نيروبي، كينيا — وفاة تلميذ في السابعة عشرة من عمره أثناء احتجاجات ضد إنشاء مركز حجر صحي تقيمه الولايات المتحدة حوَّلت مشروعاً صحياً عاماً إلى إحدى أبرز قضايا الخلاف السياسي في كينيا هذا العام.
ثلاثة قتلى، وإجراء قضائي أوقف أعمال البناء، ومركز مقترح يتسع لخمسين سريراً في قاعدة لايكيبيا الجوية في نانيكي أثار جدلاً حاداً حول المشاركة المجتمعية، والسيادة الوطنية، وتأثير الأطراف الأجنبية.
الغضب في لايكيبيا أعمق من حدثٍ عابر؛ المركز أعاد فتح جروح قديمة في مقاطعة لا يزال أثر الحكم الاستعماري البريطاني محفوراً في أرضها. بالنسبة لكثير من السكان، الخلاف لا يقتصر على المرض أو الصحة العامة، بل يتعلق بالأرض والسلطة وتراكمات تاريخية لم تختفِ تماماً.
تأخذ لايكيبيا موقعاً مميزاً في سردية الاستعمار الكينية؛ أجزاء واسعة من المقاطعة كانت جزءاً من ما عُرف بـ«الهضاب البيضاء» حيث حُجزت أفضل الأراضي لالاستيطان الأوروبي. وعلى رغم مرور أكثر من ستة عقود على الاستقلال، ما زال أحفاد عائلات المستوطنين يملكون مزارع ومحميات شاسعة، وتبقى نزاعات الملكية والتظلم التاريخي دون حل.
تفاقم الاحتجاجات ضد مركز الحجر الصحي أعاد إلى السطح تلك المظالم، ليُظهر كيف أن تساؤلات أثيرت قبل قرن أو أكثر ما زالت تؤثر في ردود الفعل تجاه التدخلات الأجنبية في كينيا اليوم.
تاريخ النزع الاستعماري للأراضي
قبل الاستعمار كانت لايكيبيا موطناً لرعاة الماساي والسامبورو وغيره من المجتمعات الرعوية التي تنقل قطعانها موسمياً عبر مساحات شاسعة من المراعي. جذور النزاعات المعاصرة تعود إلى بدايات الحكم البريطاني؛ عندما أصبحت كينيا محمية بريطانية عام 1895 توسّعت سلطات الإدارة الاستعمارية في الاستيلاء على مساحات من الأرض وإعادة تخصيصها للمستوطنين الأوروبيين.
عقود لاحقة شهدت إدماج أجزاء واسعة من لايكيبيا في نظام الهضاب البيضاء، بينما جرى نقل ملايين الأفدنة إلى ملكية المستوطنين ووجدت المجتمعات الأفريقية نفسها مستبعدة تدريجياً من أراضٍ كانت تستخدمها تقليدياً للرعي والحياة.
المؤرخون يرجعون كثيراً من المظالم الحالية إلى اتفاقيتي الماساي في 1904 و1911، اللتين سهّلتا نقل مجتمعات الماساي من أجزاءٍ من لايكيبيا والوادي المتصدع الكبير مع توسع المستوطنات الاستعمارية. مناطق أخرى خصصت للاستيطان الأبيض شملت أجزاء من منطقة جبل كينيا، وأوسين غيشو، ونايفاشا، ونakuru، وكيريشو، وترانس نزويّا، وجبل إلجون.
تأثير استمرار بقاء عائلات المستوطنين في لايكيبيا بعد الاستقلال لا يزال يحدد تصوُرات السكان المحليين لتدخل الأطراف الأجنبية في المنطقة، كما يشرح ديفيد كيولي، أستاذ التاريخ والآثار بجامعة نيروبي. بالنسبة لبعض السكان، يُقرأ مشروع الحجر الصحي في ضوء تجارب تاريخية مع قوى أجنبية جعلت من الأرض مسرحاً لاستخدامات استراتيجية لا تصب دائماً في مصلحة المحليين.
