نحمل جميعًا أمتعةً عاطفيّةً أطول ممّا نحتاج إليه؛ فالغضب والإحباط ولوم الذات على أشياء فعلناها منذ عقود هي جزءٌ من الحالة البشريّة، للأسف. لذلك وُجد التأمل. نعرف أن علينا أن نمنح أنفسنا والآخرين بعض الرحمة، لكنّ المزعج حقًا أن فنّ التخلّي بحدّ ذاته يبدو صعبًا إلى هذا الحدّ.
يبدو أنّ الفنانة تشانيدا أريواتاناسومبات، المعروفة أيضًا بـ”تشوبينيدا” و”المفكّرة المفرطة المحترفة”، وجدت حلًّا. هذه الرسامة والرسامة المتحرّكة المقيمة في بانكوك تستخدم فنّها لتحرير أفكار ومشاعر ظلّت عالقةً في داخلها طويلًا. مع أنّها لا تستطيع تحديد ما تعالجه بالضبط. الكثير من ذلك يحدث في اللاوعي، ويقوم على إحساسٍ شخصي. تقول تشانيدا في حديث إلى Creative Boom: “ربما التخلّي في حدّ ذاته ليس هو الشعور؛ بل كل المشاعر داخل تلك العملية هي ما يعلق في ذهني أكثر: الخوف، البؤس، الحزن، وأيضًا إدراك أننا أحيانًا نحتاج إلى التخلّي عن شيء تمسّكنا به مع الأمل لمدّة طويلة جدًا. إنّه من أصعب الأشياء، لكن لا بدّ منه. إنّه جزء من النموّ.”
تعترف بأنّها لم تحلّ كل شيء، وما زالت لا تعرف تمامًا كيف تعبّر عن مشاعرها بصوتٍ عالٍ. لكن هذا يصنع فنًّا مثيرًا للاهتمام؛ فبينما يلجأ معظمنا إلى الهاتف والتحدّث مع صديق عن مشاكله، تمدّ تشانيدا يدها إلى أدواتها. تقول: “عندما أصنع شيئًا، كرسمة أو لوحة أو حركة رسوم متحرّكة، أشعر بارتياحٍ ما. هذه المشاعر لا تختفي بعد عملٍ واحد، لكنّني أشعر بأنّني أخفّ كلّما صنعت شيئًا جديدًا.”
عند النظر إلى أعمالها، نجدها سرياليّة، وغالبًا طريفة، ومليئة بالمعاني المخفيّة. تضيف الخطوط السوداء الرقيقة ملمسًا وإحساسًا بالصنعة البشريّة. تدخل الطبيعة في كلّ شيء. ولوحة الألوان بحدّ ذاتها تستحقّ أن تُذكر بفخر. أمّا رسومها المتحرّكة الدائريّة فتُضيف طبقةً إضافيّةً من العاطفة؛ فالحركة الرقيقة تبرز مشاعرها أكثر. تقول: “غالبًا أرى الأمور بسخرية، وأستمتع بالغرابة داخل كلّ موقف. بالنسبة لي، كلّ شيء له جانبٌ رقيق وحسّاس، لكن له أيضًا جانب مضحك.”
لم يتّضح عالم الرسم التوضيحيّ لتشانيدا إلا في سنتها الجامعيّة الثانية. لكن بعد إنهاء دراستها، حدث تحوّل. تقول بصراحة: “شعرت بالضياع الشديد. كنت أعمل في المجال فعلًا، لكنّني شعرت أنّني أريد أن أكون أكثر ممّا أنا عليه؛ فقط لم أكن أعرف كيف.” لهذا توقّفت عن نشر أعمالها تمامًا لسنوات. “لم أكن أعرف ما الذي أفعله. كنت أعرف فقط أنّ هذا العمل لم يعد يشبهني.”
بعد ذلك جاء انتقالها إلى العالم الآخر من أجل درجة الماجستير في جامعة كينغستون في لندن، وهو ما أعطى مسيرتها بدايةً غير متوقّعة. تقول: “ذهبت إلى هناك بعقلٍ منفتح فقط. تلك التجربة غيّرت حياتي كلّها. غيّرت طريقة رؤيتي لعملي ولعمليّة إبداعي، والمفاجأة أنّها غيّرت أيضًا طريقة رؤيتي لنفسي.”
