طالما قدّم بنيامين نتنياهو نفسه كزعيم قادر على ضمان بقاء العلاقات مع الولايات المتحدة، أهم حليف لإسرائيل، قوية. وقد عزز تأييد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب له في الفترة التي سبقت الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية الشهر الماضي هذه الصورة، في السنة نفسها التي خاضت فيها واشنطن وتل أبيب حربا مشتركة ضد إيران.
ثم جاءت الانتخابات النصفية الأمريكية، والأداء الكارثي للحزب الجمهوري الذي يتزعمه ترامب. وقد ركزت التحليلات المبكرة لأسباب الخسارة الكبيرة للجمهوريين جزئيا على تلك الحرب مع إيران، وعلى علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل. وقد سلط نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس الضوء على الأمرين.
وفجأة، باتت حجة نتنياهو بأنه سر قوة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل أضعف بكثير. بل يمكن القول إن نتنياهو وسياساته، التي أدت إلى حرب إبادة في غزة، وإلى الحرب مع إيران، وإلى هجمات كثيرة في المنطقة الأوسع، جعلت إسرائيل قضية سياسية سامة في الولايات المتحدة.
وكثير من الإسرائيليين قلقون الآن من أن بلادهم لم تعد تستطيع الاعتماد على دعم أمريكي غير مشروط. وبينما تتسابق القيادات السياسية الإسرائيلية لمحاولة تشكيل حكومة بعد الانتخابات البرلمانية، حمّلت المعارضة نتنياهو المسؤولية مباشرة، ورأت في ذلك سببا إضافيا لعدم السماح له بتشكيل الحكومة المقبلة.
وشدد يائير لابيد، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق وأحد قادة الكتلة التي تسعى لإزاحة نتنياهو، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، على علاقاته الخاصة بأعضاء في الكونغرس الأمريكي. وأضاف أنه يعتقد أن الناخبين الأمريكيين ليسوا ضد إسرائيل بقدر ما هم ضد وزراء متطرفين يقولون أشياء جنونية. وقال إنهم ضد عنف المستوطنين، وضد حكومة لا يفهمونها، وضد نتنياهو أساسا، فكل ما يتصل به سام في نظرهم.
وردد أفيغدور ليبرمان، وهو زعيم معارض آخر، ما يُقال إن كثيرين في إسرائيل يشتبهون به: أن إعلان ترامب يوم الانتخابات عن إنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل قد جرى مقابل تأييده لنتنياهو. وكتب ليبرمان على وسائل التواصل الاجتماعي: ثمن دعم ترامب لنتنياهو هو 3.8 مليار دولار سنويا.
وقال أهرون بريغمان، محلل أمني إسرائيلي وزميل تدريس أول في كلية كينغز في لندن: مع توقف أمريكا عن الأموال التي كانت تحولها إلى إسرائيل لسنوات طويلة، سيتعين رفع ميزانية الدفاع التي تبلغ أصلا سبعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وسيشعر الإسرائيليون بذلك في جيوبهم. لكن لا يمكن أن تكون دولة مارقة وتتوقع أن يستمر كل شيء كما كان. وفي إسرائيل، يواصل نتنياهو ما كان يجيده دائما، أي تحريض فئة من السكان على أخرى. وهو يحاول الآن نزع الشرعية عن العرب بقوله إنهم سرقوا الانتخابات، لمنع المعارضة من اتخاذهم شركاء.
لا تغيير جوهري
أسفرت الانتخابات العامة الإسرائيلية في 27 أكتوبر عن حصول الكتلة اليمينية لنتنياهو على 53 مقعدا في البرلمان، أي بفارق ثمانية مقاعد عن 61 مقعدا اللازمة لتشكيل حكومة.
وحصلت كتلة المعارضة بقيادة رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت على 48 مقعدا، في حين حصلت الأحزاب التي يقودها العرب، وهي القائمة العربية الموحدة (راعم) والقائمة المشتركة، على 19 مقعدا. وأعلنت القائمتان أنهما ستؤيدان آيزنكوت لرئاسة الوزراء.
ورفض آيزنكوت وقادة معارضة آخرون فكرة حكومة وحدة مع نتنياهو، وهو ما يتركه من دون طريق واضح إلى الأغلبية. ويعود الآن إلى الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ اختيار سياسي لتشكيل الحكومة، لكنه لم يفعل ذلك بعد.
وفي الوضع الحالي، يبدو أن كتلة آيزنكوت، التي يسميها هو نفسه صهيونية، والتي كانت قد استبعدت سابقا المشاركة إلى جانب الأحزاب العربية، ستستفيد من دعم هذه الأحزاب من خارج الحكومة، رغم هجمات نتنياهو عليها.
وتعززت فرص آيزنكوت أكثر يوم الخميس عندما امتنعت يهدوت هتوراه، حليفته القديمة داخل الأحزاب اليهودية المتشددة، للمرة الأولى منذ 2009 عن ترشيحه أو ترشيح أي شخص آخر لتشكيل الحكومة. وهذه خطوة تبدو كانشقاق واضح، وتضعف موقف رئيس الوزراء وتمنح خصومه دفعة.
لكن حلول آيزنكوت محل نتنياهو رئيسا للوزراء لا يعني بالضرورة أنه سيكون قادرا على عكس تراجع شعبية إسرائيل في الولايات المتحدة. فقد أشار استطلاع لمركز بيو للأبحاث في أبريل إلى أن المواقف العامة في الولايات المتحدة سلبية تجاه إسرائيل بالقدر نفسه الذي هي عليه تجاه نتنياهو، بحسب خبير الاستطلاعات شبلي تلحمي، مدير استطلاع القضايا الحاسمة في جامعة ماريلاند.
وقال تلحمي: وجد استطلاعنا أن معظم الأمريكيين لن يغيروا رأيهم في إسرائيل حتى لو جاءت حكومة جديدة من دون نتنياهو. وأي حكومة إسرائيلية ستسبح ضد تيار الرأي العام الصاعد. ولا أظن أن أي حكومة إسرائيلية تستطيع إعادة العلاقات إلى ما كانت عليه قبل خمس سنوات.