فُصلة… فنّ، صمت، أمانة، والوداع الأخير للإعلام التركي

عاشت فوسلات دوعان سابانجي نحو عقدين من الزمن حياة مزدوجة.

في النهار، كانت واحدة من أقوى الشخصيات في الإعلام التركي، إذ عملت رئيسة تنفيذية لصحيفة «هريت»، أكبر صحيفة في البلاد. وفي الليل، بعد العمل والعشاء ووضع أطفالها في الفراش، كانت تذهب إلى استوديوها لتصنع الفن. قالت فوسلات لموقع «أرت نيوز» في مكالمة عبر زوم من إسطنبول: «أحيانًا كنت أعمل حتى السادسة صباحًا».

والغريب أن أحدًا تقريبًا لم يرَ ما تنتجه.

رسمت فوسلات، التي تعرف باسمها الأول فقط في عملها الفني، ونحتت، واشتغلت بالطين، وجرّبت مواد مختلفة، لنحو عشرين عامًا دون أن تعرض أي شيء. لم يكن هناك معرض ينتظر أعمالها، ولا يبدو أنها كانت تسعى في معظم تلك الفترة إلى تمثيل من أي جهة. افتُتح أول معرض لها في عام 2022. وبعد أربع سنوات، أصبح جدولها الفني أكثر ازدحامًا بشكل ملحوظ.

خلال هذا الصيف وحده، ظهرت أعمالها في نيويورك، حيث عرضت تركيبًا بحجم غرفة بعنوان «بيت الصمت» في معرض «كونداكتور» الفني؛ وفي رودس، حيث نُصبت عشرات من منحوتاتها الطينية في كنيسة بيزنطية سابقة. وصدر كتابها الأول بعنوان «لعلنا نلتقي في صمت أرواحنا» عن دار «دستانز» و«جامعة شيكاغو». إنه صعود فني سريع بصورة مدهشة لفنانة قضت معظم حياتها تتجنب هذا الصعود.

التوتر بين العام والخاص يمر عبر كثير من أعمال فوسلات. وكذلك الصمت. عندما تحدثنا معها، عادت مرارًا إلى فكرة الاستماع: للآخرين، وللخامات، ولنفسها. وهذه ليست اهتمامات رائجة في الإعلام المعاصر أو الحياة المعاصرة.

تعرف فوسلات شيئًا عن الإعلام. قبل أن تترك هذا المجال، قضت سنوات في «هريت»، حيث تضمنت حياتها العامة الدفاع عن حرية التعبير والمساواة بين الجنسين وحقوق الإنسان. قالت: «عملت في الإعلام لخلق مساحة للأصوات المختلفة».

يقرأ  دعوة مفتوحة للفن العام ٢٠٢٦ بووووووم! ابداع • إلهام • مجتمع • فن • تصميم • موسيقى • فيلم • تصوير • مشاريع

لكن مع الوقت، تغيّر شيء ما. أصبحت السياسة أكثر استقطابًا. وأصبح الإعلام مدفوعًا بالمقاييس على نحو متزايد. بدا أن الجميع يتكلمون، وأن قليلين يهتمون بالاستماع. وقدّم الفن إمكانية أخرى.

أطلقت فوسلات على هذه الفكرة اسم «أمانة»، وهي كلمة تركية ليس لها مقابل إنجليزي دقيق. تصفها بأنها شيء يُؤتمن عليه الإنسان لكنه ليس ملكًا له. يمكن أن يكون شيئًا، أو ذكرى، أو قصة. يمكن أن يكون الأطفال أمانة، والطبيعة أيضًا. المسؤولية ليست فقط الحفاظ على ما اؤتمنت عليه، بل العناية به قبل تمريره.

كان التأثير بسيطًا: أن تصمت وتجلس في صمت.

لكن الصمت، كما تصفه، ليس سلميًا بالضرورة. بل العكس تمامًا. اجلس هادئًا وقتًا كافيًا، وأول ما يصل قد يكون أحكامًا، وشعورًا بالذنب، وانتقادات. المهم أن تبقى. قالت: «إذا تحليت بالصبر، يتضح الأمر — مثل الماء الصافي».

خاماتها تتصرف بطريقة مشابهة. تعمل فوسلات بالرخام والبرونز والطين واللباد، وبالنباتات المطلية بالفضة. كما صنعت رسومات ضخمة باستخدام أصباغ جُمعت من الأرض نفسها التي تُقام عليها الأعمال. وفي عمل «برج بابل» (2025)، أدخلت أشجارًا احترقت في حرائق لوس أنجلوس.

في رودس، حيث تشارك فوسلات في بينالي الخزف المعاصر الثاني، تكون المادة أبسط: تراب، وماء، وهواء. يبدأ تركيبها «لعلنا نلتقي في صمت أرواحنا» من عتبة كنيسة «سيدة القلعة»، وهي كنيسة يونانية أرثوذكسية قديمة صارت مسجدًا في العهد العثماني. أشكال طينية صغيرة عضوية تقود الزوار من المدخل إلى داخل المبنى. تصفها فوسلات بأنها تشبه «الشكل غير المحدد للنفَس».

سؤال آخر يلوح فوق ظهور فوسلات المفاجئ في عالم الفن. لم تصل مجهولة. بصفتها فوسلات دوعان سابانجي، كانت تنتمي إلى إحدى أبرز العائلات التركية، وكانت لها مسيرة مهنية قوية في الأعمال والعمل الخيري. الفنانون يقضون عقودًا في محاولة جذب انتباه القيّمين والمؤسسات. بدأت فوسلات عرض أعمالها في 2022، وخلال سنوات قليلة أقامت معارض في متحف باقصي، وطوفانة عامرة في إسطنبول، ومتحف طروادة. إنها تعرف أن طريقها ليس تقليديًا.

يقرأ  رحيل رائد فن التجميع عن 99 عاماً

لكن التسلسل الزمني يعقّد القراءة السطحية. لم تترك فوسلات الإعلام، ثم تكتشف الفن، ثم تعيد اختراع نفسها بسرعة كفنانة. الاستوديو جاء أولًا. لسنوات، وُجد جنبًا إلى جنب مع مسيرتها العامة، غير مرئي. وعندما عرضت أخيرًا في معرض «بي آرت ووركس» في لندن عام 2022، كانت قد أمضت نحو عشرين عامًا في معرفة ما تريد أن يفعله العمل. عبّر الناقد أندرو غراهام ديكسون عن هذا الغرابة حين كتب عن ظهورها الأول في كتابها، فقال إن فوسلات بدت «كمبتدئة ويد قديمة في آن واحد».

أضف تعليق