تنسب الفضل إلى الأساتذة اللطفاء في كينغستون لمساعدتها على الوصول إلى هناك. لكن الأهمّ أنّ العيش وحدها في بلدٍ جديد علّمها الاعتماد على الذات. تضيف: “أعادني ذلك إلى نفسي. لو لم أذهب إلى هناك، ربما ما كنت ما أزال أعمل في الرسم التوضيحيّ وأفعل أشياء أخرى أحبّها اليوم.”
اليوم، تتنقّل تشانيدا بين الغواش، والباستيل الزيتيّ، والكولاج، والأعمال الرقميّة، والرسوم المتحرّكة. لا يهمّ الوسيط الذي تستخدمه؛ المهمّ أن يليق بالرسالة. الصورة الواحدة كافية غالبًا، لكن إذا شعرت أنّ القصّة أكبر، تجعل فنّها يتحرّك. يمكن أيضًا أن نلمح حسّ الفكاهة في عناوين أعمالها مثل “فيشي أند سبايسي” أو “هيد هيست”. لكنّ هذه الأسماء تنبع من عادة تحويل المشاعر الكبيرة عديمة الشكل إلى كلمات مفتاحيّة واحدة. هذه العمليّة هي التي تلهمها ما ترسمه. تقول: “عندما أهتمّ بشيء أو أفكّر فيه، يبدو أوّلًا ككتلةٍ في ذهني، وأحاول العثور على الكلمة التي تنقل الشعور بدقّة.”
وهذا يقودنا إلى “المذكّرات البصريّة” التي تحبّ صنعها. إنّها جزء أكثر خصوصيّة من ممارستها، وقد وصلت إلى معارض في تايلاند، وهو أمرٌ يجعلها، على حدّ قولها، تشعر بأنّها مكشوفة بعض الشيء. تقول: “لا أعرف أبدًا كيف سيتفاعل الناس أو ماذا سيفكّرون. لكنّ المعارض بالنسبة لي هي طريقة لمشاركة شيء مع الآخرين. أشعر بأنّني إذا لم أكن مرتبطة بعمق بما أريد قوله، فإنّ الشعور الذي خلفه لن يصل.”
لكنّ الصدق المفرط والانكشاف الكامل قد يكون أمرًا صعبًا، لذلك تبني تشانيدا بعض الحماية في عملها. تقول: “لا أحاول أبدًا جعل عملي مفهومًا بشكلٍ مباشر. كثيرًا ما أستخدم الرموز والصور السرياليّة، مما يجعل العمل يتواصل عبر شعورٍ أو جوّ عامّ بدل أن يكشف بوضوح عمّا يعنيه كلّ شيء أو عمّن يتحدّث. هذا يتيح لي أن أشعر بالراحة في مشاركة شيء شخصيّ، مع ترك مساحة للناس لتأويل العمل بطريقتهم الخاصّة.”
في هذه الأيّام، يصل عمل تشانيدا إلى أبعد من تايلاند؛ فهي الآن ممثَّلة من وكالة POCKO في لندن، كما أنّها ترى فرصًا متزايدة لصنّاع الإبداع المحليّين في بانكوك. تقول: “لاحظت مؤخّرًا تشكيلة واسعة من أعمال فنّانين أصغر سنًّا. إنّهم يستكشفون طرقًا مشوّقة في السرد، ويجربّون وسائط مختلفة، ويصبحون أكثر ثقةً في التعبير عن الأشياء بأسلوبهم الخاصّ. مقارنةً بما كان عليه الحال عندما كنت أصغر، هناك أيضًا إمكانات أكبر بكثير لتطبيق الفنّ في مجالات تصميم مختلفة في تايلاند.”
تستعدّ تشانيدا حاليًّا لمعرضٍ جديد في “Ó! Galeria”، وهو معرض فنّ الرسم التوضيحيّ في بورتو، يفتتح في يناير. وتواصل عملها في مشروع تصميم الشخصيّات طويل الأمد “تشو بيليكين”، وهي شخصيّة من أوساكا صُنعت لصالح الشركة اليابانيّة “تاموراكوما”، وأُطلقت في وقتٍ سابق من عام 2026، ويجري الآن إطلاقها في جميع أنحاء العالم. هناك أيضًا مشاريع سريّة من المقرّر كشف النقاب عنها في 2027. تختم قائلة: “إذن، تمنّوا لي الحظّ!” ونحن بالتأكيد سنشجّعها؛ كلّ المشاعر معها.