الأمن الغذائي العالمي مهدد | الشحن

يبدو أن الهجمات على السفن التجارية باتت تكتيكاً راسخاً في الحروب الدائرة. ففي منطقة الخليج، تشكل هذه الهجمات جزءاً من حرب الاستنزاف المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران. وفي البحر الأسود، صارت سمة بارزة ومتزايدة في الصراع بين روسيا وأوكرانيا. ومعظم السفن المستهدفة ليست سفناً عسكرية، بل سفن تجارية تنقل النفط والغاز والمنتجات النفطية، أو سلعاً غذائية مثل القمح والذرة. وكلها ضرورية إما لسير الاقتصاد وإما لبقاء الإنسان.

وفي أكتوبر، شهد الشحن التجاري في البحر الأسود تصعيداً حاداً، عندما استهدفت سلسلة من هجمات المسيّرات ما لا يقل عن تسع سفن قبالة سواحل رومانيا وبلغاريا، وهما عضوان في حلف شمال الأطلسي (الناتو). وهذا تطور خطير تختبر به موسكو تماسك الحلف. وقد اشتكى عدد من أعضاء الناتو من توغلات روسية في أراضيهم، ما أثار تساؤلات حول إمكانية تفعيل المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي، التي تنص على الدفاع الجماعي.

وقصفت روسيا مراراً موانئ أوكرانية على البحر الأسود ونهر الدانوب. وبعد تعطل معظم الموانئ الأوكرانية، لجأت كييف إلى طرق بديلة لتصدير حبوبها إلى أسواق أفريقيا والشرق الأوسط. وتنقسم هذه الطرق إلى ثلاث فئات رئيسية:

أولاً، ممر الدانوب عبر رومانيا: تُنقل الحبوب من داخل أوكرانيا إلى ميناءي إسماعيل وريني على الدانوب، ثم عبر قناة سولينا الرومانية إلى البحر الأسود، أو إلى ميناء كونستانتسا الروماني حيث تُنقل إلى سفن أكبر.

ثانياً، ممرات برية عبر الاتحاد الأوروبي: تستخدم أوكرانيا القطارات والشاحنات لنقل الحبوب عبر بولندا وسلوفاكيا وهنغاريا ورومانيا، ومن هناك تُشحن عبر موانئ أوروبية على بحر البلطيق أو البحر الأدرياتيكي أو البحر الأسود.

ثالثاً، الممر البحري الأوكراني بمحاذاة سواحل الناتو: تنطلق السفن من موانئ منطقة أوديسا، وتمر عبر غرب البحر الأسود قرب مياه رومانيا وبلغاريا، ثم تتجه نحو تركيا، قبل أن تعبر مضيق البوسفور إلى الأسواق العالمية.

يقرأ  ما وراء الحملة الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة؟

لكن هذه الممرات البديلة لم تسلم من الهجمات الروسية. فوفقاً لتقرير لشركة الأمن البحري «أمبري»، كان المعدل الشهري للهجمات المرتبطة بممر الدانوب في الربع الثالث (يوليو إلى سبتمبر) أعلى بنحو 3.7 أضعاف مما كان عليه في النصف الأول من 2026. وفي الوقت نفسه، قفزت حصة الدانوب من البضائع المناولة في الموانئ الأوكرانية من نحو 10 في المائة خلال الفترة من يناير إلى يونيو إلى 74 في المائة في أغسطس 2026.

حرب على الغذاء من البر إلى البحر

سعياً إلى إلحاق أكبر قدر من الأضرار والخسائر ببعضهما، لم تتردد روسيا ولا أوكرانيا في استخدام كل الوسائل المتاحة لردع الآخر أو إخضاعه. ففي البداية، ركزت الحرب على المنشآت العسكرية واللوجستية، ثم اتسعت الهجمات لتشمل البنية التحتية والموانئ، ثم تدريجياً المصافي ومنشآت الطاقة. واليوم، صارت المنشآت المرتبطة بالغذاء والسفن التي تنقل الحبوب وغيرها من المنتجات الغذائية أكثر وقوعاً في مرمى النيران.

في بداية الحرب، ركزت موسكو ضرباتها على البنية التحتية الأوكرانية لإنتاج الحبوب والبذور الزيتية. كما عرقلت الوصول إلى الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود، واستهدفت مراراً سفناً تنقل الحبوب. وقد أجبر ذلك أوكرانيا على تأمين طرق تصدير بديلة، ومنها الدانوب، الذي أصبح هو نفسه هدفاً للهجمات الروسية.

تُعد صادرات الحبوب والزيوت النباتية جزءاً حيوياً من اقتصاد أوكرانيا. وتشير البيانات إلى أنها شكلت نحو 40 في المائة من إجمالي صادرات السلع في النصف الأول من هذا العام. وهذا يفسر تركيز روسيا ضرباتها على الموانئ والسفن التي تنقل هذه المنتجات ذات الأهمية الاقتصادية الكبيرة.

