في دير البلح، غزة – بعض المكونات الإلكترونية، وقليل من الأسلاك، ولوحة دوائر قابلة للبرمجة، تكفي لتجمع مجموعة من الأطفال الفضوليين حول طاولة في وسط غزة ليتعلموا عن الروبوتات.
طلاب في مشروع “فريق الجيل القادم: مهندس الروبوتات الصاعد” في دير البلح يتعلمون كيفية دمج الحساسات في أنظمة الإنذار، ودراسة الروبوتات، وفهم عمل المحركات ووحدات الدفع، كما يخوضون تجربة مباشرة في البرمجة.
قد تنقذ أبحاث الأطفال أرواحا في المستقبل. فالروبوتات وأنظمة الإنذار المبكر التي يعملون عليها قد تمهد لتطورات أكبر، مثل الكشف المبكر عن تسرب الغاز والحرائق، أو مساعدة عمال الإنقاذ في الوصول إلى مناطق يصعب بلوغها، كالضحايا المحتجزين تحت الأنقاض.
درس اليوم سيعلم الطلاب أيضا علوم المستقبل، ويساعدهم على مواكبة التقدم التكنولوجي الذي يحدث خارج حدود غزة.
قبل الحرب، كان الطلاب يصلون إلى المدارس والجامعات والحاضنات وبرامج التدريب لتنمية اهتمامهم بالتكنولوجيا. لكن معظم هذه البنية التحتية دُمر أو تضرر خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، ولم يبق إلا أماكن وأدوات قليلة ليعمل بها الطلاب. ومع ذلك، فإن اهتمامهم بالروبوتات ورغبتهم في التعلم تساعدهم على الحفاظ على مهاراتهم وطموحاتهم للمستقبل، وهو ما يأملون أن يفيدهم عندما تتوقف القنابل عن السقوط على غزة.
حمزة الأطرش، 16 عاما، طالب يشارك في مشروع “الجيل القادم” ويتعلم كيف يمكن استخدام المكونات الإلكترونية لتطوير روبوتات وأنظمة إنذار مبكر. ولهذا يستخدم متحكما من نوع أردوينو، وهو لوحة دوائر قابلة للبرمجة تربط الحساسات، وبعض الإلكترونيات الأخرى.
يعمل الطلاب بما هو متاح لهم، لكن نقص المعدات وانقطاع الكهرباء يجعلان الدراسة تحديا.
صورة لحاضنة تكنولوجيا في غزة قبل الحرب، كان الطلاب يتلقون فيها تدريبا في التكنولوجيا والابتكار.
يقول حمزة للجزيرة: “لدينا قدرات وطموحات نريد تطويرها، ونحاول الاستفادة من كل فرصة متاحة للتعلم والتدريب”. ويأمل أن تفيد المهارات التي يتعلمها هو وزملاؤه مجتمعه، وتوفر فرصا جديدة للشباب في غزة. ويقول: “نقص الأجهزة والمعدات لا يعني أننا سنتوقف. إنه يدفعنا للبحث عن حلول والاستفادة القصوى من الأدوات البسيطة التي نملكها”.
التحديات التي تواجه هؤلاء الطلاب جزء من اضطراب أوسع في قطاع التكنولوجيا والابتكار في غزة. قبل الحرب، كانت في غزة عدة حاضنات تدعم مشاريع التكنولوجيا والشركات الناشئة. ويقول بهاء المصري، رئيس فريق التدريب في مشروع أنظمة الإنذار المبكر والروبوتات، إن المشروع قدم بصيصا نادرا من الأمل للأطفال والشباب في القطاع المحاصر. وأضاف للجزيرة: “وفرت هذه الحاضنات بيئة للتدريب والتطوير. ساعدت المبتكرين ورواد الأعمال على تحويل أفكارهم ومشاريعهم إلى نماذج أولية ومشاريع قائمة”.
لكن الحرب ألحقت أضرارا بالغة بهذا النظام البيئي: فقدت مساحات التدريب، وصار العثور على المعدات صعبا، وبقي الطلاب والمبتكرون أمام فرص محدودة للتجريب وتطوير أفكارهم.
ورغم استمرار التحديات، يواصل المدربون مهمتهم في تعليم خبراء التكنولوجيا الصاعدين في غزة. ويقول للجزيرة: “لدينا جيل من الطلاب يمتلك شغفا وموهبة حقيقية في التكنولوجيا والأنظمة الرقمية. إنهم بحاجة إلى البيئة والأدوات لتنمية هذه القدرات وتحويل أفكارهم إلى مشاريع تخدم مجتمعهم ومستقبلهم”.
التعليم يدفع الثمن
تزامن الانهيار شبه الكامل لقطاع التكنولوجيا في غزة مع الدمار الواسع في نظام التعليم، إذ استُهدفت المدارس والجامعات ومرافق البحث مرارا من إسرائيل خلال الحرب. وتشير تقديرات أولية للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أن الخسائر المباشرة في قطاع التعليم بلغت نحو 4 مليارات دولار. ومنذ أكتوبر 2023، دُمرت 17 مؤسسة تعليم عالي كليا أو جزئيا، ما منع نحو 620 ألف طالب ثانوي و90 ألف طالب جامعي من مواصلة تعليمهم. كما قُتل نحو 20,228 طالبا و830 معلما وكادرا تعليميا، إلى جانب 194 عالما وأكاديميا وباحثا.
