أكثر من 180 شخصية يهودية بارزة، معظمها من صناعة الترفيه، أعلنت الأربعاء تأييدها القوي للممثل الهوليوودي مارك رافالو، ورافضةً الاتهامات له بمعاداة السامية التي واجهها منذ معارضته صفقة اندماج مثيرة للجدل بين باراماونت سكاي دانس ووارنر براذرز ديسكفري.
رافالو، المعروف بأدواره في أفلام “هالك” و”المنتقمون”، كان قد ربط صفقة استحواذ باراماونت المقترحة على وارنر براذرز، والبالغة 111 مليار دولار، بلاري إليسون، الشريك المؤسس لشركة أوراكل العملاقة والذي تملك عائلته باراماونت، وبموقفه الداعم لما وصفه بـ”الإبادة الجماعية” في غزة، إضافة إلى تعاون أوراكل مع الجيش الإسرائيلي.
وردّت باراماونت باتهام رافالو باستخدام “خطابات معاداة السامية”، معتبرةً أن الإشارة إلى “الإبادة” و”الفصل العنصري” في سياق صفقة تجارية هو “تجاوز للحدود”. غير أن رافالو رفض هذا الاتهام ووصفه بأنه “صادم وغير أمين”، مؤكداً أن انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية أو العقود العسكرية التقنية أو المسؤولين المعنيين ليس انتقاداً لليهود.
ويرى خبراء أن الجدل بين رافالو وباراماونت ليس سوى مثال واحد ضمن أمثلة لا حصر لها على مشكلة قديمة، تتمثل في أن اتهامات معاداة السامية أصبحت تُستخدم بشكل متزايد لتشويه سمعة منتقدي إسرائيل، خصوصاً مع تنامي الرأي العام الأمريكي الناقد لسلوك إسرائيل في غزة.
ففي 21 أغسطس/آب، شارك رافالو على حسابه في إنستغرام مقطعاً قديماً لسافرا كاتز، نائبة الرئيس التنفيذي في أوراكل، تتباهى فيه بدعم الشركة لإسرائيل بعد هجوم حماس على جنوب إسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قائلةً إن الشركة ساعدت في “الدفع بأجندة الجيش الإسرائيلي” خلال ما وصفه رافالو بإبادته في غزة. وقالت كاتز في المقطع: “لدينا تكنولوجيا مخيفة للغاية في أوراكل، وأردنا التأكد من أنها متاحة لهذه الجهود”.
وانتقد رافالو كاتز متّهماً إياها بالتفاخر بما أسماه “الإبادة” في “نظام فصل عنصري للقمع تديره أوراكل”. وأضاف: “من إحدى أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، التي تمد بعض أكثر القوى تدميراً ولا إنسانية في العالم. لماذا دفع ترامب هذه الصفقة غير القانونية؟”. وتابع: “مثل هذه الاندماجات تكاد تكون دائماً سيئة للعمال والمستهلكين والصناعة التي تميل إلى السيطرة عليها”.
وأدان جيم بيرك، الرئيس التنفيذي لمركز سيمون فيزنتال الداعم بشدة لإسرائيل، تصريح رافالو واصفاً إياه بأنه “حالة نموذجية من الهوس والشيطنة” لليهود، فيما وصفه جوناثان غرينبلات، رئيس رابطة مكافحة التشهير، بأنه “تصريح ساخر ومقزز”. لكن رافالو أوضح لاحقاً أن “آراءه نابعة من قناعاته السياسية الشخصية، ولا ينبغي أبداً تفسيرها على أنها عداء تجاه اليهود”.
وليس رافالو الممثل الوحيد في هوليوود الذي عارض الصفقة. ففي أبريل/نيسان، وقّع أكثر من 1400 شخصية من صناعة السينما، بينهم ممثلون ومخرجون بارزون مثل بن ستيلر وإيما تومسون، خطاباً يعارض الاندماج المقترح بين باراماونت ووارنر براذرز ديسكفري. وجاء في الخطاب: “هذه الصفقة ستزيد تركيز المشهد الإعلامي المكتظ أصلاً، وتحدّ من المنافسة في وقت لا تستطيع فيه صناعاتنا والجمهور الذي نخدمه تحمّل ذلك”.
من جانبه، وصف زاكاري فوستر، المؤرخ اليهودي لفلسطين، اتهام رافالو بمعاداة السامية بأنه “معيار مزدوج غير منطقي وفاقد للعقل”. وقال فوستر للجزيرة: “إذا هاجمت إسرائيل فأنت معادٍ للسامية، لكنك إذا هاجمت أي دولة أخرى في العالم لا يُتّهم أحد بالتحيز ضد الهوية الدينية المعلنة لتلك الدولة”.
