الولايات المتحدة تفرض عقوبات على منظمي الأسطول البحري إلى غزة لماذا يهم ذلك؟

واشنطن تفرض عقوبات على نشطاء شاركوا في أساطيل إغاثة تسعى لكسر حصار غزة

أعلنت الولايات المتحدة الثلاثاء عن عقوبات استهدفت أربعة ناشطين شاركوا في حملات أساطيل تهدف إلى كسر الحصار البحري المفروض على قطاع غزة، الذي يقطنه نحو 2.3 مليون نسمة معظمهم نزحوا بفعل الحرب الإسرائيلية التي وُصفت بأنها إبادة جماعية ضد القطاع. الإعلان جاء بعد أن اقتادت القوات الإسرائيلية، خلال اعتراضها لسفن مساعدات متجهة إلى غزة، ما لا يقل عن 430 ناشطاً، فيما يعاني القطاع من نقص حاد في الغذاء والماء والدواء والوقود نتيجة القيود الإسرائيلية على دخول المساعدات.

واشنطن اتهمت منظمي الأساطيل ـ من دون تقديم دليل علني ـ بأنهم يحاولون الوصول إلى الأراضي الفلسطينية “دعماً لحركة حماس”. الناشطون والمعنيون أبدوا خشيتهم من أن تُستخدم هذه الاتهامات والعقوبات لتبرير مزيد من الإجراءات القمعية، خاصة في ظل تقارير سابقة عن تعرّض محتجزين لسوء معاملة، بما في ذلك اعتداءات جنسية، وادعاءات بإطلاق القوات البحرية الإسرائيلية رصاص مطاطي على ناشطين أثناء الاعتراض في مياه دولية.

الخسائر الإنسانية والحصار
يُذكر أن حصار غزة مستمر برّياً وجوّاً وبحراً منذ 2007، وقد أدى إلى نقص حاد في الاحتياجات الأساسية. وفقاً لوزارة الصحة في غزة، قُتل أكثر من 72 ألف فلسطيني منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، بينما تُظهر سجلات أن أكثر من 800 قُتلوا منذ الاتفاق على “وقف إطلاق نار” في أكتوبر من العام الماضي. ناشطون دوليون يؤكدون أن الأساطيل تهدف لتقديم مساعدات وإنارة معاناة الحصار الذي تصفه منظمات حقوقية وخبراء الأمم المتحده بأنه عقاب جماعي للفلسطينيين.

من هم المستهدفون بالعقوبات؟
أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن العقوبات طاولت أربعة نشطاء مرتبطين بحملات أسطول غزة، من بينهم ممثلان عن المؤتمر الشعبي للفلسطينيين في الخارج (PCPA)، وهي منظمة تأسست عام 2017 بمكاتب في بيروت وإسطنبول ونظمت مؤتمراً في تركيا هذا العام تحت شعار رفض مشاريع التهجير وحق العودة، وساهمت في تنظيم حملات الأساطيل. كما استهدفت العقوبات اثنين من أعضاء شبكة الدفاع عن السجناء “سامدون”.

يقرأ  فنزويلا تعلن إطلاق سراح أكثر من ١٠٠ سجين سياسي — والبابا يلتقي ماريا كورينا ماتشادو

من بين الأسماء التي وردت: محمد خطيب من سامدون (تعرض للاعتقال سابقاً في بلجيكا واليونان)، جالديا أبو بكرة التي شاركت في أسطول الصمود العالمي العام الماضي، سيف أبو كشّك، مواطن إسباني اعتُقل وطُرد من إسرائيل هذا الشهر بعد مشاركته في أسطول وأدى إضراباً عن الطعام أثناء احتجازه قبل ترحيله إلى مدريد، وهشام أبو محفوظ، الأمين العام بالإنابة للمؤتمر الشعبي للفلسطينيين في الخارج.

انعكاسات العقوبات عملياً
لم تُقدّم الولايات المتحدة أدلة علنية تدعم الاتهامات لكن العقوبات تحمل آثاراً عملية واسعة: قد تُجمّد أي أصول للمستهدفين داخل الولايات المتحدة، وتحظر على الأميركيين التعامل معهم، وقد تدفع بنوكاً ومؤسسات مالية حول العالم لتجنب تقديم خدمات لمخاطرة انتهاك قيود واشنطن. كما حذرت الخزانة من أن بنوكاً أو منظمات أجنبية قد تواجه عقوبات هي الأخرى حال تعاملها مع أفراد مُدرجين على القوائم.

السياق الأوسع والردود
أعلنت إدارة ترامب سابقاً عن اتهامات مماثلة، وأكد سكوت بيسنت من وزارة الخزانة أن واشنطن ستواصل قطع شبكات الدعم المالي لحماس أينما وُجدت. في سياق متصل، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على قضاة من محكمة الجنايات الدولية المشاركين في قضايا متعلقة بجرائم حرب ضد مسؤولين إسرائيليين، بينما رفعت سابقاً عقوبات كانت مفروضة على مستوطنين عنيفين في الضفة الغربية. كما طالت العقوبات فرانشيسكا ألبانِس، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المختصة بالأراضي الفلسطينية المحتلة، بسبب عملها في توثيق الانتهاكات المزعومة في غزة، رغم أن قاضياً أمريكياً علّق لاحقاً تلك العقوبات.

ناشطون وجمعيات حقوقية دانوا القرار، معتبرين إياه محاولة لتجريم التضامن الإنساني مع غزة. “إنهم يحاولون قلب المعطيات بالكذب والادعاء أن مهمة مدنية سلمية تدعم إرهابيين”، قالت جيوتي فرنانديز، مزارعة ومنسقة سياسات في تحالف عمالي زراعي، مضيفة أن الحكومات يجب أن تُؤازر هؤلاء الناس بدل أن تفرض عليهم عقوبات.

