها لم تصل إلى اتفاق.
ونقلت رويترز أن وسطاء قطريين قدموا لإيران يوم الأحد مسودة اتفاق، وكان من المتوقع أن ترد طهران بنهاية الأسبوع. ونقلت الوكالة يوم الأربعاء عن مسؤولين إيرانيين قولهم إن قطر طرحت أفكارا غير مقبولة، وإن طهران لن تبدي أي مرونة بشأن الملف النووي.
وقال خالد باطرفي، محلل سياسي وأكاديمي سعودي، إن الزيارة إلى طهران أشارت إلى أن السعودية مستعدة لتوجيه تحذير أخير إلى إيران والاستجابة لمخاوف المنطقة، لكن إيران رفضت حتى الآن.
وأضاف أن الفجوة واسعة، وما يزيد الأمر سوءا هو انعدام الثقة.
ويرى مراقبون أن تباين وجهات النظر لا يجعل من المرجح أن تتحول الجهود الدبلوماسية الحالية إلى بنية دائمة. وقالت أنيسة بصيري تبريزي، زميلة مشاركة في تشاتام هاوس في لندن، إنه من الصعب جدا رؤية إطار أمني إقليمي يخرج إلى النور في الأشهر أو حتى السنوات المقبلة.
وأوضحت أن ما نشهده هو مجموعات أصغر وأكثر مرونة من الدول تتولى القيادة في محاولة للوصول إلى حلول ثنائية أو متعددة الأطراف، مشيرة إلى أن الإطار الأمني الإقليمي يحتاج إلى الرؤية نفسها للمنطقة، وهي رؤية ليست مشتركة بالضرورة بين دول مجلس التعاون الخليجي نفسها.
تحديات مقبلة
قال حميدرضا عزيزي، محلل بارز في مجموعة الأزمات الدولية، إن باكستان والسعودية وتركيا تشترك في مخاوف من أن مواجهة مطولة بين إيران والولايات المتحدة قد تزيد من زعزعة استقرار المنطقة.
وأضاف أن العقبة الرئيسية تبقى الخلاف الجوهري بين طهران وواشنطن حول ترتيب الالتزامات. ففي حين تريد الولايات المتحدة تنازلات إيرانية، خصوصا في الملف النووي، تصر طهران على أن تُلبى شروطها لإنهاء الحرب أولا.
وأشار إلى أن الوساطة الإقليمية قد تساعد في ردم هذه الفجوة، ربما عبر ترتيب مؤقت، لكن استعداد الفاعلين الإقليميين لتسهيل اتفاق لا يعني بالضرورة أن الطرفين الرئيسيين مستعدان لتقديم التنازلات اللازمة.
أما بالنسبة لنظام أمني جديد، فقال عزيزي إن دول المنطقة لا تتفق على تصوره ولا على الدور الذي قد يتبقى للولايات المتحدة، التي كانت حتى الآن الشريك الأمني الرئيسي لمجلس التعاون الخليجي.
ولطالما دعت إيران إلى بنية أمنية إقليمية تقلل أو تنهي الوجود العسكري الأمريكي. لكن السعودية ودول الخليج الأخرى لا تزال مندمجة بعمق في المنظومة الأمنية الأمريكية، ولا توجد مؤشرات تذكر على أنها تنوي التخلي عنها.
وختم بأن الحرب الأخيرة أثارت بالتأكيد أسئلة حول موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية، لكنها شجعت هذه الدول على تنويع شراكاتها الأمنية بدلا من إعادة تعريف تحالفاتها الاستراتيجية جذريا.