وأضاف المؤرخ الأمريكي، مؤسس منصة “فلسطين نيكسوس”، أنه “من المهم جداً” الربط بين تواصل عائلة إليسون لشراء أصول إعلامية كبرى، بما يشمل نسخة تيك توك الأمريكية وشبكة سي بي إس، وبين صلاتها الوثيقة بالجيش الإسرائيلي. وأشار فوستر إلى أن “الأمر لا يتعلق بمحاولة كسب المال السريع”، فالهدف سياسي. وقال: “هذه الموجة المتنامية من انتقاد إسرائيل في الولايات المتحدة وأوروبا والعالم… يحاول لاري إليسون عكس اتجاهها”، في إشارة إلى تراجع الدعم لإسرائيل على امتداد الطيف السياسي في كثير من الدول الغربية.
وفي أكتوبر/تشرين الأول، استحوذت باراماونت سكاي دانس بنجاح على موقع “ذا فري برس” للتعليقات، وعيّنت مؤسسته المؤيدة لإسرائيل والمحافظة باري فايس رئيسة لتحرير أخبار سي بي إس. ولاري إليسون نفسه من أبرز ممولي جماعة “أصدقاء الجيش الإسرائيلي”، إذ قدّم 16.6 مليون دولار في عام 2017 وحده، قائلاً إنه “لا يوجد شرف أعظم من دعم بعض أشجع الناس في العالم”.
وليس رافالو أول شخصية بارزة منتقدة لإسرائيل تواجه اتهامات بمعاداة السامية. ويشير خبراء إلى أن هذه الاتهامات استُخدمت منذ زمن طويل لكبت الأصوات المؤيدة للفلسطينيين ولإسكات انتقاد إسرائيل في الولايات المتحدة وخارجها.
وقالت جينين يونس، المديرة القانونية للجنة الأمريكية لمناهضة التمييز العربي، للجزيرة: “بدأ الأمريكيون يدركون أن اتهامات معاداة السامية كثيراً ما تُساء استخدامها لإسكات انتقاد إسرائيل، لكن كثيرين لا يعرفون أن لهذه الاستراتيجية تاريخاً طويلاً”. وأشارت إلى حالتي الأكاديميين نورمان فينكلستين وستيفن صاليتا، اللذين واجها “عواقب مهنية خطيرة” بسبب انتقاداتهما الصريحة لمعاملة إسرائيل الفلسطينيين؛ فقد حُرم فينكلستين من الترقية، وسُحبت من صاليتا وظيفة جامعية، وأُقصيا معاً عن التدريس بدوام كامل في الولايات المتحدة.
كما أسقطت وكالات التعامل مع الممثلة سوزان ساراندون الحائزة على أوسكار، والممثلة ميليسا باريرا بطلة فيلم “سكريم”، بعد تصريحاتهما ضد ما وصفاه بالإبادة الإسرائيلية في غزة. وتعرضت مقدمة برامج الأطفال “مس راشيل” لانتقادات أيضاً بسبب حديثها المتواصل عن الأطفال الذين يُقتلون ويجوعون في القطاع المحاصر وسط استمرار الهجمات الإسرائيلية.
وأضافت يونس: “الوسيلة الأساسية تتمثل في تشويه قانون الحقوق المدنية عبر الخلط بين الخطاب المعادي لإسرائيل أو للصهيونية ومعاداة السامية”. وردّد المحلل السياسي الفلسطيني الأمريكي يوسف منير هذه المشاعر، فقال إن الحكومة الإسرائيلية وداعميها قرروا خلال العقد الماضي “الانتقال من الدفاع إلى الهجوم ضد منتقدي إسرائيل”. وأوضح منير للجزيرة: “يعتقدون أن مجرد الدفاع عن سياساتهم لم يعد كافياً. فمن الصعب جداً الدفاع عن الفصل العنصري والإبادة مثلاً. لذلك فإن الهجوم على المنتقدين هو أكثر فعالية للسيطرة على السردية”. استخدمت جماعات مؤيدة لإسرائيل أساليب عديدة ومتنوعة لإسكات الانتقاد الموجّه إليها، لكن اتهام منتقديها بمعاداة السامية يظل من أقدم هذه التكتيكات وأكثرها شيوعاً.
ويقول فوستر، مؤسس منظمة “بالستينيان نكسوس”، إن تكتيكاً رئيسياً آخر تستخدمه هذه الجماعات لصرف الانتباه عن انتقادات إسرائيل هو مهاجمة المسلمين والترويج لما يسمّى “خطر الإسلام”. ويتفق معه خبراء آخرون، مشيرين إلى الخطاب الأخير المعادي للمسلمين وللإسلام الصادر عن قادة إسرائيليين وداعمين لإسرائيل. فقد اقترح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخراً أن “أول جمهورية إسلامية تمتلك أسلحة نووية ستكون الجمهورية الإسلامية في بريطانيا”. كما أصدر الإعلامي الأميركي المحافظ والداعم القوي لإسرائيل بن شابيرو، خلال هذا الشهر، العرض الترويجي لفيلم “إنفدل” من إنتاج شركته “دايلي واير”، وقد تعرّض الفيلم لانتقادات واسعة لترويجه صوراً نمطية معادية للمسلمين.
