تحوّل الذكاء الاصطناعي سريعاً إلى أداة يستخدمها مئات الملايين من الناس، غير أن قادة قطاع التقنية يطلقون تحذيرات من تسارع تطوره، إذ يُنظر إليه على أنه تهديد للبشرية.
تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي اليوم إنشاء النصوص والصور، وكتابة شيفرات الحاسوب، وإجراء تحليلات معقدة كانت في السابق تتطلب وقتاً طويلاً وجهداً بشرياً كبيراً.
يرى مؤيدو هذه الأدوات أنها قد ترفع الإنتاجية وتخلق أنواعاً جديدة من العمل. لكن تطورها السريع أثار أيضاً مخاوف بشأن فقدان الوظائف، وانتشار المعلومات المضللة، والموارد اللازمة لتشغيل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. كما حذّر باحثون من أن التنظيم وضمانات السلامة لا يواكبان وتيرة هذه التقنية.
قال داريو أماندي، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك التي أنشأت أداة كلود، يوم السبت: “علينا أن نبطئ وتيرة تحسين قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي. سيبدو التقدم سريعاً على أي حال، ويجب أن نستفيد بحكمة من الوقت الذي نكسبه.”
إذن، ما مزايا الذكاء الاصطناعي وعيوبه، وإلى أين تتجه هذه التقنية سريعة النمو؟
يزيد الإنتاجية ويسهّل المهام
من الواضح أن إحدى فوائد الذكاء الاصطناعي قدرته على مساعدة الناس في إنجاز بعض المهام بسرعة أكبر. تُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي بالفعل في التعليم، وكتابة النصوص وتحريرها، وجمع المعلومات، والبرمجة.
وفقاً لتقرير السلامة الدولية للذكاء الاصطناعي لعام 2026 الذي نشرته حكومة المملكة المتحدة، يستخدم نحو مليار شخص الذكاء الاصطناعي في مجموعة واسعة من المهام. ووجد التقرير أن أكثر الاستعلامات تكراراً من مستخدمي منصة شات جي بي تي التابعة لعملاق الذكاء الاصطناعي أوبن إيه آي كانت تتعلق بإرشادات عملية لتحرير النصوص أو إنشائها، والبحث في الصحة الطبية، والبحث عن المعلومات.
وهناك أيضاً أدلة على مكاسب إنتاجية كبيرة في مهام معينة. في سبتمبر 2025، وجد بنك التسويات الدولية أن الذكاء الاصطناعي التوليدي حقق “مكاسب إنتاجية تتراوح بين 10 و65 في المئة، ومكاسب في الكفاءة تقدر بنحو 20 إلى 50 في المئة من حيث توفير الوقت”. وأضاف أن المكاسب كانت واضحة بشكل خاص في قطاعات مثل “البرمجة، ومهام الاستشارات، والكتابة المهنية”.
وقالت شركة التقنية الهندية ويبرو، على سبيل المثال، إن استخدامها للذكاء الاصطناعي حرّر طاقة تعادل 20 ألف موظف، أعيد توزيعهم على أدوار أخرى.
يخلق فرصاً ومهارات جديدة
بينما سيؤدي الذكاء الاصطناعي بالتأكيد إلى إلغاء بعض الوظائف أو تغييرها، فإنه يحفز أيضاً على إنشاء وظائف أخرى. يتزايد الطلب على مهارات تشمل برمجة تعلّم الآلة وتطوير روبوتات المحادثة. كما يستخدم مطورو البرمجيات الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة لكتابة الشيفرة قبل التحقق من النتائج وتصحيح الأخطاء فيها.
وتعني هذه التغيرات أن العاملين قد يحتاجون بشكل متزايد إلى تعلم كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي إلى جانب المهارات المهنية التقليدية. وقالت ساندهيا أرون، المديرة التقنية لشركة ويبرو، إن الشركة تدرّب أكثر من 100 ألف موظف على مهارات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في إطار تحولها نحو ما تسميه “نموذج التشغيل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي”.
