قبل حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، كانت شروق خيرة، وهي شابة في الرابعة والعشرين من عمرها، رياضية تتدرب بانتظام على سباقات المضمار. لم تكن ألعاب القوى مجرد هواية بالنسبة إليها، بل جزءاً أساسياً من هويتها. شاركت في بطولات الناشئين وحصلت على لقب وطني عام 2016، وكان حلمها أن تمثل فلسطين في المحافل الدولية.
قالت شروق: «أردت أن يعرف العالم كله أن الناس في غزة يعيشون ويحلمون ويجتهدون ويحققون. وحلمت أن أشارك في الأولمبياد».
تحطّم الحلم في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أي بعد أكثر من شهر بقليل على اندلاع حرب تقترب الآن من ذكراها الثالثة، وقد قتلت إسرائيل فيها أكثر من 73,400 فلسطيني. كانت مدينة غزة هدفاً لهجمات إسرائيلية عنيفة خلال الأسابيع الأولى من الحرب، وفي حي الدرج استيقظت شروق على صوت قصف يستهدف منزل عائلتها. أصابت إحدى القذائف المنزل. نجت شروق، لكن إصاباتها كانت بالغة إلى حد أن الأطباء اضطروا إلى بتر ساقها اليمنى من تحت الركبة. كما خضع والدها، الذي زرع فيها حب الرياضة، لبتر ساقيه.
بعد صدمة الإصابة، أصبحت حياة شروق صراعاً يومياً متواصلاً حتى لأداء أبسط الأشياء. داخل الخيمة التي تعيش فيها أسرتها، بسبب دمار منزلها ورفض إسرائيل السماح بإعادة إعمار حقيقي في غزة، تكون الليالي صعبة للغاية. لا ضوء فيها، والعكازات لا تنفع في الظلام، فتشعر بأنها عالقة وتخشى أن تتعثر وتسقط على وجهها. أما خارج الخيمة، فالتنقل صعب في شوارع تحولت إلى رمال وأنقاض، وتضطر إلى القفز على ساق واحدة حتى تصل إلى وجهتها.
تقول شروق: «أعيش بين الألم والخوف والظلام والمعاناة، لكن قلبي يبقى صبوراً. صعوبة الحركة ستكون دائمة. أي طرف اصطناعي أحصل عليه، يبقى شعور الفقدان معي ويؤثر فيّ بعمق. أحياناً أشعر بالضعف وأبكي، لكن لا حلول أمامي، لذلك أحاول التكيف مع هذا الواقع المؤلم».
تأمل شروق في الحصول على ساق اصطناعية تجعل المشي أسهل، لكنها ما زالت تنتظر. وفي الوقت نفسه، عليها أن تذهب بانتظام إلى جلسات العلاج الطبيعي في مستشفيات مختلفة في غزة، وهذا تحدٍ إضافي. وسائل النقل القليلة المتاحة في القطاع باتت باهظة الثمن، لذلك تضطر شروق إلى قطع كيلومترات على ساق واحدة، وقد تصل متأخرة فتفوّت موعدها. وتقول: «كل شيء في غزة أصبح صعباً جداً، بل شبه مستحيل».
وقد أدى القصف الإسرائيلي العشوائي على غزة وما نجم عنه من انهيار في النظام الصحي داخل القطاع إلى نحو ستة آلاف حالة بتر منذ بداية الحرب، وفق وزارة الصحة في غزة. ونحو ربع هذه الحالات من الأطفال، وهذا يجعل الحرب في غزة المصدر الأكبر لحالات بتر الأطفال في التاريخ الحديث، بحسب الأمم المتحدة.
ويقول جراحو عظام في غزة إن كثيراً من حالات البتر كان يمكن تفاديها، لكن انهيار المستشفيات ونفاد المستلزمات الجراحية والمطهرات والمخدرات أجبر الفرق الطبية في أحيان كثيرة على اللجوء إلى البتر كأسرع وسيلة لإنقاذ الأرواح ومنع الغرغرينا.
ويعود هذا النقص إلى القيود الإسرائيلية على إدخال البضائع إلى غزة، وهي قيود ما زالت قائمة رغم اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025. ولا تقتصر القيود على المستلزمات الطبية، بل تمتد أيضاً إلى مواد أساسية لصناعة الأطراف الاصطناعية، مما يفسر التأخير الذي يعاني منه مبتورون مثل شروق. وتفرض إسرائيل رقابة صارمة على هذه الواردات، وبعضها يصنف ضمن ما يسمى «ثنائي الاستخدام»، أي القابل للاستخدام لأغراض مدنية وعسكرية، ومن ذلك السيليكون واللدائن الحرارية والجبائر الطبية والمفاصل الميكانيكية. كما أن هناك نقصاً في أخصائيي الأطراف الاصطناعية وتركيبها وفي أطباء إعادة التأهيل.