أما المسؤولة في لجنة مكافحة التمييز العربية الأميركية، يونس، فترى أن اتهامات معاداة السامية كان لها أثر “ضار” على النشاط الفلسطيني. وقالت: “لم تعد هناك احتجاجات في الجامعات فعلياً، لأن سحق المعارضة من الكونغرس وإدارة ترامب نجح بشكل كبير. وأعتقد أن هذا أحد الأسباب التي جعلت حركة احتجاج طلابية كبيرة لا تنهض ضد الحرب على إيران”. وأضافت أن الجماعات المؤيدة لإسرائيل وجدت “شريكاً راغباً في انتهاك الحريات المدنية” لدى الحكومة الفيدرالية والكثير من حكومات الولايات والبلديات، ما خلق عواقب وخيمة تدفع الناس إلى التزام الصمت.
وأشارت يونس إلى أن الأمر لا يتطلب معاقبة الجميع، بل يكفي تدمير حياة عدد قليل من الأشخاص مثل محمود خليل وروميسا أوزتورك حتى تصل الرسالة إلى الجميع. فخليل، وهو خريج جامعة كولومبيا وشخصية بارزة في الاحتجاجات الجامعية ضد الإبادة الجماعية في غزة، اعتقلته وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية واحتُجز لشهور بسبب مشاركته في اعتصام استمر طويلاً في الحرم الجامعي بنيويورك. أما أوزتورك، وهي طالبة تركية في جامعة تافتس، فقد احتجزها عملاء الوكالة في وضح النهار أمام منزلها في سومرفيل بولاية ماساتشوستس، لمجرد كتابتها مقال رأي في صحيفة جامعتها تنتقد فيه أفعال إسرائيل في غزة. وقد أُفرج عنهما لاحقاً بعد الطعن في قرار احتجازهما. وقالت يونس: “حتى الأشخاص أصحاب النوايا الحسنة ليسوا مستعدين عادة للمخاطرة بحياتهم أو حياة عائلاتهم من أجل قضايا سياسية، وهذا أمر مفهوم”.
في المقابل، بدأ المد ينعكس. فوسط الهجمات الموجّهة إلى الممثل مارك روفالو، خرج عدد من نجوم هوليوود للدفاع عنه، بينهم جين فوندا وجون كوزاك وهانا أينبيندر نجمة مسلسل “هاكس”. ويوم الأربعاء، انضم إليهم أكثر من 180 شخصية يهودية في رسالة قالت: “لقد حان وقت التوقف عن الاستغلال الكاذب والخطير لاتهامات معاداة السامية ضد من يجرؤون على قول ما هو واضح: إن العدوان على الشعب الفلسطيني والاعتداء على حرياتنا في الداخل مترابطان بعمق، ولا شيء معادياً للسامية في الاعتراف بهذه الحقيقة”. ومن الموقّعين على الرسالة المخرج جويل كوين والممثل خواكين فينيكس والمخرج جوناثان غليزر، إضافة إلى شخصيات هوليوودية أخرى.
لكن هذه الموجة من الهجوم على روفالو تتزامن مع تحول آخر؛ فالرأي العام الأميركي تجاه إسرائيل يتغير بوضوح. ورغم الجهود المتصاعدة التي تبذلها إسرائيل وداعموها لإغلاق النقاش حول الفظائع الإسرائيلية والاحتلال والحصار المفروض على الأراضي الفلسطينية منذ عقود، يقول خبراء إن هذه الجهود تفشل. فمنذ بدء الإبادة الجماعية، تظهر استطلاعات تلو الأخرى أن شعبية إسرائيل في الولايات المتحدة وأوروبا، خصوصاً بين الشباب، تراجعت بشكل حاد. وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة غالوب في فبراير/شباط أن 41 بالمئة من الأميركيين يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، بينما بقي 36 بالمئة يتعاطفون أكثر مع الإسرائيليين. وقبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت النسبة 54 بالمئة لصالح إسرائيل مقابل 31 بالمئة لفلسطين.
وقال فوستر: “الواقع على الأرض غيّر نظرة الناس. لقد شاهدنا جميعاً الفيديوهات والمشاهد المروعة القادمة من غزة، ومن بعدها لبنان والضفة الغربية المحتلة واليمن والآن إيران. لقد اعتدت إسرائيل على ثماني دول خلال ثلاث سنوات، ورآها الجميع على حقيقتها”. أما يونس فقالت إن الجماعات المؤيدة لإسرائيل “تشعر بالخوف، لأنها تخسر السيطرة على الرواية ودعم الناس”. لكنها حذّرت في الوقت نفسه من أن على أمثال روفالو التمسك بموقفهم، مضيفة: “كلما تراجع أحدهم، يعتبرون ذلك قصة نجاح، ثم يفعلون الأمر نفسه مع المزيد من الناس”.