الخرطوم، السودان – تعمل رشا عبدالعزيز موسى سبع ساعات كل يوم في بيع الشاي. وعندما تنتهي من عملها في العاشرة مساء، لا تكون متأكدة من أن ما كسبته يكفي لإطعام أطفالها الأربعة.
موسى، البالغة 39 عاما، تفعل ما بوسعها، لكن دخلها لم يعد يكفي لتغطية أسعار الغذاء المتصاعدة في العاصمة السودانية. زوجها عضو في الجيش السوداني، وقد أمضى أكثر من ثمانية أشهر في خطوط المواجهة في حرب البلاد، حيث يقاتل الجيش قوات الدعم السريع منذ 2023. لم تسمع منه موسى منذ أشهر، ولم يرسل أي مال.
وفي غيابه، باتت موسى مسؤولة وحدها عن إعالة أطفالهم الذين يدرسون في رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية والثانوية. قالت للجزيرة إن إطعام أسرتها يكلف نحو 40 ألف جنيه سوداني يوميا، أي ما يعادل 4 دولارات بسعر السوق الموازي، قبل احتساب الإيجار واللوازم المنزلية والنفقات الأخرى.
من أساسيات الطعام لدى الأسرة الفول المدمس أو العدس. وعندما يصبح العدس باهظ الثمن، تقدم موسى ساندويتشات الطعمية أو الفلافل. وتتغير الأسعار بانتظام، وغالبا ما تنهي موسى يومها مدينة لتجار تشتري منهم الطعام.
أسر كبيرة تعاني
موسى ليست وحدها في معاناة تغطية نفقات أسرتها اليومية. أحمد يوسف، البالغ 61 عاما، يعيل أسرة من 12 فردا من عمله في محل جزارة، ويعمل أحيانا وسيطا في بيع المواشي. قد يحصل على 90 إلى 140 ألف جنيه، أي ما بين 9 و14 دولارا، عندما تنجح صفقة، لكن دخله غير منتظم.
قال للجزيرة إن أسرته تنفق أكثر من 100 ألف جنيه سوداني، أي نحو 10 دولارات، يوميا، وإن دخله لم يعد يكفي لإعالة الأسرة. وأضاف: لم يعد دخل واحد كافيا لتغطية احتياجات الأسرة، وأحيانا يضطر أطفالي الكبار إلى العمل للمساعدة في النفقات.
أما علي فاضل فيعيل أسرة من عشرة أفراد. ومن دون وظيفة دائمة، يذهب كل صباح إلى السوق للبحث عن عمل. في بعض الأيام يكسب ما يكفي لشراء الطعام، وفي أيام أخرى لا يجد عملا على الإطلاق. ومع ذلك تصل نفقاته اليومية إلى نحو 70 ألف جنيه، أي 7 دولارات، مع ارتفاع الأسعار الذي يزيد الضغط المالي عليه.
وقال: أحيانا أتجاوز وجبات حتى أستطيع دفع رسوم المدرسة أو تكاليف العلاج. وأقترض المال لتغطية التزامات أخرى.
ارتفاع أسعار الغذاء مع ضعف الجنيه السوداني
كشف مسح أجرته الجزيرة الأسبوع الماضي لأربعة أسواق محلية في ولاية الخرطوم أن أسعار عدد من المواد الغذائية الأساسية ارتفعت بشدة خلال أيام، مما زاد صعوبة تخطيط الأسر لنفقاتها.
بلغ سعر كيلوغرام السكر نحو 10 آلاف جنيه، أي دولار واحد، مقارنة بـ9 آلاف جنيه، أي 0.90 دولار، قبل يومين. وارتفع لتر زيت الطهي إلى 25 ألف جنيه، أي 2.50 دولار، من 20 ألف جنيه، أي دولارين. ويبلغ سعر رغيف الخبز 500 جنيه، أي 0.05 دولار، مقابل 300 جنيه، أي 0.03 دولار، قبل أسبوع.
أما العدس فبلغ نحو 10 آلاف جنيه، أي دولار واحد، للكيلوغرام، بعد أن كان 8 آلاف جنيه، أي 0.80 دولار. وبلغ سعر الأرز 13 ألف جنيه، أي 1.30 دولار، للكيلوغرام، مقابل 10 آلاف جنيه، أي دولار واحد. ووصل الحليب المجفف إلى 70 ألف جنيه، أي 7 دولارات، للكيلوغرام، بعد أن كان 60 ألف جنيه، أي 6 دولارات، قبل يومين.
وواصل الجنيه السوداني ضعفه. وبحسب أسعار الصرف التي تتابعها الجزيرة، كان الدولار الواحد يتداول عند 10050 جنيها سودانيا في السوق الموازي يوم الجمعة، مقابل 9500 جنيه في اليوم السابق.