ومع هذا، حاول بعض الأخصائيين الذين ما زالوا يعملون في غزة إيجاد حلول بديلة، فصنعوا أطرافاً اصطناعية وعكازات مرتجلة من أنابيب بلاستيكية وقطع خشب وألمنيوم انتشلوها من تحت ركام المباني المدمرة. لكن جمال كلاب، أخصائي الأطراف الاصطناعية وإعادة التأهيل في غزة، يقول إن هذه الأجهزة لا تعوّض المواد المفقودة تعويضاً صحيحاً. ويضيف: «هذه الأجهزة المرتجلة غير مصممة وفق حاجة الجسم المحددة، لذلك لا توفر الدعم والتوازن المطلوبين، وتسبب توزيعاً غير متساوٍ للوزن يشكل إجهاداً على أجزاء أخرى من الجسم». ويحذر من أن عدم ملاءمة الطرف الاصطناعي للجسم يؤدي إلى احتكاك مستمر وتورم، تليهما تقرحات التهابية حادة تمنع استخدام الطرف لفترات طويلة.
وإلى جانب نقص المواد، فإن كثرة أعداد مبتوري الأطراف وعدم كفاية مرافق التأهيل يجعلان كثيراً من المرضى ينتظرون طويلاً قبل بدء برامج إعادة التأهيل. وهذا التأخير، وفق أخصائية العلاج الطبيعي بيسان كلوب، يسبب ضعفاً شديداً وضموراً في العضلات المحيطة بمنطقة البتر، وتيبساً في المفاصل، وانخفاضاً في مدى حركتها، وتورماً في الجلد يمنع التئام الجروح.
وتقول كلوب إن هذا التأخير يعيق المشي ويؤدي إلى وضعيات غير سليمة للمفاصل، ويضعف التوازن ويؤثر مباشرة في كفاءة استخدام الطرف الاصطناعي مستقبلاً. وتشدّد على أهمية إعادة التأهيل بعد الإصابة لرفاهية المريض، مشيرة إلى أن البيئة القاسية في غزة تجعل فقدان القدرة على الحركة قيداً شديداً وتضاعف التحديات النفسية، لا سيما لدى الشباب. وتضيف: «التحدي أعمق بين الشباب والأطفال، لأن البتر يمس صورتهم الذاتية وعلاقتهم بالمجتمع، ويحتاجون إلى إعادة تأهيل شاملة جسدياً ونفسياً واجتماعياً».
هذه المشكلات نفسها تعيشها شيرين أبو القمصان (18 عاماً)، التي أصيبت بجروح بالغة في هجوم إسرائيلي في مايو/أيار 2025، أدى إلى بتر ساقيها. وما زالت شيرين تنتظر الحصول على ساقين اصطناعيتين، كما تنتظر علاجاً في الخارج لا يمكن أن يحصل دون موافقة إسرائيل. حتى الآن، تعتمد شيرين على كرسيٍّ متحرك يدوي للتنقّل لمسافات طويلة. ومن منزلها في مخيّم البريج وسط قطاع غزة، حيث تعيش مع أفراد عائلتها الذين نجوا، تروي مدى صعوبة التنقّل. فقد قُتل شقيقها في قصفٍ منفصل في يونيو/حزيران 2024.
تقول شيرين: “التنقّل بالكرسي المتحرك مرهِق للغاية. شوارع غزة دمّرت بالكامل، وهذا يجعل مرور الكرسي أصعب بكثير”.
وهي مُضطرّة إلى الاعتماد على مرافقٍ في كل مرة تخرج فيها من المنزل. أما في الداخل، فتتمنّى أن تعتمد على نفسها، ولا تريد أن تبدو عبئًا على أحد، لكن ذلك يتطلّب منها جهدًا مضاعفًا لفعل أي شيء بنفسها.
بالنسبة إلى شيرين، وكذلك شروق، فإن التحدّي النفسي للعيش ببترٍ في الأطراف داخل غزة قاسٍ جدًا. تتذكّر شيرين اللحظة التي انقلب فيها كرسيها المتحرك في الشارع، فعادت بها الذاكرة إلى الانفجار الذي أودى بساقيها، بينما كانت تسقط على الأرض عاجزةً عن الحركة.
أما شروق، فتخشى أنه من دون طرفٍ اصطناعي مناسب وتأهيل حقيقي، ستتفاقم إصابتها، أو أنها قد تُستهدف وتُصاب مجددًا.
تقول شروق: “أنام منكمشةً على نفسي من شدّة الرعب. أخاف باستمرار من أن يسقط علينا قذيفٌ آخر فيأخذ ما تبقى من ساقي أو ذراعي. شعور انعدام الأمان الكامل يجعلني أنام وأنا أحتضن جسدي من الألم والحزن”.