وبالنسبة للطلاب الراغبين في دخول المجالات التقنية، يعني فقدان هذه المرافق التعليمية والمعلمين فرصا أقل لاكتساب الخبرة العملية وصقل مهاراتهم. وقبل الحرب، كان قطاع تكنولوجيا المعلومات أحد القطاعات الواعدة في اقتصاد غزة ومصدرا نادرا للدخل الأجنبي، بحسب أحمد أبو قمر، خبير الشؤون الاقتصادية وعضو مجلس أمناء نقابة الاقتصاديين الفلسطينيين. وكان أيضا فرصة للتوظيف لآلاف الخريجين الجامعيين في سوق عمل تعاني بطالة مرتفعة، مع توجيه نحو 80 في المئة من أنشطته الاقتصادية إلى الأسواق الخارجية.
ويقدر أبو قمر أن قطاع تكنولوجيا المعلومات يعمل الآن بأقل من 25 في المئة من مستويات ما قبل الحرب، بينما توقف أكثر من 70 في المئة من شركات تكنولوجيا المعلومات في غزة كليا أو جزئيا. وحتى لو نجت مكاتب شركة أو معداتها من الحرب، فإن تضرر البنية التحتية الرقمية جعل استمرار عمل الشركات صعبا. كما ارتفعت أسعار بعض المعدات التقنية، ومنها الحواسيب والأجهزة المحمولة والخوادم والموجهات وخطوط الألياف البصرية والكابلات، بأكثر من 600 في المئة بسبب صعوبات استيراد الأجهزة في ظل الحصار الإسرائيلي المستمر على القطاع.
وبحسب تقديراته، فقد نحو 30 ألف من العاملين في مجال تكنولوجيا المعلومات وظائفهم منذ بدء الحرب. وبلغت البطالة العامة نحو 80 في المئة، والفقر أكثر من 90 في المئة في القطاع.
هجرة الكفاءات
يقول عبد الله الطهراوي، خبير التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي في حاضنة التكنولوجيا التابعة للكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، إن النقص الحاد في معدات تكنولوجيا المعلومات الحيوية، مثل أجهزة التخزين والموجهات والحواسيب المحمولة، تفاقم بسبب تدمير البنية التحتية الداعمة للإنترنت والكهرباء، بما في ذلك الشبكات الأولية والثانوية. ودُمرت حاضنة التكنولوجيا في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، وهي من أبرز الحاضنات في غزة، خلال الحرب، ضمن أضرار واسعة لحقت بمؤسسات وبنية قطاع التكنولوجيا والرقمنة في القطاع. وهذا يجعل مهمة إعادة بناء قطاع تكنولوجيا المعلومات في غزة أكثر صعوبة مما كانت عليه قبل الحرب، خصوصًا مع الحصار الإسرائيلي الخانق على غزة.
وقال الطهراوي: إن التداعيات امتدت إلى التعاملات مع الأسواق الخارجية، بما في ذلك شراء الخوادم والخدمات الإلكترونية، وإدارة الحسابات الرقمية، واستخدام البطاقات والتجارة الإلكترونية.
قبل الحرب، كانت الحاضنات الخمس الرئيسية في غزة تقدم التدريب والإرشاد ومساحات العمل والدعم للشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا. وربما الأهم من ذلك، أنها وفرت للطلاب مكانًا لتطوير مهاراتهم، والتواصل مع الأسواق الخارجية، والعثور على فرص عمل.
ومنذ وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، لم تستأنف العمل سوى حاضنتين: حاضنة التكنولوجيا في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، المعروفة بـ«يو سي إيه إس»، وحاضنة مركز معان للابتكار وريادة الأعمال. لكن طاقتهما لم تتجاوز 20 في المائة من مستويات ما قبل 2023.
وبسبب الدمار الذي خلفته ثلاث سنوات من القصف الإسرائيلي ونقص العقارات، لم يعد لدى سوى 1 في المائة من شركات التكنولوجيا مكاتب، بينما لا يملك سوى 10 في المائة من حاضنات الأعمال مساحة مكتبية صالحة للعمل.
كما تأثرت الشركات التي تسعى إلى إعادة البناء والجامعات المستعدة لتعليم دفعة جديدة من طلاب التكنولوجيا بنزوح الكفاءات من القطاع، وهو ما يعيق التنمية والابتكار بشدة.
وقال الطهراوي: «أكثر من 80 في المائة من المهنيين ذوي المهارات العالية والخبرة في مجالات التكنولوجيا والرقمنة غادروا قطاع غزة». وأضاف: «مستقبل غزة لا ينفصل عن قدرتها على استعادة قطاع التكنولوجيا وتطويره».