ويقدّر وزير الزراعة الأوكراني أنه إذا بقيت الموانئ مغلقة، فستخسر البلاد ما لا يقل عن 8 مليارات دولار بين يونيو من هذا العام ويونيو 2027. وسيعادل هذا العجز 20 في المائة من إجمالي إيراداتها من الصادرات في العام الماضي. وقد أوقفت الهجمات الروسية على سفن الشحن والبنية التحتية للتصدير، إلى حد كبير، الحركة البحرية عبر موانئ أوكرانيا على البحر الأسود. وكانت هذه الموانئ تتعامل سابقاً مع نحو 90 في المائة من صادرات البلاد الزراعية.

يقرأ  كوبا تنفي اتهامات بتهديد الأمن وسط تصاعد الضغوط الأمريكية

وفي الجانب الآخر، ظل إنتاج الحبوب وصادراتها في روسيا بمنأى نسبياً عن الهجمات حتى وقت قريب. لكن كييف أعادت هذا الصيف توجيه مسيّراتها نحو منشآت تصدير الحبوب والزيوت النباتية الروسية، وكذلك نحو سفن تجارية، بينها ناقلات الحبوب.

شكّل ذلك تحولاً مهماً في الحرب الاقتصادية، إذ كانت الضربات الأوكرانية تركز قبل ذلك بشكل أكبر على منشآت الطاقة والمنشآت العسكرية الروسية. وقد عطلت الهجمات الأوكرانية محطات تصدير الحبوب الروسية الرئيسية على البحر الأسود وبحر آزوف، ما أجبر موسكو على تحويل بعض صادراتها إلى موانئ بحر البلطيق. وكان بحر آزوف يتعامل سابقاً مع نحو ربع صادرات القمح الروسية تقريباً.

نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار

روسيا هي أكبر مصدر للقمح في العالم، بينما تحتل أوكرانيا المرتبة الخامسة. ومعاً، تشكلان نحو 27 في المائة من صادرات القمح العالمية. وقد دفعت الهجمات الأخيرة العقود الآجلة للقمح في بورصة شيكاغو التجارية إلى أعلى مستوياتها منذ 2023، مع ارتفاع الأسعار بنحو 20 في المائة في الأشهر التسعة الأولى من هذا العام.

وقد تزامن تصعيد الهجمات من الجانبين مع ذروة موسم تصدير القمح في كل منهما. فالقمح الشتوي، وهو الصنف السائد في روسيا وأوكرانيا، يُحصد في الصيف ويُصدّر في أواخر الصيف وأوائل الخريف.

ووفقاً لتقارير، عطلت الهجمات الأوكرانية، ولا سيما تلك التي استهدفت موانئ روسية على بحر آزوف وفي نوفوروسيسك، نحو 70 في المائة من قدرة روسيا على تصدير الحبوب. وفي المقابل، أوقفت الهجمات الروسية الأخيرة الشحنات من أوديسا، ما وضع نحو 90 في المائة من شحنات الحبوب الأوكرانية خارج الخدمة.

كما كثفت أوكرانيا هجماتها على سفن الشحن التي تغادر الموانئ الروسية في يوليو وأغسطس. ووفقاً لمسؤولين عسكريين أوكرانيين، استهدفت 76 سفينة روسية بين 6 و11 يوليو. وفي منتصف يوليو، علّقت روسيا الصادرات عبر قناة الدون-آزوف. ثم تعرضت صادرات القمح الروسية عبر بحر آزوف لانتكاسة أخرى بعد هجوم أوكراني على محطة رئيسية لتصدير الحبوب في ميناء تامان الروسي في أواخر يوليو.

يقرأ  قبل نهائيات كأس العالم ٢٠٢٦، السعودية تُقيل المدرب هيرفي رينارأخبار كرة القدم

بين الحرب والجفاف

كما يقال، المصائب لا تأتي فرادى. فقد تزامنت الهجمات على المنشآت المرتبطة بالغذاء وطرق الإمداد، والتي تشمل اثنين من أكبر منتجي الحبوب في العالم، مع تراجع الإنتاج العالمي للقمح بسبب الجفاف وتغير المناخ.

وتقدّر وزارة الزراعة الأمريكية أن الإنتاج المشترك لأكبر سبع دول مصدرة للقمح في العالم قد ينخفض بنسبة 11 في المائة في موسم 2026-2027.

ومعاً، تشكل هذه التطورات تهديداً مزدوجاً للأمن الغذائي العالمي. فالقدرة على إنتاج الغذاء تتراجع، بينما تتعرض القدرة على إيصاله إلى الأسواق المستوردة للتعطيل، وسط ارتفاع تكاليف النقل وزيادة نفقات تأمين الشحنات.

وفي المحصلة، ستترجم الحرب الدائرة في البحر الأسود إلى ارتفاع أسعار الغذاء وزيادة فواتير الاستيراد ونضوب الاحتياطيات الاستراتيجية، خصوصاً في الدول العربية والأفريقية التي تعتمد اعتماداً كبيراً على الحبوب المستوردة.

إن تعطيل إمدادات الطاقة بسبب الحرب في مياه الخليج يغذي التضخم بالفعل. والآن، يهدد تراجع إمدادات الغذاء الناتج عن الحرب في البحر الأسود بإضافة مصدر آخر للتضخم لا يقل خطورة.

أضف تعليق