صدامات على الموارد والإجالات الأمنية
لم تكن التوترات الحالية جديدة من نوعها؛ ففي مايو 2021 تعرّضت الكاتبة والحافظة الإيطالية الشهيرة كوكي غالمان لإطلاق نار من قِبَل لصوص ماشية أثناء مرورها داخل محميتها في لايكيبيا. مزرعة غالمان، التي تزيد مساحتها على 40,500 هكتار، تعدّ من أكبر الممتلكات الخاصة المثيرة للجدل في المنطقة. الهجوم وقع في سياق جفاف حاد دفع رعاة الماشية إلى الخروج عن مسارات الرعي التقليدية بحثاً عن مرعى ومياه، ما أدّى إلى مواجهات مريرة إذ أن العديد من المزارع والمحميات الكبيرة كانت عملياً مغلقة أمام هؤلاء الرعاة.
حوادث استهداف ملاك الأراضي الواسعي النطاق مرتبطة بخلافات رعي متعددة عبر السنوات؛ بعضهم نجى من محاولات القتل بينما قُتل آخرون في حوادث منفصلة، وهو ما يراه كثيرون أعراضاً لصراع عميق الجذور على الملكية والتاريخ.
مسألة السيادة والتأثير الأجنبي
تزايد الوجود الأمريكي في كينيا خلال السنوات الأخيرة أثار مخاوف لدى بعض السكان. لعقود ظل التواجد العسكري البريطاني الأكثر ظهوراً في البلاد، لكن واشنطن وسعت شراكاتها الأمنية في المنطقة بما في ذلك عمليات في شمال كينيا وقاعدة ماندا باي في مقاطعة لامو. في هذا السياق أصبح مشروع مركز الحجر الصحي هدفاً لتجميع مخاوف أوسع بشأن السيادة والتأثير الخارجي.
تقول السلطات الأمريكية إن المركز يهدف إلى تعزيز الجاهزية لمواجهة تفشيات إيبولا المستقبلية وتوفير بيئة مراقبة محكمة لمواطنيها الذين قد يكونون تعرضوا للفيروس. وتُستشهد مكانة كينيا كمحور للنقل واللوجستيات الإقليمية إلى جانب شراكاتها الأمنية والصحية مع واشنطن سبباً لاختيارها.
أنصار المشروع يصفونه باستثمار صحي عام، بينما يرى معارضوه أنه يرمز إلى اختلال في موازين اتخاذ القرار وغياب مشاركة المجتمع المحلي. المتظاهرون ساروا في شوارع نانيكي بينما حمل بعضهم نعشاً رمزياً للتعبير عن رفضهم القاطع للمشروع.
تحمّل المسؤولية والسكوت الرسمي
أمام البرلمان الكيني في الثالث من يونيو، دافع وزير الصحة، عدن دوالي، عن قرار الحكومة بالمضي قدماً في المشروع، معتبراً أن قانون الصحة العامة يخوّلهم التصرف دون الحاجة لإجراءات مشاركة مجتمعية مطولة: «بموجب قانون الصحة العامة، لسنا مطالبين بإجراء مشاركة عامة؛ ولن نستشير المواطنين. حتى النواب حين يمرضون يهرعون إلى الطبيب لضمان الحصول على أفضل علاج». تصريحٌ أثار سخطاً إضافياً وفكّر كثيرين في مسألة ثقة الجمهور بقرارات تتخذ باسم الأمن الصحي دون إشراكهم في الحوار.
أما في الميدان، فالقضية لا تزال تراوح بين مطالب محلية بالعدالة الأرضية وتخوفات من بروز مواقع استراتيجية تُستغل لخدمة مصالح خارجية أكثر منها الصالح العام. قال دولي أمام البرلمان: «هذا الوباء لا يستدعي أي تشاور». أثارت هذه العبارة موجة استياء جديدة في صفوف خصوم المشروع، الذين يؤكدون أن متطلبات الدستور بشأن المشاركة العامة لا يجوز تجاهلها ببساطة.