يقرأ  لابيد يصف تعامل الأمم المتحدة مع إسرائيل بأنه «نظير دبلوماسي لنوبة ذهانية»

خوف من إضفاء الشرعية على العنف
منظمون وناشطون عبروا عن قلقهم من أن تُستغل الاتهامات لتبرير مزيد من العنف والاعتقالات، لا سيما مع احتجاز ناشطين من أكثر من 46 دولة وتزايد تقارير التعرض لسوء المعاملة أثناء الاعتراضات البحرية. كما وصف أحد أعضاء اللجنة التوجيهية لأسطول الصمود العالمي، سُمَيْرَة أكدينيز أوردو، العقوبات بأنها محاولة لتغيير السرد: “إنهم لا يستهدفون أربعة من رفاقنا فحسب، بل يحاولون استهدافنا جميعاً”.

الموقف الآن
المنظمون يؤكدون استمرارهم في رؤية مهمتهم كعمل إنساني ومسؤولية استنكار الحصار والمطالبة بمساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، بينما تتصاعد المخاوف من أن العقوبات ستقوّض القدرة على تقديم المساعدة وتُعيق عمل المجتمع المدني الدولي الداعم لغزة. «لن نتراجع، حتى لو اضطررنا لاستخدام قافلة برية أو تبنّي استراتيجية جديدة.»

«في السابق، عندما انطلقت قوافل أخرى، كنا نتعرّض أيضاً لادعاءات بأنّ بعض المشاركين أعضاء في حماس وأنّهم يخفون معدات على متن السفينة. لذا نؤكد أنّ مهمتنا مدنية وغير مسلّحة. هم يحاولون دوماً تكرار نفس اللعبة.»

اتهم جيريمي كوربين، زعيم حزب العمال البريطاني السابق والنائب المستقل حالياً، حكومات غربية بتسهيل هجوم إسرائيل على غزة.

قال لقناة الجزيرة: «أشخاص على متن القافلة يبحرون إلى غزة بهدف واحد: إنقاذ أرواح فلسطينيين يتعرّضون للمقتـل جوعاً بفعل إسرائيل. ولهذا تُختطف هذه الفرق، ولهذا يُجرّمون… الحصار جريمة، وكسره ليس جريمة.»

وصف النائب الإيرلندي بول ميرفي العقوبات بأنها «مَثال آخر على كيفية دعم القوة الأمريكية لإبادة ترتكبها إسرائيل».

وقال لقناة الجزيرة: «من الغريب والمفجع أن تستخدم الولايات المتحدة نفوذها لتفرض عقوبات أحادية على أفراد خاصين بتهمة محاولة كسر الحصار غير القانوني على غزة وتقديم مساعدات إنسانية لشعب يواجه إبادة.»

كما أثار اعتراض القافلة إدانة من عدة حكومات، بينها تركيا وإسبانيا والأردن وباكستان وبنغلاديش والبرازيل وإندونيسيا وكولومبيا وليبيا.

يقرأ  ترامب يعلن تعليق ضريبة البنزين وسط ارتفاع حاد في أسعار الوقود بالولايات المتحدة

اتهمت وزارة الخارجية الفلسطينية إسرائيل بارتكاب «جريمة جديدة تهدف إلى التغطية على جرائم إبادة وتجويع ترتكبها إسرائيل» في غزة.

وقالت الوزارة في بيان إنّها ترى هذا العدوان قرصنة كاملة وانتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي.

قالت الرئيسة الإيرلندية كاثرين كونولي، التي شقيقتها مارجريت من بين المحتجزن، إنّها «فخورة» لكنها «قلقة جداً» عليها وعلى الآخرين في القافلة.

كم حملة قوافل نُظمت من أجل غزة؟

برزت حركة القوافل المعاصرة عام 2006 خلال حرب إسرائيل على لبنان، وتوسعت بعد أن فرضت إسرائيل حصارها على غزة عام 2007.

منذ ذلك الحين، حاولت مئات السفن التي نظّمتها جماعات تضامن دولية الوصول إلى القطاع وهي تحمل مساعدات إنسانية ونشطاء.

في 2008، أصبحت سفينتان من حركة «غزة حرة» أول من نجح في الوصول بحراً إلى غزة رغم الحصار.

لكن منذ 2010، اعترضت القوات الإسرائيلية تقريباً كل قافلة في المياه الدولية.

كان أعنف الاعتداء في مايو 2010 حين اقتحمت وحدات إسرائيلية السفينة التركية ماف مرمرة، ما أدّى إلى مقتل عشرة ناشطين وإصابة العشرات. أثار الهجوم سخطاً عالمياً وأجهد العلاقات بشكل كبير بين إسرائيل وتركيا.

اعترضت أيضاً قوافل لاحقة في 2015 و2018 قبل أن تصل إلى غزة. وجاءت المهمة الأخيرة بعد قافلة كبرى أُطلقت في 2025، حيث جرى احتجاز وترحيل مئات الناشطين الذين أبحروا من برشلونة بعدما اعترضت القوات الإسرائيلية القافلة في المياه الدولية.

قال المنظمون إن العديد من المحتجزين في الاعتراض الأخير لا يزالون مفقودين.

وقال منظمو القافلة في بيان: «لم يتواصلوا مع محامين، وحُرموا من الوصول القنصلي، ولم تُخطر عائلاتهم بمكانهم.»

أضف تعليق