التضخم الغذائي يزيد الضغط على الأسر
وتقدم الأرقام الرسمية دليلا إضافيا على ارتفاع تكلفة المعيشة، خصوصا في الخرطوم والمناطق الحضرية الأخرى. وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء في السودان، كانت الأسعار في البلاد أعلى بنسبة 28 في المئة في سبتمبر مما كانت عليه قبل عام، بعد أن كانت الزيادة 26 في المئة في أغسطس. وارتفعت الأسعار 7.5 في المئة في سبتمبر وحده، أي أكثر من ضعف الزيادة المسجلة في الشهر السابق.
وارتفعت أسعار الغذاء بشكل أسرع. ففي عموم السودان، صارت تكلفة الطعام والمشروبات أعلى بنحو 37 في المئة في سبتمبر مما كانت عليه قبل سنة، مقابل زيادة سنوية بنحو 21 في المئة في أغسطس. وفي سبتمبر وحده، قفزت أسعار الغذاء بأكثر من 17 في المئة.
وكان الوضع أشد حدة في ولاية الخرطوم، حيث كانت الأسعار أعلى بنحو 60 في المئة مما كانت عليه قبل عام. وارتفعت الأسعار بأكثر من 15 في المئة في سبتمبر وحده، بعد زيادة بنحو 9 في المئة في أغسطس.
ويأتي هذا الارتفاع الحاد بينما تحاول منطقة العاصمة التعافي من الدمار الواسع الذي خلفته الحرب. ورغم أن السكان النازحين بدأوا يعودون، والأعمال تعيد فتح أبوابها تدريجيا منذ استعاد الجيش الولاية من قوات الدعم السريع العام الماضي، فإن البنية التحتية المتضررة وارتفاع تكاليف النقل لا يزالان يحدان من توافر السلع.
كما أدت عودة السكان إلى زيادة الطلب على المواد الأساسية، مما دفع الأسعار إلى الارتفاع أكثر. وفي سبتمبر، ضرب نقص الوقود العاصمة، إذ ارتفع الاستهلاك أسرع مما يمكن تعويض الإمدادات.
وعموما تعرضت المناطق الحضرية لضربة أكبر من المجتمعات الريفية. فأسعار الغذاء في المدن والبلدات كانت أعلى بنسبة 55 في المئة مما كانت عليه قبل عام، بعد أن كانت نحو 40 في المئة في أغسطس. وإجمالا ارتفعت الأسعار في المناطق الحضرية بنسبة 40 في المئة خلال العام الماضي، مقابل نحو 21 في المئة في المناطق الريفية.
والحرب هي المحرك الرئيسي لهذه الزيادات، لأنها تعطل سبل العيش وسلاسل الإمداد. وبحسب البنك الدولي، انكمش اقتصاد السودان بنسبة تقدر بنحو 29 في المئة في 2023، وبنسبة 14 في المئة أخرى في 2024، بعد أن دمرت الحرب الأعمال وعطلت الإنتاج الزراعي وأطاحت بالوظائف.
كما أجبر النزاع الملايين على ترك منازلهم، إذ كان نحو 8.9 مليون شخص لا يزالون نازحين داخليا حتى أبريل، بحسب المنظمة الدولية للهجرة.
الحرب تدمر مصادر الرزق
وقال الصحافي والمتخصص في الشؤون الاقتصادية خالد تكس إن التدهور الاقتصادي في السودان بدأ قبل الحرب بوقت طويل. بعد انفصال جنوب السودان عام 2011، أدى تراجع إنتاج النفط إلى تفاقم الأوضاع في السودان، كما زاد من سوء الوضع انخفاض قيمة الجنيه ونقص السيولة والعزلة الدولية والصراع السياسي والفساد في السنوات التي سبقت إزاحة الرئيس عمر البشير عام 2019.
وقال تيكس إن عدم الاستقرار السياسي خلال مرحلة انتقال السلطة أضعف الأداء الاقتصادي، ولم تُنفذ إصلاحات عميقة قبل اندلاع الحرب في 2023. وقد دمر النزاع البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، واستنزف المدخرات، وعطل النشاط الاقتصادي. وكان للمناخ أيضا دور في ذلك، فبعد إنتاج زراعي قوي عام 2024 ظهر القلق من محدودية الأمطار هذا العام ومن احتمال نقص الغذاء بعد أن يبدأ الحصاد في نوفمبر.
وأوضح تيكس للجزيرة أن الأسر باتت تستنزف مدخراتها وتبيع ممتلكاتها لتغطية نفقاتها اليومية.
وأشار أيضا إلى تعطل قنوات التحويلات المالية التي تعتمد عليها أسر سودانية كثيرة للحصول على دعم مالي.
ودعا تيكس إلى تسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ووقف الحرب، وتقديم دعم مباشر للأسر الأكثر احتياجا، ومنح قروض بفوائد منخفضة للمشروعات الصغيرة والأنشطة الحرفية.
وقال تيكس إن الحكومة تحتاج إلى تقديم دعم مباشر عبر صناديق مخصصة وديوان الزكاة، وتسهيل عمل المنظمات الإنسانية، وتوفير قروض ميسورة للمشروعات الصغيرة والأنشطة المهنية. وأضاف أن ذلك قد يساعد على إعادة فتح الأسواق والورش وتوسيع التمويل الأصغر.