كيلفن كوباي، محامٍ مسجل لدى المحكمة العليا الكينية، قال لقناة الجزيرة إن المادتين 10 و118 من الدستور تُحددان المشاركة العامة كقيمة وطنية يجب أن تُسترشد بها القرارات الحكومية الكبرى. وبحسب كوباي، فإن المخاوف المتعلقة بالمرفق لايمكن فصْلها عن التاريخ الطويل لإقليم لايكيبيا.
واختصر قائلاً إن التجارب السابقة ألقت بظلالها: «مرة تُؤذى، تصبح أكثر حذراً فيما بعد». أشار إلى اتفاقيات الماساي عامَي 1904 و1911 التي، متجاوزةً مبدأ المشاركة العامة، تنازلت عن مساحات شاسعة من السافانا الغنية والرعي بإقليم لايكيبيا لمصالح أجنبية؛ خطأ لا يرغب أهل الإقليم في اعادة تكراره.
لماذا كينيا ولماذا الآن؟
تُثار أسئلة أيضاً حول سبب اختيار كينيا لاستضافة مرفق قالت مجموعات من المنتقدين إنه سيخدم في محوره المواطنين الأمريكيين ولن يكون متاحاً للاستخدام الروتيني للكينيين في حالة تفشٍّ داخلي. وتساءل ناشطون وزعماء محليون عما إذا كانت الاعتبارات الصحية وحدها تبرر هذا التعجيل بالمشروع.
تشير تقارير حديثة إلى أن استراتيجية واشنطن لمواجهة الإيبولا تتكشف في سياق تنافس جيوسياسي أوسع، لا سيما في أفريقيا حيث تسعى كل من الولايات المتحدة والصين لتوسيع نطاق نفوذها. ويرى بعض المحللين أن المنشأة قد تُستخدم أيضاً لتعزيز الحضور الأمريكي في شرق أفريقيا على وقع تصاعد المنافسة الاستراتيجية، بينما تنفي السلطات الأمريكية أي غرض آخر غير الاستعداد الصحي.
لا يزال سكان المناطق المحيطة بقاعدة لايكيبيا الجوية ينظرون إلى المشروع بشك. قال مارلن نديغوا، قائد مجتمع محلي في نانيكي، للجزيرة إن أهالي المنطقة ما زالوا يفتقرون إلى إجابات مقنعة بشأن سبب المضي في المشروع رغم المعارضة الشعبية. ويعزو كثيرون الخلاف إلى شكاوى قديمة متصلة بملكية الأرض وتدخلات أجنبية في شؤون المقاطعة.
تصاعدت حدة التوترات مؤخرًا، وما تزال تداعياتها خطيرة: قتل ثلاثة أشخاص خلال احتجاجات منفصلة ضد المنشأة، من بينهم فتى في السابعة عشرة من عمره خرج صباح يوم اندلاع التظاهرات لجلب زي مدرسي من منزلة لدى عمته، فكان قتله رمزاً مؤلماً لكيف أن مشروعاً قِيِّلَ بأنه استعداد لحالة طوارئ صحية كشف عوضاً عن ذلك عن قضايا تاريخية عميقة لم تُحَل في كينيا.
بعد أكثر من قرن على تغيّر ملامح لايكيبيا تحت سلطة الاستعمار، لا تزال نقاشات حول الأرض والسيادة والتأثير الأجنبي تشكّل ملامح مستقبل المقاطعة. ووفقاً لكيولي، تبقى هذه الأسئلة في صميم الجدل: «يتساءل المرء: هل لأنكم لا تستطيعون قول “لا”؟ أم لأن سيادتنا مُقوّضة؟»