يهدد الوظائف
يقول خبراء إن قدرة الذكاء الاصطناعي الرائدة على أتمتة العمل تعد أيضاً واحدة من أكبر المخاطر على المجتمع. ورغم عدم وجود بيانات ملموسة، حذّر تقرير السلامة الدولية للذكاء الاصطناعي لعام 2026 من أن نحو 60 في المئة من الوظائف في الاقتصادات المتقدمة و40 في المئة في الاقتصادات الناشئة قد تكون معرضة للذكاء الاصطناعي، بحسب كيفية تبنّي أصحاب العمل والعاملين لهذه التقنية.
وفي وقت سابق من هذا العام، أعلنت مجموعة من عمالقة التقنية عن تسريحات في ظل الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي والتحول نحوه. فقد سرّحت أمازون 16 ألف موظف في موجة ثانية من التسريحات خلال ثلاثة أشهر في عملاق التجارة الإلكترونية، بينما أعلن موقع التواصل الاجتماعي بينترست أنه سيقطع 780 وظيفة مع إعادة توجيه الشركة لمواردها وسط زيادة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
وهناك أيضاً مخاوف تتعلق بالذين يبدؤون مسيرتهم المهنية. وقال ستيفن كلير، الكاتب الرئيسي لتقرير السلامة الدولية للذكاء الاصطناعي لعام 2026، إن هناك “أدلة موحية” على أن العاملين في بداية مسيرتهم في مهن شديدة التعرض للذكاء الاصطناعي قد يجدون صعوبة أكبر في الحصول على وظائف.
يمكن إساءة استخدامه ونشر محتوى ضار
الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي ينشئ محتوى بناءً على بيانات موجودة، قادر على إنتاج نصوص وأصوات وصور ومقاطع فيديو مقنعة، وهي قدرات يمكن أيضاً استغلالها. استُخدمت التزييفات العميقة الناتجة عن الذكاء الاصطناعي لخداع الناس، كما استُخدمت أنظمة الذكاء الاصطناعي في الهجمات الإلكترونية.
واستخدمت تقنية التزييف العميق لانتحال شخصية مسؤولين أمريكيين كبار ومديرين تنفيذيين. ويمكن للمجرمين استخدام أصوات ومقاطع فيديو اصطناعية لجعل الناس يكشفون معلومات حساسة، ما يتيح الوصول إلى أنظمة الحاسوب وتحويل الأموال.
يستهلك طاقة وموارد كبيرة
تعتمد تقنية الذكاء الاصطناعي على مراكز بيانات مادية مليئة بشرائح حاسوبية قوية، تحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء والتبريد. ويطرح توسع مراكز البيانات أسئلة حول إمدادات الكهرباء وما إذا كانت الحكومات تملك بنية تحتية كافية لدعم مشاريع الذكاء الاصطناعي الكبيرة.
على سبيل المثال، مركز بيانات مقترح في ولاية يوتا الأمريكية قد يستهلك كهرباء أكثر من الولاية بأكملها. وإلى جانب الكهرباء، ينبّه ناشطون بيئيون في الولايات المتحدة إلى كميات المياه الهائلة اللازمة لتبريد الخوادم في مراكز البيانات، في وقت تعاني فيه أجزاء من البلاد من الجفاف.
كما اشتكى بعض السكان القريبين من مراكز بيانات أمريكية من الطنين المستمر الذي تصدره. وأشار استطلاع أجرته غالوب في مارس إلى أن 71 في المئة من الأمريكيين يعارضون إنشاء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي في مناطقهم.
ولا تقتصر المخاوف المتعلقة بمراكز البيانات على الولايات المتحدة والعالم المتقدم. ففي كينيا، لفت مركز بيانات مقترح بتكلفة مليار دولار، تشارك فيه مايكروسوفت وشركة التقنية الإماراتية جي 42، اهتماماً كبيراً. وسلّط الرئيس الكيني ويليام روتو الضوء على حجم احتياجات المركز من الطاقة، محذراً من أن بنية تحتية بهذا الحجم ستتطلب توليد طاقة إضافية كبيرة.